الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.أحمد بن بنور* يكتب : أركون أو المفكر التنويري وشتائميات حميش التكفيري..

د.أحمد بن بنور* يكتب : أركون أو المفكر التنويري وشتائميات حميش التكفيري..

  

 

   خلال زيارتي الأخيرة للمغرب ، حدثني العديد من الأصدقاء المثقفين عن استنكارهم للشتائم الرخيصة التي تفوه بها السيد حميش ، واطلعوني على ادعاءاته الوقحة  في حق المفكر الكبير محمد أركون ، ولأني شخصيا تشرفت بالتعرف على الأستاذ الراحل  بل كنت من ضمن طلبته، فإني أشعر بأن الرد على هذه الترهات واجب ثقافي فضلا عن كونه أخلاقي ..

 وبالطبع فإن كلمة الأستاذة الفاضلة ثريا اليعقوبي زوجة الأستاذ أركون ، هي الجواب القاطع ، جواب الكرامة المنتفضة في وجه  حميش، وقد تجرأ متفوها بأقاويل قدحية تصغيرية منها : “ولو كان الرجل في كل كلامه ذاك محققا موثقا لأخذناه على مـحمل الجد وحاورناه بالتي هي أحسن، لكنه في الغالب الأعم إنما يبرع في اللوغوماشيا، أي الكلام المتهافت الملقى على عواهنه إلقاءا “

    في فقرة أخرى نقرأ :

 :”إن سلوك أركون المستميت والمدمن على استعمال أفكار ومقولات متشنجة راسخة والترويج لها يبعده عن دوائر الفكر الفلسفي، وحتى عن البحث القويم والموضوعي في الإنسانيات، ويدخله في المقابل بين طيات الكتابات المؤدلجة التي لا تفيد الفكر ولا العلم، ولا تصمد أمام رياح التصفيات النهائية فالنسيان “

   و يضيف حميش بأحقاد لغة فقهية عتيقة :” بضاعة الإسلامولوجي أركون من اللغة العربية دون المستوى المطلوب من متخصص، فإن تكلمها أَلكن ولحن، وعن كتابتها عجز وتأخر”…

 وفي نفس السياق وهذا بيت القصيد يستخلص هذه التهمة  الرخيصة : ” بغض النظر عن ادعاء تعاطيه البحث العلمي، إنما يستعمل ترسانة من المفاهيم والمناهج يمكن تسميتها أركونيات تروم في آخر التحليل تقويض أساسيات الإسلام دينا وثقافة.”

أعتذر للقراء وأنا أسرد هذه الترهات التى تستهدف هذا الصرح الشامخ ، لن أتوقف عند هذه التعابير المنحطة ولا سيل الاتهامات التى تريد الإقناع بأن المفكر الكبير كان مجندا في خدمة مشروع يستهدف تهديم القرآن بعلة المنهج التفكيكي ، لن أتوقف عند تعبير arkounoïdes  كما سجله حميش بالأحرف اللاتينية  وزنا على : anthropoïde  وهذا بفصيح الفرنسية يحيل على فصيل من القردة هو الأقرب خلقة لإنسانية الإنسان.

 لا داعي للاستغراب فقد تعود السيد حميش شتم المثقفين واحتقارهم متى ما اختلفوا معه أو متى ما تألقوا فقد قال عني شخصيا ودون أن يطرق له جفن ” إنه يكتب تلك الكتابة حتى لا يموت كذبابة” وقال عن قراء أدونيس ” إنهم إجمالا عديموا الحس النقدي والفطنة والبصيرة وهم عبارة عن قردة وأقزام “

 نعم إن سيل الشتائم الحميشية لا يتوقف، فقد نعت عيوش  الأب بالجهل و الهرطقة أي الزندقة بالمفهوم التقليدي التكفيري ، تم تحول نحو الإبن عيوش ناعتا إياه بالفساد والإفساد ، حتى بدون أن يرى شريطه السينمائي ، وقد سبق أن شتم الطاهر بنجلون وفؤاد العروي واستهزأ بحسن أوريد ، وتطاول على الصرح الخالد جمال الدين بن الشيخ ، وقال عن الناقد محمد برادة إنه “البرادة الفارغة”، أما أدونيس  فقد  هجاه  منذ اكتشفه كما يقول خارجا عن الدين القويم .. أما الصحافة فهي ” كلبية” وأهلها ” أذناب شعبويون ” إلخ…إن اللائحة تطول ولكن لنقف هنا حتى لا نثقل على القراء الكرام بهذه الصغارات …

      سؤال يحيرنا ما الذي يفجر هذه الأحقاد الجاهلية  تجاه أي مثقف يستنشق في كتابته نفسا تنويريا ؟هل يريدنا حميش مبايعته إمام الأئمة وسيد العلماء حتى إذا اعتبرنا ذلك مزحة سخيفة انهال علينا تقريعا تم سبا فلعنا ووعدا ووعيدا بالنفي في هذه الدار والعذاب الأليم في الدار الأخرى ؟ هل يريدنا أن نفرغ أدمغتنا من أمخاخنا ونضع مكانها أمخاخ العصافير حتى نزقزق ساعتها مصفقين لإنشائه البائس ؟ هل أصبح  يتصور لأنه استضبع أهل حزبه ومعهم خدام مبارك و بعض القراء أن قدراته الاستضباعية لا يشق لها غبار ؟

إذا كان يرى المثقفين وأهل الفكر مجرد ذباب وخنازير وقردة، فهل يعتقد نفسه الإنسان الأوحد سواه الله فعدله تم في أحسن تقويم ركبه وبأجمل الخصلات زينه ؟

