الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. خديجة زتيلـي* تكتب:علاقة أفلاطون بالمرأة الفيلسوفة

د. خديجة زتيلـي* تكتب:علاقة أفلاطون بالمرأة الفيلسوفة

علاقة أفلاطون بالمرأة الفيلسوفة:

من خلال محـاورة ((المينيكسينيوس))

   ===  

شسيبلات       

  1-ثنائية العقل والحواس في فلسفة أفلاطون

تُلخّص لنا أسطورة الكهف، الوارد ذكرها في مُحاورة الجمهوريّة، موقف أفلاطون من المعرفة: معرفة صحيحة يجب الوثوق بها، وأخرى فاسدة لا يجب تصديقها، ويتعلّق الأمر في الحالة الأولى بالمعرفة العقليّة وتصوّر المثُل، في حين يرتبط الأمر في الحالة الثانيّة بالمعرفة الحسيّة غير الثابتة، الخاضعة لعالم التغيّر والصيرورة والفساد. وفي حقيقة الأمر فإنّ هذا التصوّر سينعكس على طريقة التفكير الأفلاطونيّة في الحقول المعرفيّة التي خاض فيها، وسنجد صدى هذا التقسيم أيضاً في تناوله لقضايا السياسة والمجتمع، الأمر الذي يعني أنّ رؤياه الفلسفيّة السياسيّة مُستخلصة من مواقفه المعرفيّة، وأنّ نظرية المثل في فلسفته سيسري إيقاعها على فلسفته بشكل عام.

ويشرح لنا أفلاطون في أسطورة الكهف كيف يتصوّر العالم المنظور أو العيني؟ ثم العالم الآخر المعقول الذي تستند عليه مصداقيّة المعرفة والذي يعدّ بلا منازع العالم الحقيقي والموجود المثالي العاري من كلّ صنوف التغيّر. هذا وتبدأ رحلة البحث عن الحقيقة الخالدة عند أفلاطون انطلاقا من العالم الحسيّ ” من الكهف” أوّلاً إلى العالم العقلي حيث ”ضوء الشمس” الساطع الذي يبدّد العتمة والظلام، ويرمز أفلاطون إلى العالم الحسّي بالكهف أو السجن قائلاً في هذا السياق: «السجن يقابل العالم المنظور، ووهج النار الذي كان يُنير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى فمثل صعود النفس إلى العالم المعقول» (1). ثمة إذن تصنيف لطرائق المعرفة، بحيث تقع المعرفة الحسّية في المرتبة الدُنيا وترتقي المعرفة العقليّة إلى الدرجة العُليا، فيعبّر العالم المنظور عن السذاجة والعادات الشعبيّة السيّة والبسيطة، ويحوز العالم العقلي على الكمال ورؤية الخير لأنّه الأسمى ولأنه المجال الحقيقي للفيلسوف، فالطبيعة الفلسفية لا تتعاطى إلا مع العقليّ دون سواه.

إنّ تهذيب النفس يقتضي تطهير العقل من الحواس، من الظلال والأشباح لأنّ هذه الأخيرة ليست مجالاً لليقين والمعرفة الحقّة والصحيحة، وهي تتعارض مع طبيعة المثل والصور التي تعدّ حقائق مطلقة وأبديّة، ولذلك فإنّ رعاية الطبيعة الفلسفيّة والوصول بها إلى الأهداف المرجوّة يبدأ بتربيّة الناشئة منذ الطفولة ليتمّ تطهيرهم من كلّ الشوائب التي تَعْلق بهذه الطبيعة، ويصف أفلاطون تلك الشوائب كونها «أشبه بأثقال من الرصاص تنتمي إلى هذا العالم الزائل، ويربطها بالنفس رباط الرغبات والملذّات والشهوات فتثملها وتوجّه بصرها إلى أسفل» (2). وإنّ تلك الأثقال، على حدّ تعبيره، تعيق معاينة الحقيقة والوصول إليها بشكل صحيح، وعلى هذا الأساس لا تصحّ الرئاسة الفلسفيّة في الدولة لغير العارفين بالحقيقة. إنّ اكتمال مشروع الدولة المثاليّة التي يقودها الفلاسفة مرهون فضلاً عن ذلك بدراسة المنطق من طرف الشبان الذين بلغوا الثلاثين من العمر وكذا دراسة الجدل أو الديالكتيك و «ألاّ يسمح بالمران على الديالكتيك إلاّ للطباع المتّزنة الثابتة، لا أن نترك بابه مفتوحاً على مصراعيه لكل من شاء خوض غماره» (3). ويخلص الدرس الأفلاطوني إلى ضرورة ربط الفلسفة بالخير، بالعقل، وبالحقيقة الخالدة التي لا تشوبها شائبة، وإلى كون الفلاسفة هم وحدهم من يعوّل عليهم في سبيل تكريس هذه الحقيقة على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

