الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.جواد رشدى* يكتب :عندما تتغزل المرأة بالرجل !
د.حواد رشدى

د.جواد رشدى* يكتب :عندما تتغزل المرأة بالرجل !

شعر التَّبْرَاعْ عند النساء الحسانيات

أوعندما تتغزل المرأة بالرجل

=================

عندما نتحدث عن الشعر النسائي الحساني نتحدث عن شعر عريق في الثقافة الحسانية. فهذه الأخيرة تعد جزءا من الأدب الحساني الذي يمتد على مساحة جغرافية كبيرة تسمى البيضان. تضم منطقة البيضان الجنوب المغربي، الجنوب الجزائري، موريتانيا، مالي والنيجر. واللهجة الحسانية تعد جزءا لا يتجزء عن اللغة العربية. عرفت هذه اللهجة امتزاجات كبيرة مع ثقافات كثيرة عبر التاريخ. من بين هذه الثقافات التي تأثرت بها الحسانية نجد لغة الولوف في موريتانيا والسنغال، لغة الطوارق،…واللهجة الحسانية التي يتحدث بها بنو حسان ترتبط بعرب بني حسان الذين يعود نسبهم إلى جعفر بن أبي طالب. والحسانية لهجة عربية فصيحة تتميز بتحويرات متميزة في النطق وهي في عمومها تتفرد بتسكين المتحركات(1) كما يتضح ذلك في كلمات من قبيل: اجْمَلْ(جمل)، إِلَ مْشَيْتْ(إذا مشيت)، رَيْتَكْ يَا مَسْ(رأيتك أمس)، مْرَ(إِمْرَأَةٌ)إلخ. واللهجة الحسانية تتميز باستعمال عبارات وكنايات التصغير من أجل التحبيب(محمد/مْحَيْمِيدْ، سالم/سْوَيْلَمْ، كلثوم/كْلَيْثِيمْ…) أو من أجل التحقير(الشْوَيْنْ التي هي تصغير لكناية الشَّيْنْ التي ترمز تحديدا للقبح)(2)إلخ.

جاءت تسمية الحسانية من بنو حسان التي تحيل على أحد القبائل العربية من البدو الرحل الذين قدموا من اليمن خلال القرن الحادي عشر الميلادي عبر مصر مرورا بالصحراء الكبرى وصولا إلى الساحل الأطلسي غربا وجنوبا إلى نهر السنغال وشمالا إلى المناطق الجنوبية للمغرب، الجزائر وليبيا.

تجدر الإشارة إلى أن سبب اختيارنا لهذا الموضوع، هو اقتناعنا بأن الكثير من المثقفين العرب لا يعرفونه، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لكي نبين مدى تحرر المرأة الحسانية ورقي ذوقها الجمالي. فالمرأة الحسانية لها وضع اعتباري جد متميز وبالإضافة إلى ذلك فهي محافظة على التقاليد القبلية العريقة وفي نفس الوقت منفتحة، متحررة ومتنورة. شعر التَّبْرَاعْ جد عريق في الثقافة الحسانية وكلمة “تبراع” في الحسانية تعني التغزل بالرجل. وشعر التَّبْرَاعْ وزنه خفيف، كلماته عميقة و إيقاعه موزون لأن اللهجة الحسانية ترتكز بدرجات كبيرة على الإيقاع والعناية الفائقة بالصوت خاصة في تمديد النطق الذي يحاكي امتداد الصحراء. فللشواعر الحسانيات طقوسهن الخاصة في إبدعهن منها عدم ذكر إسمهن، فشعرهن تطبعه السرية في التداول ويكون بحضرة نساء أو فتيات صديقات. فالعبرة تكمن في التعبير عن ما يخالج قلوبهن بصدق عاطفة الحب. هذا النمط الشعري يكون عموما قصير جدا بيتين(تَافَلْوِيتَيْن) أو ثلاث أبيات. والتبراع في اللغة العربية الفصيحة يحيل على البراعة و البريعة(3) هي المرأة الفائقة الجمال والعقل.

ومن من بين ما كتبت الشواعر الحسانيات في غرض التبراع نجد:

نَعْمَ الصَّبَــــــــــــــــــــــــــــــــــاحْ     لْبَيْظَ ولاَّتْ لِمْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَاحْ(4)

وهذا البيت كما يتضح بسيط في بنائه عميق في معناه مع مراعاة قواعد النظم والحرص على الإيقاع. والشعر الحساني شعر إنشاد، و إلقاء. في هذا البيت تتغنى المتبرعة بناقة حبيبها ذات اللون الأبيض.