لكن من منا قد استنكر يوما ؟ ولماذا الاستنكار وحميش مشهور بشتائمه ، مشهور بنقص المعرفة ، و نقص التربية . مشهور باهتزاز المنهجية علميا ، و نقص الحس الفني العاطفي روائيا . مشهور بالتطاول على التاريخ بلا تكوين المؤرخ ، و التطاول على الفلسفة بدون الإلمام بإشكاليات الفلسفة . مشهور بكونه كان وزيرا فارغ الجعبة من أدنى برنامج ثقافي ولكنه طافح الجعبة بثارات جاهلية تستهدف الانتقام من الإبداع والمبدعين .. مشهور بكونه يصرخ صباح مساء بأنه يتقن الإنجليزية والإغريقية والإسبانية ، والكل يعلم أنه لا يحسن تركيب ولا نطق جملة واحدة في لغة واحدة من هذه اللغات …

ما أكثر المثقفين يتحدثون فيما بينهم عن حميش، ويتوقفون عند الزاد الهزيل والادعاءات العلمية المنتفخة  .. لكن كيف الجهر  بهذا في ظل الرقابة الخانقة، وفي ظل  مؤسسة ثقافية  تقليدية تؤطر الفكر وترسم العلامات الحمراء . ومتى أصبح حميش  جزء من هذه المؤسسة في ضحالتها وقصر رؤيتها،  فإن أيا من يتعرض له يتعرض لهذه المؤسسة وعليه تحمل العواقب ماديا ومعنويا .. لكن من ينكر أن حميش هو التعبير الجلي عن ضحالة المؤسسة الثقافية الرسمية ؟

ماذا يتبقى غير الصحافة ؟  وهذه وإن كانت تضم صحافيين أكفاء ، لكنهم للأسف في ظل التعتيم والضغط وسيف الملاحقة لا يملكون إلا تجنب الموضوع .. هذا الجو الموبوء هو الذي يعطي لحميش وأمثاله فرصة الظهور. إن صوته ليس بالمسموع البتة، ولكنه يجد ما يملك من جرأة بفضل هذا الفراغ الهائل . كيف لا والمثقفون الأشراف انزووا بعيدا خلف هذه الجلبة بسمومها وركاكة أعلامها وضحالة رؤيتها ؟ .. إنهم يستنكرون الشتائم الحميشية ولكنهم يهزون كتف اللامبالاة مرددين : إنه حميش .. تم يكررون : إذا لم تستحيي فقل ما تشاء .  لكن متى طالت هذه الشتائم محمد أركون فإن الأمر أصبح يفرض علينا التنديد بهذه الجهالات، فالحقيقة لا تتأذى من شطحات المهرجين ، ولكنها تنتكس أمام صمت الأحرار ..

 ألم يقل الإمام علي : ” إن سكوت أهل الحق عن الحق يجعل أهل الباطل على صواب؟ ”  كيف نصمت إذا وسلطان القهر يوسع حدود هيمنته حتى يدوس كل الضمائر ويحكم علينا باجتياز القفار الموحشة، بهذه الادعاءات القفراء التي تلتصق بأقدار أمتنا التصاق القراد بذنب الكلب الأجرب ؟

بهلوانيات الخطاب التكفيري 

حميش يريد أن يقول لنا بوقاحة الغرور إنه أغزر علما وأنفذ بصيرة من أركون !!! ؟ لن نستلقي على أكتافنا ضحكا، لن نقول هذه نكتة سخيفة، ولكن نقول هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين : أين أعمالك الفكرية والفلسفية حتى نقارنها بأعمال المفكر الراحل ؟ وخصوصا لا تقدم لنا هذه الحروز التي لا تليق إلا تعاويذا على صدور السذج ممن يصدقون الادعاءات.  لا تقدم لنا رواياتك ذات الحس الفني الضحل والبعد التقريري السطحي بلا أدنى عمق سكلوجي . وخصوصا لا تقدم لنا أسلوبك الفج الذي نشد أنفسنا بالسلاسل لقراءته.

نعم ونعترف له بهذه الحقيقة. الكتاب الوحيد الذى يحمل إسمه ويستحق القراءة رغم تناقضاته وعمومياته هو” التشكيلات الإيديولوجية في الإسلام ” لكن هل حقا هذا الكتاب كتابه ؟ أم كتبه تحت إملاء ذلك المفكر العملاق ماكسيم رودنسون الذى كان مهووسا بالعالم العربي ، وكان متى التقى طالبا يدعى أنه ماركسيا إلا وتجند لمساعدته فكرا وتوجيها وأكثر من هذا تحريرا وتقديما ..

 ومع ذلك .. أ لا يتعلق الأمر بمفكر وأستاذ جامعي وروائي يتقن من لغات البشر سبعا ومعها لغات الطير ولغات بابل  ؟ أو ليس هذا ما يدعيه ؟ وإذا كان كذلك فلماذا لا يناقش أستاذه الجليل في طروحاته وإشكالياته التي هزت الكراسي الجامعية واخترقت الآفاق ؟ هل يتصور أنه يصفي حسابه معه بهذه المقالة البائسة  ؟ هل يجهل أن الكل يعلم أن هذه الكلمات الأجنبية التى يحشوها حشوا في مقالاته الصحافية متوفرة في كل قواميس اللغات؟ وأنه يعتدي عليها ليحيلها قططا تحكي انتفاخا صولة الأسد؟

على ذكر الأسد، يقال أن القذى يدمع عين الأسد لكن الأسد قد مات، وعندما يتعرض الأمر بمفكر راحل من هذا الحجم فإننا نتعرض له نقدا وتحليلا واستخلاصا واستنطاقا.. اختلافا أو اتفاقا.. لا تصفية حساب تجريحا وتنقيصا. من العيب أن يتم ذلك انتهازية وتسلقا واستحمارا لجمهور القراء .

