الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.أحمد يوسف سعد * يكتب:أقدارُنا بين السماء والأرض
د.أحمد يوسف سعد

د.أحمد يوسف سعد * يكتب:أقدارُنا بين السماء والأرض

فى الأساطير الأغريقية القديمة كانت “الأقدار” سيناريوهات معدة سلفاً على يد آلهة رابضة خلف السماء تلهو بمصائر البشر، ففى أسطورة أوديب على سبيل المثال يحلم الملك بأنه سينجب طفلاً يقتله، فيسلم الوليد بعد مولده لمن يتخلصون منه، فما كان منهم إلا إبعاده عن مملكة أبيه، ليعود بعد سنوات قائداً لجيش غازى، ويتحقق قدر الآلهة الذى لا فكاك منه، يقتل أوديب أبيه الملك، ويتزوج أمه، فتنتشر لعنة الطاعون فى المدينة، كل ذلك دون أن يدرى أى منهم حقيقة الآخر.

ولما ظهر شكسبير إبان عصر التنوير فى أوروبا، ركز فى مسرحياته على فكرة “الأقدار”  التى تكمن فى بطون الطبائع البشرية، فالغيرة كانت محركة الأحداث  فى “عطيل” سواء غيرة ياغو من عطيل، أو غيرة الأخير على زوجته ديدمونة، والتردد هو من صنع مأساة “هاملت” على سبيل المثال أيضاً.

وتعددت الاجتهادات الفقهية فى مجال الأديان، ما بين المؤكدة على الأقدار الحتمية التى يحددها الله وحده (حيث أن الإنسان مجبر فيما يصدر عنه من أفعال، وما يُحدد له من مصير)  وتلك الاجتهادات الذاهبة إلى الأقدار المُختارة (حيث حرية الإرادة الإنسانية فى أفعالها، وفيما تختاره من مصير)  وكان ثمة اجتهادات أخذت موقفاً وسطاً بين الاتجاهين.

وفى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى، انتشرت الفلسفة الوجودية فى أوروبا، كرد فعل على أحداث الحرب والموت وانتشار العبثية، وأرادت أن تضع الإنسان أمام مسئولياته فى هذا العالم، فذهبت إلى أن “أقدار” الإنسان (أو ماهيته بتعبير هذه الفلسفة) يحددها باختياراته الحرة، فوجوده الحقيقي على الأرض رهن بعملية الاختيار تلك (أنا أختار إذن أنا موجود) وأن حياتنا سلسلة دائمة من الاختيارات الإرادية الحرة،  ونحن المسئولون عن خياراتنا التى ترسم مصيرنا، وأخذت من مظاهر القلق التى يبديها الفرد مع كل مفترق فى حياته وهو يقارن بين الدروب، ليحدد خياراته (ما أُطلق عليه القلق الوجودي) دليلاً على حرية الإنسان (عند بعض المسلمين، ومع العجز عن اتخاذ القرار وتحديد الخيارات يلجأون لصلاة الاستخارة لتسليم هذه المهمة لله)

ويتوقف أمر انتشار التسليم بدور السماء فى تحديد (أقدار العالم) أو الاقتناع بدور الإرادة الإنسانية فى هذا الشأن، على جملة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى يمر بها المجتمع الإنساني.

 على سبيل المثال عاشت أوروبا العصور الوسطى المظلمة فترة السُبات تحت قبضة التحالف الشرير بين الملوك ورجال الكنيسة، فهولاء يظلمون ويطغون، ورجال الدين يصورونهم للعامة كظلال لله فى الأرض، أو مفوّضين حكاماً بأمره، ويحرّمون الحركة أو التذمر ضد إرادة الرب، ولم يتحرر الأوربيون من هذه الحالة إلا مع عصر التنوير، وإبان حركة الاصلاح الديني، وبداية انتشار العقلانية والعلم،  وراحوا فى مواجهة صعبة – ودموية أحياناً – مع فقه الأقدار السماوية الحتمية، ليشقوا طريقاً طويلاً رحباً لحرية إرادة الإنسان، واجهوا الأقدار السياسية (الظلم والاستبداد) بالثورات، وسعوا ولازالو يسعون للسيطرة على أقدار الطبيعة الكارثية، بنظريات العلم وأدوات التكنولوجيا، بل وهاهم يواجهون الآن الأقدار البيولوجية بثورة الهندسة الوراثية، حيث أصبح بالإمكان التحكم فى الأجنة، وهندسة مواصفاتهم، بتحديد لون العينين، وطول القامة، ومعدل الذكاء… الخ

وبمثال آخر، فإن خطابات الأقدار الحتمية الإلهية، والتركيز على فكرة العجز الإنساني عن تحديد المصير، والدعوة للصبر على ويلات الفقر والمرض والظلم المحيط، واعتبارها إمتحانات إلهية للكشف عن عمق الإيمان، إلى آخر مثل هذه الأفكار، لازالت تهيمن فى الفضاء الدينى والثقافي والإعلامي داخل العديد من دول العالم الثالث، التى تعيش نتيجة لما سبق حالة هشاشة مقصودة لمكانة العقل والعلم والتعليم، وتحت هيمنة وطغيان العولمة الاقتصادية، التى ألغت فيها الشركات والمؤسسات العملاقة دور الحكومات فى الرعاية الاجتماعية للجماهير، وتم إحلال حكام محليين مستبدين وفاسدين محل  الحكام أجانب فى مرحلة الإستعمار التقليدي، وبعد أن خلفت العولمة بين شعوب هذا العالم الفقر والبطالة والبؤس والجهل والمرض ….الخ ،  كان لابد أن تنتعش أفكار الأقدار السماوية، لتبدو الصورة البشعة لهذا العالم بأزماته كأنها أقدّار لا فكاك منها، ولا أمل فى مقاومتها.

***********

 اكاديمى -مصر 

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...