الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام أصلان *يكتب:الجرافيتى ..ورائحة القمامة …
الروائى المصرى هشام أصلان

هشام أصلان *يكتب:الجرافيتى ..ورائحة القمامة …

15182485681457985001

===========================================

1

بينما مرّت العربة الصغيرة أسفل كوبري إمبابة المعدني، بشكله المميز معمارياً، رأيت السقّالات الحديدية مشدودة على واجهات بيوت حي الكيت كات الشعبيّ، المطل على نيل القاهرة. والعُمّال يدهنون تلك الواجهات بالأبيض.

بعد أيام، بات صفّ البيوت، من عند الكوبري حتى مشارف حيّ العجوزة، لوناً واحداً.

يومها قال أحدهم إن الحكومة قامت بمحاولة تحسين الصورة التي يراها سكان حي الزمالك الارستقراطي، على الضفة الأخرى للنهر، بحيث إذا نظروا يقابلهم مشهد جميل لبيوت الكيت كات. وإن كان لا يهم ما بداخل هذه البيوت، أو ما تداريه وراءها من شوارع خلفية، وحياة. لم يكن فن الغيرافيتي قد ظهر طبعاً.

2

لم أكن سمعت عما قام به الفنان التونسي إل سيد وأصدقائه، في حي منشية ناصر الواقع بجانب من ضاحية جبل المقطم في القاهرة، حتى قرأت ما كتبه الفنان أحمد اللباد في “فايسبوك”، بلغة غاضبة.

الحي مشهور بسكّان يترزقون من تدوير القمامة، وهو من الأحياء العشوائية التي تتعرض لمعاناة يحتاج الكلام عنها إلى صفحات لا تنتهي. بادر إل سيد، بمساعدة آخرين من بينهم أهل الحي، ورسم غرافيتي عملاقاً على واجهات البيوت. قرأت أن الرسمة تحوي عبارة فلسفية عن وجوب أن تنظف عينيك كي تستطيع رؤية الشمس. لم أستطع تبيّن العبارة في الصور التي نشرتها الصحافة.

الفكرة هي تلوين أجزاء صغيرة من البيوت، لتكوّن في ما بينها الرسمة الكبيرة، التي لن تستطيع رؤيتها كاملة إلا من فوق نقطة بعينها أعلى الجبل، أو من طائرة!

الصور أوضحت أيضاً، مع اقتراب الكاميرا من تفاصيل الرسم، أن السكان والمارة القريبين، لن يروا شيئا، سوى مسحة لون صغيرة على كل جدار، أو بوصف اللباد:

“أصحاب العمل عملوا لوحة حروفية تلوينية مش مقصود بيها الناس اللي اتنفذت على بيوتهم.. بل استعملوا بيوتهم كأرضية هايشوفها ناس تانية من بعيد مالهمش علاقة بالمنطقة”. يرى أن المسألة تعكس “نظرة نخبوية متعالية”، تكرسّ التجميل الخارجي شكلاً للمقاومة، متجاهلة الاشتباك مع الواقع وشروط الظلم العميق فيه: “خصوصاً بفن الغرافيتي، الذي من مفترض أنه فن الدعوة المستمرة للتمرد والتحريض على رؤية الدنيا بشكل مختلف”.

نظرة اللباد جاءت وجيهة، أتصور. خصوصاً في مقابل تناول صحافي سطحي، وعناوين برّاقة حول الجمال الذي خرج من قلب مقالب القمامة والرائحة الكريهة! وكأن الرائحة ذهبت عن أنوف السكان، وعملت على تحسين معيشتهم، واشتغلت على رفع إحساسهم بالقبح والجمال.

الكوميديا تجلّت، عندما ثار جدلًا، بعدما نشر البعض كلامًا عن تصريحات حكومية تنسب الأمر لإدارة الحي، وتدعي تطوير المنطقة!

3

في حضن الجبل نفسه، وعلى بُعد أمتار من غرافيتي المنشية، تحديداً حي الدويقة، تقبع صخرة عملاقة، لم تستطع الحكومة رفعها منذ وقعت من حافة الجبل فوق رؤوس السكان، لتنهي حياة مئات الأُسر من دون مبالغة، في حادثة شهيرة استيقظت مصر على وقعها ذات صباح.
الدولة، بعد محاولات وإنقاذ ما أمكن إنقاذه، اعتبرت الصخرة وما تحتها مقبرة جماعية للجثامين التي لم يمكن استخراجها. تناسى الجميع الجانب الجنائي في الحكاية، حيث حذّر الخبراء مراراً من خطورة السكن في هذه المنطقة. الأحياء التي في حضن الجبل جميعها، معرضة للخطر.

المسألة ليست بثاً للطاقة السلبية في وجوه من حاولوا تحسين الصورة، ولا هي نظرة متشائمة تزاحم أصحاب الأمل والإيجابيين أو إحباطهم. هي فقط محاولة للفهم والقراءة، ووضع الأمور في سياقها.

بعيداً من أن دعوة تنظيف العينين لرؤية الشمس، يليق بخبراء التنمية البشرية، يراودني سؤال حول ذلك المتلقي الذي سيستطيع قراءتها.

4

بعد سنوات طويلة من دهان بيوت الكيت كات، ترضية لعيون أهل الزمالك، سيخبرني صديقي التشكيلي علاء عبد الحميد، أن صديقته جاءت معه من باريس، وأنها تصوّر فيلماً عن الحيّ، وتريد أن ندردش حول تاريخ المنطقة.
نتحدث كثيراً وأنسى تماماً أن أحكي لها حكاية دهان البيوت بالأبيض، ولدهشتي تفاجئني بحكاية لا أعرفها عن الحي الذي تربيت على تخومه.

=============

كاتب -مصر

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...