أو ليس جبنا كل الجبن التلميح إلى كون أركون يريد تهديم القرآن ؟ ماذا يريده حميش من وراء هذه التلميحات القذرة ؟ هل يريد ركوب الغوغاء وتجنيدهم لنبش قبر الراحل الكبير وحرق رفاته كما حدت في كوابيس تاريخنا مع غلاة الجهلة وأوغاد التعصب ؟

متى كان مفهوم التفكيك وهو القادم من مناهج العلوم الإنسانية تهديما للنص القرآني ؟ .. كيف لم يطلع حميش على أعمال دريدا وبورديو وفوكو وغيرهم ؟ ولكن متى كان هؤلاء المتبرجزون يهمونه وهو الماركسي العنيد ؟ إنه  يريد تجنيد ” البروليتارية الرثة ”  حتى تصفق لعبقريته وترفعه على أكتافها لسدرة المنتهى ..؟  إنه يعلم يقينا أن الغوغاء عبدت على مر التاريخ ولا تزال تعبد الأصنام .. كأني به لا يعلم أن الأصنام لا شيء يجمعها مع الأهرام ..

لكن متى كانت الأصنام إلا غبارا ومتى كانت الأهرام إلا خلودا ؟

أركون يلتحق بهذه الأهرام التي نسميها إبن خلدون والتوحيدي وإبن رشد والغزالي …إلخ ، لكن بمن يلتحق هذا الرجل الذي كلما قرأناه كلما اكتشفنا ضحالة العاطفة والفكر، تم  نبحت ونعود نبحت عن نوع الوقود في محركه فلا نجد إلا الشتيمة والاستصغار والتبخيس والبصاق على الأقلام المتألقة..

إذا كان حقا كما يدعي يدافع عن القرآن فلماذا لا يجادل بالتي هي أحسن كما يقول الكتاب الكريم ؟ لماذا يأبى المجادلة إلا بالتى هي احتقارا وتقزيما ؟ لماذا لا يرضى بأشراف المثقفين إلا مداسين تحت جزمته؟ هل لأنه يعتبر أن هذه  تعمدت بالماء المقدس ؟ هل يعتقد أن هذا هو السبيل الأوحد للشهرة في هذه الدنيا والثمار الدانية القطوف في  الآخرة ؟ هل يعتبر أن هذا هو الذي له وقعه لدى جمهور يعتبره بغلا لا يميز بين الطبول الجوفاء وشرارات القرائح  تضيئ ما اهترأ من قلاع وما تعفن من طقوس؟

حميش يصرخ صباح مساء” إني المفكر الأكبر وعليكم أن تومنوا بذلك ولو طارت معزة” وكنا ولا نزال نقول ” يا أيها الرجل إن المعزة لا تطير وأقصى ما تدركه تسلق الجبال الشاهقة لعلها تقضم بعض الثمار العسيرة “

  ومع ذلك وبعزيمة لا تكل ظل طوال سنوات عديدة يقول ويؤكد خصوصا أمام حوارييه المروجين لبضاعته من خدام الثقافة الساداتية  فالمباركية  أنه أكبر مثقف في المغرب ، وأكبر معارض لنظام الحسن الثاني ، وأنه يعنيه شخصيا بروايته وعنوانها “مجنون الحكم ” ، وأن هذا الأخير كان يخشى أن يمسه بسوء  لشعبيته الراسخة وصدى كتاباته لدى كل أطياف المجتمع . تم بعد أن عبد له اتحاده الاشتراكي الطريق نحو الوزارة ، في أقبح مؤامرة ضد الثقافة ، راح يردد أن المعني بمجنون الحكم هو صدام ، تم بعد هذا أصبح  القذافى ، ولا أعرف من سيصبح غدا ؟ وطوال ولايته المشؤومة ضل يصرخ بأنه سيمبرون  ومالرو المغرب وأنه الجدير وحده في عالمنا العربي  بجائزة نوبل للآداب ؟

أو ليس كل هذا “يضحك ربات الحداد البواكيا” ؟ كما قال المتنبئ

 أركون أعلى هامة من هذه الفقاعات .  إنه بجدارة الجبل الشامخ الذي تكسرت على قمته أقلام الخشب إنه المعادلة الصلبة الكسر أمام التقليد المتفسخ والقوميات المتعفنة والاشتراكيات الديماغوجية والماركسيات المتبجحة. أركون هو التعبير الجلي للحداثة بأنوارها تضيئ كهوف الانحطاط وغيران الاستبداد حيت تصقل الأصفاد والأغلال للإرادات الجديدة والعزائم الحرة ..

لماذا هذه الخرجة الآن ؟

طموح السي حميش هو أن يصبح المنظر الأكبر والمستشار الأعظم للمخزن ، وإذا فهل من سبيل لذلك إلا تسديد هذه الطعنات للمفكر الراحل، إنه يعرف وهو المتشبث باللحية العروينية  ممجدا محتفيا، أن هذا الأخير لا يملك أدنى حظ في الوصول لذلك المقام المحلوم به ، إنه يعلم أن صاحب ” الإيديولوجية العربية المعاصرة” هو المؤهل أكثر من غيره للمنصب ” السامي” والجاه “العالي”.. ومع كل هذا فهو لا يملك حظا في احتساء رشفة من تلك الكأس ، لأنه وإن أصبح رجل المخزن بامتياز، فإنه لا يملك ثقة المخزن، أو لم يسدد  أقبح الطعنات للنرجسية المخزنية في صفة ” الأصول الثقافية والاجتماعية للوطنية المغربية ” ؟ ألم يعر عار التقليد من أخمص القدم حتى أم الرأس ؟

حميش مقتنع أنه المرشح الأوحد لهذا المنصب : أمين سر الدولة وأمين سر المؤسسة المبجلة. ولكن عليه قبل كل شيئ أن يحوز الرضى ويعلن الثوبة تبرؤا من تلك الشطحات الماركسية التي لم تكن إلا رغوة زبد جرفتها الرياح . و عليه أن يؤكد لحراس المعابد المقدسة أنه الفارس المغوار يغشى الوغى ولا يعف إطلاقا عند المغنم ..