والتبراع يعد أحد أشكال الشعر الشعبي الحساني الذي يسمى لَغْنَ. و لَغْنَ يرتكز بالضرورة على ما قل ودل. تقول إحداهن مبدية إعجابها بأحد الرجال ذوي البشرة القاتمة والذي له ست أخوات:

أّفَّيْلَــــــــــــــــــــحْ حَـــــــــــــــــــــــــتَّ     حَدْ أَخْظَــــــــــــــــــرْ وَاخْــــــوَاتُ سَـــــــــتَّ(5)

أحيانا عندما تتكالب الفتيات على التعبير عن ولههن برجل معين تجد من تعلم بأمرهن أنها مجبرة على إيهامهن أنها كذلك مغرمة به وهو في العمق تعبير دفين عن الغيرة:

قَاضِـــــــــــــــــــــــي يَفْصَــــــلْـــــــــــنَ      مُـــــــــــــــولاَنَ لاَ شَـــــــــــــــــــــافْ الجَنَّـــــــــــــة(6)

يتحدث هذا البيت عن إحدى الفتيات اللائي يدعون الله بأن يحرم كل قاضٍ من الجنة إن هو قام بفصلها عن حبيبها.

ويصل الحد بالمتبرعة “المتغزلة” حد أن تصير “بيتا” يداعبه حبيبها وهو ما يفصح عن حرقة الوله الذي تعاني منه:

مَصَّـــــــــــــــــــــــابِي بَيْــــــــــــــــــــــــــــــتُ      مَ يَتْحَــــــــــــــــــــــــــــرَّكْ مَ مَسَّــــــــــــــــيْتُ(7)

يدفع الوله المتبرعة إلى تفجير حرقة ما يخالج عواطفها تجاه حبيبها حد التعلق به بكل جنون:

لُ كَــــــــــنْـــــــــــــتْ أمُّــــــــــــــــــــــــو     مَ نَــــــــــــــــــگْلَــــــــــعْ فَمِّـــــــــــي عَنْ فَمُّــــــــو(8)

وكذلك الأمر في البيت التالي:

وْمَنْ مْتَـــــــــــــــــــــــــــــن اسْغَـــــــــــــــــــــامُ      مَنْ بَاريـــــــــــــس سْمَعْتْ كْــــــــــــــــــــلاَمُ(9)

هذا البيت  يعني  تحديدا أن المتبرعة من شدة  حبها  لحبيبها (السْغَامْ)، يُخَيَّلُ لها أنها تسمع   صوته من باريس عاصمة الأنوار. وقد يحدث أن تتأثر إحداهن تأثرا بالغا بندرة أخبار من تحب:

يَا سَــــــــــــــاتَرْ يـــــــــــــــــــــــَا رَبْ      مَگَـــــــــــــــلَّ أَخْــــــــــبَارْ اللِّــــــي نَرْغَـــــــــــــبْ(10)

هذا النمط الشعري الشعبي لا يقتصر على بعض المجتمعات التي تنتمي إلى الأوساط العربية الإسلامية، بل نجد ما يحاكيه لدى شعوب كثيرة، لكن الأقرب إليه في التشابه هو شعر اللاَّنْدَايْLanday  لدى نساء “البَشْتُونْ”(11) الأفغانيات كما يوضح ذلك الباحث المتميز في الثقافة الحسانية ابراهيم الحَيْسَنْ. فشعر اللاَّنْدَايْ وشعر التبراع يتشابهان كثيرا لاعتبارات شتى من بينها كونهما ينظمان في غرض التغزل بالرجال، كونهما يتميزان بالهوية الجمالية، الإقتضاب، السلاسة، العمق، والعناية الفائقة بالجانب الموسيقي. هذا فضلا على أن التشبيهات تواكب التحولات المجتمعية.

