الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام أصلان *يكتب سيد زيان :دنيا حظوظ…
الروائى المصرى هشام أصلان

هشام أصلان *يكتب سيد زيان :دنيا حظوظ…

images

==============================================================

1
بينما المصريون يصِلون الليل بالنهار إنشغالاً بجزيرتي تيران وصنافير، وإنتقال تبعيتهما من السيادة المصرية إلى السعودية، مات سيد زيان.

كانت المواقع مشتعلة، تتابع دقيقة بأخرى حديث الرئيس لمن اعتبرهم “ممثلي المجتمع”، عندما “تسرب” خبر وفاة الفنان على استحياء.

إنسحاب هادئ يليق بممثل ينتمي إلى تلك الفئة التي وصفها أحمد فؤاد نجم بـ”ملح الأرض وتراب العجين وصناع الوجود”، وأحد النجوم الذين لم تمثل أسماؤهم يوماً أهمية كبيرة لشباك التذاكر. ربما عدد من مسرحيات القطاع الخاص بيعت باسمه، على كبر.

لن نفتقد “العسكري الأخضر”، كما قالت مواقع إخبارية، في عناوين كليشيهية، وتغطيات سريعة. الرجل أبعده المرض منذ سنوات، ولم نشعر بشيء. ليس جَلداً للذات، لكن هذا ما يحدث عادة. هو من هؤلاء الذين يحتلّون مساحة معقولة في الوجدان والذاكرة. ذلك الصوت الجميل فادح التميز وخفة الظل الذكية. موهبة ظُلمت باستسلام صاحبها لاستسهال صُناع السينما. ربما لم يكن استسلاماً لهم، بقدر ما كان خضوعاً للظرف وحاجة إلى العمل.

مَن هم مثله يدركون بعد فترة مكانهم بالضبط في الأجواء المحيطة. قد تقل رهاناتهم، ويتصالحون مع الأمر الواقع من أجل إكمال المشوار. لكنه بمجرد بصيص فرصة يفاجئك، وتكتشف في الكوميديان شيئاً آخر غير محض إفيه.

بإنسيابية، يتحول “النونو”، صبي فضة المعداوي في “الراية البيضا”، دُرة أسامة أنور عكاشة، من الشغّيل الخاضع لجبروت سيدته، وذراعها الأيمن وعونها على الظلم والاستبداد عبر 29 حلقة، إلى متمرد على القمع في الحلقة الأخيرة، ومنحاز إلى الحق بجدية وإنفعال يتناقضان مع تركيبته الهزلية طيلة المسلسل.

images (1)
2
هناك مفارقات قدرية تحدث للواحد، وأخرى يصنعها صاحبها..بعد ما التحق سيد زيان بمعهد الطيران، وتخصص في قسم الهندسة، وعمل في القوات الجوية المصرية، إشترك في فرقة المسرح العسكري، التي، بحسب مواقع صحفية، قدمت عدداً من المسرحيات العربية والعالمية لكبار الكتاب. لا أعرف إذا كان هذا المسرح مازال قائماً حتى الآن، وإن كان وجوده في ما قبل، كي، يُعد مفاجأة بالنسبة إليّ.

الرجل الذي ترك العمل في سلاح الطيران ليتفرغ للتمثيل، بالتأكيد كان لديه حلم جاد وكبير، راح في سبيله يتنقل بين عدد من الأدوار الصغيرة، استطاع إعطاءها صبغة خاصة، بلزمات لا تُنسى، وتشكيل رسمه لنفسه. بات سيد زيان في حد ذاته شخصية فنية و”ستايل تمثيل”.

ولادته الحقيقية كانت على يد فؤاد المهندس، في “سيدتي الجميلة”، المسرحية التي كان لها دور كبير أيضاً في التخديم على شويكار، بمنحها عبارات خالدة.

بعد سنوات، وتحديداً بين منتصفي الثمانينات والتسعينات، سيعيش المسرح المصري مرحلته التجارية بإمتياز، وبجانب مسرحيات شهيرة لنجوم الدرجة الأولى، جاءت مسرحيات بمواصفات صيفية، قام ببطولتها نجوم الصف الثاني والثالث في السينما. لم يخزلهم المسرح، واحتلت أعمالهم جزءاً كبيراً من تلقي العائلات المصرية والعربية، خصوصاً مع انتشار أجهزة الفيديو في تلك الحقبة. كان لسيد زيان، المحبوب، نصيب بين هؤلاء، بمسرحيات منها: “البراشوت”، “الفهلوي”، “العسكري الأخضر” و”القشاش”.

وعلى الرغم من إنصاف المسرح بإعطائه بطولة مطلقة، إلا أن علاقته بالسينما شكّلتها مجموعة كبيرة جداً من الأفلام. تستطيع التوقف عند بعض المشاهد في أعمال سينمائية مهمة، مثل: “ليلة ساخنة”، “الجراج” و”البيه البواب”، مع عدد صعب الحصر من الأفلام التجارية، التي على خفتها، قدم عبرها ما يريح جلسته في ذاكرتك، إضافة إلى مسلسلات جادة: “العائلة”، “عمر بن عبد العزيز” و”المال والبنون”.

153

3
لم يخلُ سيد زيان، في تصوري، من وسامة ما. ربما لم تكن تقليدية تساعده على تقديم الأدوار العاطفية، لكنها كانت موجودة. الذكاء الحاد يظهر في حديثه عن الفرق بين نُكتة ينساها الناس بسهولة، وأخرى تظل عالقة برؤوسهم. حالة تأمل دفعته ذات فترة إلى متابعة أحد الباعة الجوالين مهووساً بصوته الحُلو في النداء على بضاعته. بدت نشوة حقيقية على وجهه وهو يقلده في أحد البرامج التلفزيونية.
ببعض الحظ، كان يمكن لسيد زيان أن يأخذ من الحياة والفن أشياء أفضل. وببعض من وفاء الأصدقاء واهتمامهم، كان يمكن لمشهد تشييعه أن يصير ملائماً، وأن يتجاوز عدد زملائه من الفنانين في الجنازة، أصابع اليد الواحدة.
=================
*كاتب مصرى

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...