 المنصب العالي والجاه العالي، ذاك المبتغى، ذاك الذي يسيل له لعابه، لكن عليه النجاح في الامتحان الذي يعني  دوس الإرادات والأقلام النيرة أولا، تم ارتداء  جبة الفقيه وعمامة الشيخ تانيا ، تم تالتا  الإفتاء في الحلال والحرام والتوفيق بين الشريعة والمشرع وأمهات الشرائع، وأخيرا محاورة الفقهاء و الطرقيين وأهل الزوايا والأئمة وتسخيفهم .. هذا هو الذي يجعل منه الفقيه الأعظم و الإمام الأوحد والقطب الرباني الأشهر.

لكن هناك أسباب أخرى وراء هذه الشتائم المبتذلة ؟

الأمة العربية يقينا تهتز بأكملها في وجه كل هذه الإحباطات كنتيجة منطقية لكل هذا الفشل المتراكم  . أو لم يخلف الربيع العربي إلا أزهارا ذابلة وآمالا مسحوقة ؟ أو لسنا نعيش بامتياز هذه اللحظة المرة بهذا السؤال المر : كيف نعيد بناء الهوية كيف نعيد إشعال الشموع في دروب يأسنا ؟ كيف نتجاوز هذه الأصوليات وهذه الإيديولوجيات المحنطة ؟ في وجه كل هذه العتمة هل نسلم أقدارنا لأمراء الظلام ؟ وهنا في عز العتمة يبرز رجال النور ونساء النور يتقدمهم محمد أركون بابتسامته المعهودة نورا وإشعاعا  إنه لا يدعى البتة أنه يحمل أجوبة ولكنه يقول إنه يحمل أسئلة فالأسئلة القلقة تشحذ الهمم وترسم آفاق التحرر عكس الأجوبة الخنوع ..

 هنا ينتفض التقليد ويتقدم حميش . أو ليست هذه فرصته ولوجا  للقصور المترنحة، و ترميما لهذه الأزلام و وتلك الأنصاب في طول وعرض عالمنا العربي أي كل هذه البنى التي عبثت بها أيادي الربيع مهددة بفسح المجال أمام مطامح ديمقراطية تعصف بالدكتاتوريات المتفسخة .

أو لم نضحك يومها ونحن نرى حميش ، في عز مغازلاته الداعشية يفكر في احتواء الربيع العربي ، فيقول للشباب عليكم أن لا تستعملوا تعبير ” ارحل”  .. لماذا ؟ .. : ” لأن هذا يسيئ للأدبيات الرحلاتية ولهجرة الرسول ” حسب تعبيره.. تم يأمر باستعمال : “إزهق”  مفسرا ذلك بأنه تيمنا بالآية ” جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” وهذا يعني أنه يريد من هذا الربيع العربي أن لا يكون شيئا آخرا إلا سيادة البيئة الفقهية . إنه لا يتقبل هذا الفضاء العام حيت تجرى المظاهرات والتنديدات خلقا واجتهادا وحوارا . إنه منزعج من هذا الفضاء العام منفلتا من استبداد المقدس .

في عز الظلام تقول الأسطورة ، ينطلق طائر الحكمة مبشرا بتباشير الفجر، لكن ماذا لو كنا متفائلين أكثر مما يجب؟ وكيف لا ونحن نرى بومة داعش تطلق صفيرها حتى تصك الآذان فلا تسمع ، تم تذر الرماد في العيون حتى لا ترى، تم تتقيأ سمومها في السواعد حتى لا تنتفض . فهل نحن إلا طرشانا فلا نسمع، وعميانا فلا نرى وخائرو العزيمة فلا نصارع ؟

 ” يخلع العذار فيك قوم فكيف من لا له عذار

 نعرف الرجال بالحق وليس الحق بالرجال . نستمع لما يقال لا لمن يقول .. وما يقوله أركون يزعجنا يخرجنا من حضائر قناعاتنا ، حيت نتمدد فرحين بما ورتناه عن أسلافنا . ما يقوله أركون يزعجنا يأخذ بخناقنا خارج معلقاتنا، خارج خيامنا المهلهلة . مايقوله أركون يستنطقنا عن هذا المدفون في جوانحنا. عن هذه الأجنحة المقصوصة لهذا العقل المعطل ، وهذه العزائم المشلولة وهذه القرائح المنطفئة. ما يقوله أركون يذكرنا بحقنا في الحق ..

  نعم نعرف الرجال بالحق والحق ساطع . نعرف أهل الزيف بالزيف والزيف أصفر فاقع . وأركون لم يدع يوما أنه يقول الحق ولكنه كان يؤكد أنه الباحث دوما عن الحق ، وكان هذا البحت يتجلى في صرامة علمية لا تساوم ، ونزاهة تزدري الحسابات ورهانات المصلحة الأنانية..

          هذه معالم الطريق في حياة المفكر الراحل . هذه نجوم أركون في صحارينا . هذه أنوار أركون تنيرنا تعيد لنا الثقة في أنفسنا في ديننا في حضارتنا. ها هو يعلمنا كيف نكفر بأصنامنا وأزلامنا. هاهو يدعونا لمملكة السؤال خارج مملكة الحقيقة المطلقة. والسوط المطلق . ها نحن في كل محطة وقد استبد بنا الهلع نسأل أين أركون ويأتينا صوت أبو فراس” في الليلة الظلماء يفتقد البدر”. تم نتذكر قولة أركون : لا تلعنوا الظلام لا تهربوا من الظلام جريا في الظلام بل استأنسوا بالظلام حتى تتعرفوا عليه جيدا، ساعتها ويحكم أشعلوا شموعكم فالشعوب التي لا تشعل شموع بصيرتها تعيش أسيرة بين مخالب من تسلطوا على مقدراتها فقيها وإرتا وعشيرة ..

