الرئيسية / أخبار ثقافيه / نادر رنتيسى يكتب*:أحملُ لحيتى
نادر رنتيسى

نادر رنتيسى يكتب*:أحملُ لحيتى

****************

أهمَلْتُ حلاقة ذقني: في اليوم الأول صَحَوْتُ متأخِّراً، في الثاني كانت المياه مقطوعَةً، في الثالث نفد معجون الحلاقة، في الرابع تركتُها عمداً، كان طولها الشبَهَ الوحيدَ الذي يجمَعُني بـ”براد بيت”، وفي صباح اليوم الخامس، وقبل أنْ أقفَ أمام المرآة، رأيْتُ في بثٍّ مباشرٍ من الحرب، جثَّةَ إنسانٍ حليقِ الذقن، ففكَّرْتُ أنَّ حلاقتها لن تحميني من الموت، فترَكتُها لليوم السادس!

ذهبتُ إلى العمل بوجه أصابَتْه عتمة، مع إحساس مُبهمٍ بالحزن، فسَّرَتهُ السيِّدة “ماغي فرح”، بتحرُّكاتٍ اعتياديَّةٍ، لا تثيرُ القلقَ، بين الكواكب، إلاَّ أنَّ المراسلَ الفضوليَّ، بَسْمَلَ بمجرَّدِ أنْ رآني، كأنَّني كائنٌ خرافيٌّ هبطَ للتوِّ من أحَدِ الكواكِبِ المُتَحرِّكة، ولما تجرَّأ، مقترباً منِّي، ربَّما للتأكُّدِ من هيْئتي “الأصليَّة”، أخبَرَني متصنِّعا القرفَ أنَّ الذقنَ المُهْمَلة تقطعُ كلَّ حبالِ الرِّزقِ، وتُغلقُ كلَّ أبوابه، وتطوَّعَ أنْ يذهَبَ لشراء ماكينة حلاقة..؛ ولحكمة ما لم يَفْعَلْ!

أربَكَتْني ملامح الاشمئزاز على وجهِ زميلةٍ كنتُ أحدَ الأسماءِ الأولى في قائمَتِها للزواج، وانقلبَتْ معاملة الموظّفِ الوحيدِ الذي أتفوَّقُ عليه تراتبياً، إلى فوقيَّةٍ مستفزَّةٍ، أشعرَني فيها أنَّني مستجدٌّ، والموظّفُ المستجدُّ فعلاً، قالَها صراحَةً إنَّه ينْبَغي أنْ أحرصَ على نظافتي الشخصيَّة، إذا أردتُ الاستمرارَ في العمل، بينما زميلتي المسكينة، سألتْني وهي على وشكِ البكاءِ إنْ كانَ أحد من عائلتي قد ماتَ أو سيَموتُ. شاعَ أمرُ ذقني في المؤسَّسَةِ، حتى استدعاني المديرُ، وتأمَّل ذقني في ريبَةٍ، قبلْ أنْ يسْألني عن موقفي الصريح من أحداثِ “11/سبتمبر”!

أمِّي ابتهجت لأنَّ “الله هداني”، وتشجَّعت بطلب أنْ أرافِقَها إلى “العُمْرة”، خالي الإمام، ابتهَج أيضاً بعودة الثلثين منِّي إليه، ولاكتمال الثلث الأخير، نصَحني بحفّ الشارب، أما صديقي الوسواس، فرأى في لحيَتي، وقد بدت في اليوم الثامن فوضاويَّةً بملامح ثورية، أنَّها بوادر تأمُّل، وطرح أسئِلَةٍ “مُحرَّمَة” ستقودُني حتماً إلى “التقدُّم” فـ”التقدمية”. في اليوم التاسع نويْتُ اجتثاثَها، إلاَّ أنَّ جرسَ البابِ رنَّ بإلحاحٍ غريبٍ: كانَ جارُنا المضطَرِب، المعقَّد، المختلّ أحياناً، ينْصَحُني بمراجعة طبيبٍ نفسي “شاطر”!

حمَلتُ لحيَتي، فتغلَّبَتْ بها جارَتنا المُريبَة المشاعر، وطالبَتْني بحلقها حتى يفتحَها الله في وجهي، وتمْتَمَتْ بدعاءِ الشِّفاء في سرِّها المُعْلن، واستفزَّت رجُلَ الأمْن في دورية الشرطة المرابطة قربَ منزِلِنا، فيَسْألني أين ذهبتُ، وأين أنوي العودة، وأثارت شفقة سائق التاكسي، فأعفاني من نصفِ الأجرَةِ، واعتبرَها في سرِّه المُعْلَن صدقَةً جاريَةً. في اليوم العاشر، اتخذتُ القرارَ الذي تأخَّرَ كثيراً، وقفْتُ أمامَ المرآةِ، رأيْتُ وجهي المُعْتِم بالأسرارِ، ابتَسَمْتُ، ضَحِكْتُ، ثمَّ بالغْتُ في الضحك!

غضبَتْ حبيبتي منِّي، واتفَقْنا أنْ نفسَخَ عقدَ الحبِّ بالتراضي، ولم أكترث، حتى عندما هاتَفَني مديرُ شؤون الموظفينَ، وأخبَرَني بأنَّني خالفْتُ شروطَ التعاقُدِ بإطلاقِ لحيَتي، ولم أكترث، حتى عندما زارَني في الليل رجلٌ صارمٌ وأخذَني إلى مكتب وثير لأكتبَ عشرة أسبابٍ صريحَةٍ وراء إطلاق لحيَتي؛ وكتبتُ ما يلي:

صَحَوْتُ متأخِّراً، وكانت المياه مقطوعَةً، ثمَّ نفد معجونُ الحِلاقة، فتركتُها لأشبِهَ “براد بيت”، وكنتُ على وشك أنْ..؛ لكنني رأيتُ جثة إنسانٍ حليقِ الذقن، ثمَّ أعجبني انشغالُ الناس في أمرِها، فيما هي تثابر على النموِّ، وكنتُ على وشك أن؛ لكنَّني لمحتُ شعراً أبيض، جعَلَني على أمل بأنْ أكونَ أقرب إلى “محمود عبد العزيز” في “إبراهيم الأبيض”، ثمَّ غضبَتْ حبيبَتي، وتمادت لحيتي في النموِّ، فطردَتْني المؤسسة، والدولة أنذَرَتْني، فراجَعْتُ نفسي، ووقفتُ أمام المرآة؛ لكنَّني تذكَّرتُ أنَّ لحيَة القتيل لم تطلْ؛ فتركتُها لليوم الحادي عشر!

**********************

كاتب من الأردن

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...