ومن الأمور التي وجب التركيز عليها في شعر التبراع، هو إصرار المتبرعات على التعبير عن مشاعرهن المصادرة اجتماعيا و دينيا والتي تدخل ضمن الطابوهات بحكم أن المجتمعات العربية الإسلامية بُنِيَت على أساس المركزية الذكورية في جل مناحي الحياة. فالتبراع باعتباره تعبيرا عن العشق، يعتبر من هذا المنطلق جليسا ممتعا ومؤنسا لدى النساء الحسانيات. فالعشق حُبٌ مشتعل يُرِيحُ قلوبهن، يسمو بأحاسيسهن ويهذبها ويرقى بذوقهن نحو سماوات الجمال الساحر الأخاذ وبذلك تتسع آفاق وجودهن بإنشاذ الحياة. يطغى على هذا النمط الشعري في كثير من الأحيان الرمزية والإلغاز. يتميز هذا النمط الشعري كذلك بالرقة، العذوبة، الغنج، الدلال، عمق المشاعر، الإستيهامات والأحلام الجريئة. والمرأة في المجتمع الصحراوي الحساني لها وضع اعتباري متميز، فالرجل يحيطها بعناية خاصة ويفتخر بها أمام أهله وضيوفه: “لَمْرَ آلْمَ تَعْرَظْ، مَ تَفْرَظْ” وكذلك في قوله “دْبَشْ لْمَعْلُومَ مَا يْطِيحْ” ويقصد الرجل هنا تحديدا عطاء المرأة  و حسن سلوكها أو ما يسمى في الثقافة الحسانية ب “لَفْرِيـگْ”(12) أي ما يقال في المرأة في حضرة أو غيبة زوجها.

تجدر الإشارة إلى أن هذا النمط الشعري المسمى ب “التَّبْرَاعْ” جد منتشر بمنطقة البيضان حيث تنتشر الثقافة الحسانية وخاصة في الجنوب المغربي(الصحراء المغربية) وكذلك في موريتانيا. هذا الإنتشار و إن كان منحصرا إلى حد ما وسط النساء في نوع من التستر والكتمان ـ أي يُتَدَاوَلُ دون نشر إسم الشاعرة ـ، يعد في حد ذاته أمرا جديرا بالدراسة والتحليل، إذ يعكس في المحصلة مدى تحرر الشواعر الصحراويات الحسانيات في إصرارهن على التعبير عن عواطفهن و ما يختلج قلوبهن من حب وحرقة عند فراق الحبيب أو عندما لا يكترث هذا الحبيب بما تشعرن به  تجاهه. ولأن شعر “التَّبْرَاعْ” شعر الحب والعواطف والتغزل، فإن المتبرعة العاشقة الولهانة تظل مفتتنة بحبيبها، فتارة نجدها تصف خصاله ودماثة أخلاقة وتارة جماله الآسر. فتحدي سلطة المجتمع تهون أمام سلطة العشق، لهذا نجد هذا النمط الشعري يرتكز من بين ما يرتكز عليه الإروسية، الإغراء و الغواية. يُلْقَى هذا الشعر بشكل عام خلال جلسات المسامرة والمؤانسة في الصحاري الشاسعة تحت ضوء القمر أو على جنبات الغدران حيث عذوبة الماء، الخضرة والجمال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ(1)ـ انظر الشعر الشعبي الحساني الصور البلاغية و الأنساق الموسيقية، ابراهيم الحَيْسَنْ، الدار البيضاء/بيروت، المركز الثقافي العربي، 2013، ص26ـ34

ـ(2)ـ نفس المرجع ص31ـ34

ـ(3)ـانظر لسان العرب لإبن منظور ضمن نفس المرجع السابق، ص212

ـ(4)ـ نفس المرجع ص213

ـ(5)ـ نفس المرجع ص214

 ـ(6)ـ نفس المرجع ص221

ـ(7)ـ نفس المرجع ص221

ـ(8)ـ نفس المرجع ص221

ـ(9)ـ ابراهيم الحَيْسَنْ، السلطة.. والجسد مقاربة للممنوع في ثقافة البيضان، الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2014، ص125

 ـ(10)ـ نفس المرجع ص127

ـ(11)ـ انظر الشعر الشعبي الحساني الصور البلاغية و الأنساق الموسيقية، ابراهيم الحَيْسَنْ، مرجع مذكور، 2013، ص115

ـ(12)ـ نفس المرجع ص245

 

============================

 

*أكاديمى ومترجم -جامعة المولى إسماعيل -المغرب

jrouchdi@gmail.com
 

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...