    نعم أركون لم يترك لنا أدنى جواب مطلق ولا أدنى حقيقة مطلقة ، فكيف نتقبل دروسه ونحن عبيد الحقائق المطلقة ؟ أركون  ترك لنا منهجية تعلمنا أن لا قيمة لها إن لم نغنيها تفكيرا وسؤالا. وترك لنا حرارة صدق ، علمنا أن  لا قيمة له إن لم نشعله شرارات في بيادر قدريتنا وتقاعسنا . وأكثر من كل هذا ترك لنا  حرارة الإيمان بإنسانية الإنسان ومملكة الإنسان خارج استبداد اللاهوت.

وشتان بين رجل عاش عمره زاهدا مشتعلا بهذا الشغف الخلاق شغف إعادة بناء المقومات الفكرية لأمة كان يرى انحطاطها جريمة لا تغتفر. نعم شتان بين هذا الرجل وذاك الذي لهت ويلهث صباح مساء وراء مصلحته المادية  وما ضره أن يجتاح الطوفان  طوفان الفقر والقهر كل هذه البلاد ومعها هؤلاء العباد ؟

شهادة للتاريخ

 ذات يوم ونحن شبابا، كنا نراقص الزمان المشرق في راحاتنا ، مشتعلا بتفاؤل استيهاماتنا وتهورنا، يومها سخرنا من أركون وضعنا له عمامة ومضينا مجدفين على إسمه..  هل كنا نملك إلا الهروب برصيدنا الصغير وقناعاتنا الصغيرة ، كيف لا نهرب من هذا الرجل و تواضعه العلمي يفتننا، وبلاغته العميقة عربية تبهرنا، وإلمامه العميق بالفرنسية فلسفة وأدبا يسحرنا.  كنا نخاف على “صراعنا الطبقي” وقد أضحى أمام تحليلاته النيرة أضغاث أحلام ، كنا نخاف على” دكتاتورية البروليتارية” وقد أضحت ترهات في ضوء مرجعياته الغزيرة تاريخيا وسوسيولوجيا وأنتربولوجيا ، أي كل ما يعرينا ويعري عجزنا وخمولنا و تخلفنا عن ركب المعرفة. فكيف لا نهرب منه ونختبئ بين جلابيب التوتالتارية حيت خلاصنا وخلاص المعذبين في الأرض ؟

وكان الرجل العظيم بإخلاص الرجال الأشراف، يمد لنا يده من أجل حوار يبدد العتمات، ويناقش معنا ما كان يشغله ساعتها أي ” المكانزمات الثقافية اجتماعية التي تفرز هذا السد البنيوي الذي يمنع الاستماع للخطاب الآخر ويقف حائلا بين اليد والمصافحة الأخرى”. ومضت الأيام ومعها دروس الواقع الوقح ، وكنا نكتشف صوت الاستاذ الكبير يزأر في آذاننا، وكنا نخاف العودة إليه بخفي حنين ، وكنا نخاف غضبه ، ولكن الرجل كان يستقبلنا بتلك الابتسامة المشعة، وتلك الملامح النبيلة، كان يصافحنا من جديد ويدعونا للسباحة معه في ذلك النهر الذى كلما اجتزناه، كلما اكتشفناه نهرا آخر بأصداف ووحل وطحالب أخرى … لكن ماذا عن الذين يتخبطون في نفس المستنقع ؟

كان يقول لنا :   لا أدعي أني أملك الحق ولكنى أعلم يقينا أن هذا الذي يقدمونه لنا باسم الحق ليس إلا ستارا يخفي تلك الحقوق التي لم ننتشل ، لم نشيد ، لم نسبر أغوارها بعد .  هذا الذي يقدم لنا باسم الحق ليس إلا الشراب المستساغ لحلوقنا ولكن تخديرا لعقولنا.. أحذروا نصوصا لا تستنطقونها، لا تزرعون في فضاءاتها علامات استفهام وعلامات تعجب وفواصل ونقاط وعودة للسطر تفكيكا للسطر وفهما جديدا للسطر . احذروا نصوصا لا تدرسونها أنفاسا وهموما ومخيالا وإرتا .. عشيرة فقبيلة فرهانا ومنافسة .. أحذروا نصوصا لا تغرسونها في لحظتها وحيا أو تعبيرا تم تأويلا فتأسيسا.. ويحكم إن لم تفعلوا فإن النص سوف يصبح فوق رؤوسكم سيفا يقطع أرجلكم وأياديكم من خلاف، بل يجلدكم مائة جلدة ويزيد، حسب ما تمليه عليه ثاراته العتيقة و امتيازاته  البطريركية. وأكثر من هذا يحكم عليكم بالركوع جيلا بعد جيل في معابدكم المقدسة. والبخور يخفي عنكم كل شيئ بدءا بملامحكم.. وانتهاء بأصابعكم أقلاما تخطون بها ما به تؤمرون ..

إن استبداد المستبد يستمده من استبداد النص ، والنص يستمد استبداده من سذاجة الجمهور وتواطؤ النخبة، و كل هذ يفضي لهذه البرادع التي يعتليها فقهاء التقليد ، إنهم يروجون لهذه البضاعة وكيف لا وهي التي تمدهم بمفاتيح هيمنتهم مشفوعة بصكوك غفرانهم ..

  لم يكن أركون يهتم بمقارعة السلطة ولا شعاراتها الخاوية، وهذا كان يزعجنا، حتى جاء يوم فاكتشفنا أن  معركته كانت أخطر، وأن الذي  يهمه لهو هذه الاسس التي ترتكز عليها لا أقول هذه السلطة بل هذه السلط الأخطبوطية ، بكل  هذه الترسبات و التراكمات مخيالا، هذه التأويلات تفسيرا، هذه المرجعيات لبوسا، أي كل هذا الذي أضحى  جزءا من بنية سكلوجية ثقافية بحساسية محددة وردود أفعال با فلوفية . هذه التربة السماد هي التي كان أركون يخضعها لتحليلاته، في مختبره الصاخب، هذه الأعشاش هي التي كان تستأثر بكل اهتمامه، وكيف لا وهناك تفرخ كل السياط ، ويستأنف إنتاج نفس الخطاب لتبرير نفس الهيمنة بنفس الاختيارات بنفس المواعظ ونفس الطقوس..

أركون لم يكن القطيعة وهنا خطورته بالنسبة للتقليد .  كان مؤرخ وعالم اجتماع القطيعة والاستمرارية، لأنه كان يملك في يمناه تراثه العربي الإسلامي وفي يسراه التراث الغربي بفلسفة أنواره وعلومه الإنسانية، من هنا طموحه الجريء في لملمة ضفتي البحر المتوسط . فالحضارة الغربية ما كانت ولن تكون الحضارة ” يهودية مسيحية” كما يقال كونيا ولكنها بجدارة ” الحضارة إسلامية يهودية مسيحية”..

ماذا تعنيه المقاربة الأركونية ؟ إخضاع المنظومات الفكرية والعقائدية، حديتا وتأريخا وفقها وتفسيرا إلي نقد علمي تاريخي أنثروبولوجي ، يضع نصب عينيه تحرير العقل من السياج الدغمائي الفقهي ، حيت تزدهر المعالجات الوصفية التقريرية الحكائية المسترسلة زمانيا ، بكل ما تعنيه من سطحية ساذجة، تتجاوب  مع بنى سلطوية تعتبر حربها ضد الفضول العلمي جهادا مقدسا…

وإذا فلتحقيق هدف التحرير الفكري فإن أركون يرى ضرورة إخضاع مجمل الفكر الإسلامي للتحليل النقدي، استعانة بكل الأدوات العلمية التي أنجبها تطور العلوم الإنسانية، وليكن هذا المشروع الحضاري بدءا من الحدث القرآني ومرورا بمختلف التعبيرات وذلك غوصا في الخلفيات الأبستمولوجيا لسنيا وحضاريا زمانا ومكانا وشائجا وقرابات وحتميات، وكل هذا في تواز مع المباح واللامباح ، والمعتقدات والتصورات وأساطير وبنى مخيالية وما ترا كم من فشل وإحباطات..

 من يستطيع الخوض في هذه اللجج ؟ من يستطيع مصارعة هذه الأمواج العاتية ؟ من يستطيع الضرب عميقا في أوديتنا المهملة غير رجل مسلح بعبقرية الفكر، وذكاء العاطفة، وشرف المسؤولية، وحس التضحية، ونزاهة المقاربة، واستقلالية الموقف .. وهذا الرجل هو محمد أركون…..

أي ريح يهز هذا الجبل ؟

  وكان علينا  أن نكتشف سر هذه الحصافة الاستتنائية ، وأن نجيب على هذا السؤال الكبير: كيف واجه أركون هذه العواصف الهوجاء ، عواصف حروب التحرير، وعواصف الدولة الوطنية، و الأهواء في أوج اشتعالها ، كيف واجه ذلك الإعصار الإيديولوجي الذي كلما كبل العقول كلما شيد قصور السراب ومعها جنات عدن  ..؟

كيف واجه كل ذلك كأني به في قمته الشماء نسرا يسدد بصره الحديد حتى يسجل هذه الانهيارات ، التي كان يتوقعها، وكيف لا والانجازات العملاقة لا ترتكز إلا على أعجاز نخل خاوية .. لكن هل كان الرجل مثقف البرج العاجي ؟ كيف ؟ ألم يكن يحاضر هنا يمد يدا هناك ؟ ألم يكن دائم اليقظة دائم الحضور ؟ لكن والأهواء طاغية ، من يستدعي محمد أركون لكأس شاي فبالأحرى تبادل كلمة ؟ ألم يكن يقترح حوارا يتجاوز الانتماءات والتقاطبات ؟ ألم يكن يقترح رؤية تغادر قلاع الإيديولوجية العقيم وقلاع الدغمائيات المتحجرة والأنانيات البطريركية المتفسخة ؟ لكن من كان يحسن القراءة قراءة الرسالة الأخرى ذات المضامين التي ما أتى الله بها من سلطان ؟ كيف والشعارات لهيبا في سمائها، وأركون بامتياز عدو الشعارات تلك الفخاخ الجوفاء التي لاتزال الديماغوجية الكذابة وأهلها ينصبونها للنفوس المسكينة والارواح الطيبة ..

طوال مرحلة التحرير فمرحلة الدولة التي قيل وطنية كان القوميون ومعهم الشيوعيون يقولون لأركون هذه صحاري بؤسنا هذه معالم تخلفنا وهذه قصورنا نشيدها بعرق جبيننا وفكرنا لأمتنا . وكان أركون يجيب ساخرا : قصوركم هذه استيهاماتكم ، وصحاري فقرنا وتخلفنا ليست بحاجة لقصور ولا أبراج ، ولكنها بحاجة لفؤوسنا ورفوشنا حتى نزيح كل هذه الأتربة فوق كواهلنا تم نحفر عميقا حتى ندرك فرشة الماء تم بعدها نسقي الأرض الموات ونعيد الحياة لهذه الواحات التي أضحت هشيما جافا ونخيلا ذابلا ..

       و كان أركون يحفر ويحفر وكان يستنطق الترسبات ويستخرج الأصداف المتحجرة، وكان البعض ممن يملك نزر حصافة يتساأل : هل هو نبي جديد يحمل بشرى انحسار الطوفان ؟ أم ترى نوح آخر يصنع الفلك بين استهزاء أمته وسخريتها ؟ كأنه يعلم يقينا أنه بفلكه هذا ، قد ينقذ ما يمكن إنقاذه من أهوال هذا الطوفان الظلام الذى يهدد بابتلاع الشجر والحجر ..

وهل هذا الطوفان شيئ آخر إلا هذا” الجهل المقدس” الذي ندد به أركون ؟ وهو الجهل المدمر الذى يتحرك بيننا مزهوا منتفخا بقفاطينه الموشاة بأسلاك النرجسية اليقينية. ومتى كان هذا الجهل المقدس إلا هذه الجهالات الجهلاء تعض هنا تنهش هناك، تم تتوقف لا لتسترد أنفاسها ، ولكن لترفع قدمها اليمنى متبولة على أشرف الصروح وأجل الأسماء وأنبل المواثيق . .

كيف كنا نكتشف خطورة السؤال ونسبية الجواب ؟

كنا نعود لأركون ونحن نعلم ساعتها أنا كنا على خطأ ، وكان يستقبلنا بنفس الطلعة البهية ليقول لنا : ” نعم كنتم على خطأ وسوف تكونون من جديد على خطأ إن تصورتم لحظة أني على حق .. تم  من قال الحق حقا والباطل باطلا ؟  المسألة ليست مسألة حق أو باطل ولكنها مسألة امتلاك الأدوات العلمية والمعرفية، تلك التي تسمح لكم بالنفاذ لكنوزكم المدفونة في أرواحكم وأرواح أمهاتكم وآبائكم ” .

كان أركون يرى انبهارنا بالحداثة خطرا على الصحة الفكرية ، مؤكدا ضرورة إخضاع هذه للحس النقدي والمعول الحفري ، حتى نكتشف أن الحداثة ما كانت شرقية ولا غربية ، ولكنها العطاءات الإنسانية ، وللإسلام في هذه العطاءات نصيب كبير. أو ليس هذا ما يجنبنا عقدة النقص واستصغار الهوية ؟

كان أركون يحلم بإخراجنا من عصور انحطاطنا،  كانت إشكاليته تكمن في ربط الجسور مع الإنسية الإسلامية وردم الهوة الظلامية التى تفصلنا عن الحي المشع في تاريخنا، وكان يتوجه لطلبته وجمهور الباحتين المسلمين مستنطقا : كيف تتركون تراثكم الخصب  مخنوقا مقمطا في أحضان التقليد ؟ كيف يطبق اهل الغرب على أديانهم وتراتهم كل ما أنتجته عصارات الاجتهادات، بينما تاريخنا كما ديننا كما ثراثنا المتراكم  تكدسا وانغلاقا وتكلسا، لم يعد إلا أصناما نقدم لها الذبائح والقرابين ؟

كان أركون يؤكد بإيمان صارخ بأن التفكيك والحفر عميقا وتطبيق المناهج العلمية الحداثية هو وحده يفقد هذه الدغمائيات المتحجرة حقيقتها الأزلية المطلقة، مما يفسح المجال للتحرر من قيود حجرت منا الأدمغة والسواعد.  كان أركون يعلنها حربا شعواء ضد التيار التقليدي العتيق الذي يرى في الحداثة مساسا بامتيازاته ومساسا بالسلطة التى تمده بأدوات أمجاده. كان أركون يعري هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الحل والعقد تكرارا واجترارا وكان يتساءل  : هل يا ترى سنظل عالة على الاستشراق لإدراك إشكالياتنا التاريخية والحضارية ؟ هل سنظل بلا همة ولا فضول معرفي مستسلمين لهذه الأدلجة التى تقدم لنا هذه الأكلة التي قيل طعاما وهي ليست إلا السم في دمنا وأمخاخنا ..؟

 وكان يسأل كيف تمكنت المسيحية من تجاوز محاكمها التفتيشية ومطاردتها الساحرات وظلاميتها التكفيرية، ولا نستطيع نحن الخروج من أقفاصنا وتوابيتنا الإيديولوجية، كيف يمكن إذا تحقيق المجتمع الديمقراطي والتنمية المستدامة؟ كيف لا نعرف إذا ازدهار الأصوليات التى تخنق في المهد تطلعاتنا  ؟

 هل بالإمكان القيام بشيئ  من هذا في غياب استحضار التاريخ ؟ لكن أي تاريخ ؟ التاريخ حروبا؟ التاريخ زعيما؟ التاريخ دولة ؟ التاريخ أحداثا متراكمة خارج خيوطها الخفية ؟  التاريخ معجزة ؟ التاريخ موقعة ؟ التاريخ راوية ورواية ؟  كلا لا قيمة لهذا في غياب الوعي بضرورة استنطاق الظرفية والرهانات والبنية الإنتاجية ومكانزمات إعادة الإنتاج ثقافيا واقتصاديا، ومع هذا لا مناص من الوثيقة ولكن أية وثيقة خطابا  ونفسا ومدادا وقلما ومصدرا . وماذا عن الروايات الأخريات تلك التى خنقت أو حرفت أو أحرقت، أو تم تأويلها بما يتجاوب وظرفية وسياسة ومطالب اجتماعية ؟  وماذا عن اللامعقول واللاشعور أساطيرا  وخيالا. تم ما قيمة تاريخ لا يتجاوز هذه الأسلاك الشائكة التى تفصله عن الأدب  عن الفلسفة عن العلوم السياسية . تم ماذا يتبقى من التاريخ وهو تحت سطوة الخطاب التقديسي التبجيلي الذي يتحرك تحت تهديد سيف الجنة أو جهنم ؟ وفى كلمة لا تاريخ خارج المنهجية العلمية التي تستلهم الألسنية والسيميائيات الدلالية والأنتروبولوجية أي كل ما يشكل قطيعة مع الراوي والرواية في خطاطتهما  السردية البائسة. هكذا تحدت أركون ….

جادلهم بالتى هي أحسن أم ابصق عليهم بالتى هي أحسن ؟

أو لسنا هنا مع حميش في عز البنية الفقهية العتيقة في بعدها التحقيري الاضطهادى التكفيري التي لا ترضى بالخصم إلا مجندلا فمصلوبا تأكل الطير من رأسه ؟ إنها الاستمرارية التراثية المسلحة بحقيقتها الواحدة “الأحدة” إنها الحقيقة المطلقة ذات السيف الصارم المطلق يعدنا اقتطاف الرؤوس الساخنة ، وأكثر من هذا يعدنا ب ” ترقرق الدم بين اللحى والعمائم” كما قال الرفيق الحجاج رضي الله عنه في خطبته البتراء .

ما سر هذا الحقد القبلي الدفين ؟ جريمة أركون أمام الفكر التكفيري تكمن في كونه يشكل القطيعة مع هذا التراث البطريركي الاستبدادي ليعلن استمرارية التراث الحضاري التنويري الذي يفضي للحداثة الديمقراطية المنشودة..

ما اسهل أن تكون مفكر الظلام ما أصعب أن تكون مفكر الأنوار .. ما أصعب أن تكون أركون فتركب المركب الصعب ما أسهل أن تركع أمام قوى الظلام  فتركب مركب الظلام.. وهذا ليس شيئا آخرا إلا مد اليد لا اقتطاف سجف الظلام .. الأنوار شيئ آخر إنها الاحتراق بالنور والنار سهرا وعرقا وحفرا تم الانبعاث مجددا لمعانقة النور..

    وأركون كان بجدارة مفكر النور حد الثورة على النور. كيف ذلك ؟ من منا نسي تلك اللحظة التي كتمت فيها باريس أنفاسها مستمعة لهذا المستعمر “بفتح الميم” ينتقد فلسفة الأنوار ويسقطها من علياء سمائها صارخا ” أتهم عقل فلسفة الأنوار بإقصاء الروحي من الفضاء الفلسفي وأتهم العلمانية بالتحول إلى إيديولوجية متعصبة تحارب الدين أي التراث الثقافي لإنسانية الإنسان “

الخرجة الحميشية تنبهنا أننا اكتفينا منذ عهد بعيد بالحروز الصغيرة ، مكتفيين بالقول هذا ما هو كائن وليس بالإمكان إبداع أكثر مما كان ، لقد اكتفينا طويلا بالفقاعات الصغيرة نتأملها مشدوهين بزيفها، حتى إذا انفجرت فوق رؤوسنا خلناها رعودا ، لقد اكتفينا منذ عهد بعيد بالتمائم نضعها على صدورنا تم نرفعها بين الفينة والأخرى لشفاهنا تيمنا وتبركا ، لقد اكتفينا منذ عهد بعيد بالبخور والأدعية والنذور نقدمها قربانا لحراس الهيكل المقدس حيت تدفن أحلامنا وتداس طموحاتنا .

آن الأوان أن نستمع لخطاب أركون ومعه أشراف النساء والرجال إنهم فاطمة المرنيسي والجابري والخطيبي والمهدي المنجرة هؤلاء الذين لم يهمهم يوما ما تعنيه الجوائز الصفراء، ولا الأوسمة القصديربة، ولكنهم كانوا يعرفون جيدا ما تعنيه أياديهم الكريمة ممدودة عبر كل الشرفات، تحرت هنا وتزرع هناك، هؤلاء وحدهم ننحني لهم لا انحناءة تقديس ولكن انحناءة تقدير واعتراف بالجميل .

نعم نعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، كما يقول الغزالي ، ونستمع لما يقال لا لمن يقول، كما يقول التوحيدي، لكن ما أروع الرجال أصبحت أسماؤهم علما يدل على أقوالهم ورسالتهم ، ما أروع هؤلاء الرجال أسماؤهم أعلاما تستضيئ بنبل بصيرتهم ، ما أروع الرجال مدوا يوما يدهم ليدنا ، تم رحلوا عن عالمنا ولكننا لانزال نشعر بأياديهم بلسما في يدنا…  لكن ماذا عن رجل نخاف لسانه السليط ، فهو يدسه في أعراضنا ، نخاف يده المشواكة فهي تجرحنا عوض مصافحتنا ، تستقوي بالسلطة جبنا ، لتسدد سهام جهلها لحلمنا وغدنا..؟

     شتان بين رجل مسكون بشغف الارتقاء بأمته تعبيرا وعلما وعزة ، ورجل مسكون بشغف الارتقاء على ظهر أمته وفي يده منغاز عتيق يغرسه بين الفينة والأخرى في مداد يقطر بصدأ العهود الخوالي .. مصنفا خصومه في الرأي بين ذباب وقردة وما لا أعرف من قذارات .. إننا نشعر بالخجل أمام هذا الانحطاط التربوي والتخلف الفكري ..

ذات يوم مات محمد أركون .. ذلك القدر البهي الخطى.. ذلك الذي تعرفنا عليه يزرع يمينا وشمالا بذور الغد الديمقراطي.. لكن هل مات حقا ؟  وكيف لا وقد صلينا عليه صلاة الجنازة ؟ قال الإمام يومها ” صلاة الجنازة وهي لرجل يرحمكم ويرحمه الله” ونظرنا لبعضنا مستغربين .. متى كان محمد أركون رجلا وكفى ؟ أردنا أن نصرخ في وجه الإمام: “عفوا سيدي الإمام هذا الرجل أكبر من رجل .. وأعلى قامة من جبل.. إنه الشرق والغرب في رجل .. إنه لتعدده أمة في رجل “

     أ مخطئون كنا ؟ ها نحن نكتشف أن الرجل كلما مات .. كلما أضاء أكثر كلما تألق أكثر .. أو ليس هذا قدر الرجال العظام .. تضحيات  في الحياة وإشراق في الممات ..؟ لكن ماذا عن النكرات ؟

*********

*باحث و استاذ جامعى

 

شاهد أيضاً

وللشهامه وجوه أخرى ../د.فاطمه الحصي *

   لأستاذتى الحبيبة الدكتورة نادية جمال الدين “عميدة اساتذة التربية بالجامعات المصرية “حكايات عديده لا ...