وتتجدّد هذه المعاني الأفلاطونية في محاورة ثياتيتوس (4) أو عن العلم، إذْ تؤكّد من جديد استحالة تأسيس المعرفة على الحسّي لأنّ ”المعرفة” الحسّية مزيّفة وليست صحيحة. وكانت الغاية التي سعى أفلاطون إليها هي الإطاحة بقيمة الجسد والحطّ من شأنه وجعله يحتلّ طرف النقيض مع العقل، فيصادر كلّ ما ينتج عنه بوصفه لا يحمل قيمة يمكن أن تُذكر. وقد جاهر أفلاطون بهذا الشعور حين قال في محاورة ثياتيتوس على لسان سقراط: «وفنّي في التوليد له الصفات العامّة نفسها التي لفنهنّ [ويقصد هنا فنّ القابلات]، والفرق بيني وبينهنّ، أنّي أولّد الرجال لا النساء، فإني أتولّى النفوس لا الأجسام، والخاصّة المميّزة للفنّ الذي أمارسه هو أنّه قادر على إثبات نوع من التفكير الناتج من الشباب هل هو تشبّع وهمي أم هو ثمرة الحياة الحقيقيّة» (5).  إنّ شرف توليد الأفكار لهو أرفع من توليد الأطفال، فالولادة الروحيّة أسمى من الولادة الجسديّة، وطريق السعادة لا يتمّ بلوغه إلا عن طريق العقل. ولذلك فهو يتصوّر، في محاورة فيدون، أنّ أسعد النفوس هي تلك التي تدرك الإلهي، ولا بدّ أن تكون قد تجاوزت الجسد لكي لا يعيقها ما هو حسيّ في تحصيل الحقائق الأبديّة، ويعبّر أفلاطون عن هذه الفكرة بقوله: «أمّا العودة إلى جنس الآلهة فلن يكون إلاّ للنفوس التي اشتغلت بالفلسفة وغادرت الجسد طاهرة كلّ الطهر، فليس من المسموح بالوصول إلى هذا إلاّ لمحبّ المعرفة. لهذا كله (…) يبتعد الفلاسفة الحقيقيون بأنفسهم عن كلّ شهوات الجسد ويقاومونها ولا يسلمون أنفسهم لها» (6). وتشير العبارة ”جنس الآلهة” في هذا النصّ إلى أنّ أفضل النفوس وأسعدها هي تلك التي تمارس الفضيلة، وإنْ كُتب لتلك النفوس أن تُبعث من جديد فلن تعود في صوّر مشوّهة أو في أجناس حشرات أو حيوانات، بل فيما هو أسمى وأعظم من ذلك إنّه جنس الآلهة. كما تؤكّد على ذلك أيضاً محاورة ثياتيتوس حين تعترف أنّ ممارسة الفلسفة هو الخير المنبثق من الآلهة (7).

كثيرة هي السياقات التي عالج فيها أفلاطون خصائص الروح، على مدار إنتاجه الفكري، فقد طرح هذا الموضوع في محاورة فايدروس، وشغله هذا الهاجس في محاورة القوانين المتأخّرة، يقول في إحدى فقرات الكتاب العاشر منها، عبر حوار دار بين الأثيني وكلينياس، ما نصّه: «نؤكّد كما فعلنا أنّ النفس سابقة على الجسم، وأنّ الجسم مشتقّ ويأتي في المرتبة الثانيّة، وأنّ النفس تحكم بمقتضى النظام الحقيقي للأشياء، وأنّ الجسم موضوع للإدارة والقيادة» (8)، وكما يبدو فإنّ النصّ يُعلي من قيمة النفس ويوليها أهميّة كبيرة لأنها هي من يُدير الأمور ويوجّه الجسد. لاشكّ أنّ هذه الأرضيّة المعرفيّة قد هيّئت الأجواء لاحتواء الأطروحات السياسيّة الأفلاطونية مما يجيز لنا القول أنّ الفلسفة السياسيّة الأفلاطونية لا يمكن قراءتها بعيداً عن النظريّة المعرفيّة، فكيف تَنْسحب آراءه المعرفية على البناء الاجتماعي للمدينة أو الدولة وماهي انعكاسات ذلك على مكانة الأفراد في المجتمع؟ يمكن الإقرار، بهذا الصدد، بأنّه ترتّب عن تلك التصوّرات جملة مفاهيم اجتماعيّة سايرت الطرح الأساسي وعبّرت عنه اجتماعيّا من خلال مواقف مختلفة، وسنتناول في هذا الخضّم مكانة المرأة في هذه المدينة الأفلاطونيّة، وكيف أن وضع النساء فيها كان متّفقا تماماً مع أطروحات أفلاطون المعرفيّة، كموقفه من الجسد، العقل، الروح، التصوّرات، والأفكار، ومع تصنيفه الثنائي للأشياء وما انجرّ عن هذا التصنيف من نتائج.

لا تتبوأ المرأة في فلسفة أفلاطون مكانة الرجال لأنّها ّأقل منهم علماً ودراية، إذْ يربط الفيلسوف بين الذكورة والعقل والأنوثة والحسّ، فتصبح الذكورة وفقاً لذلك وضعيّة إيجابيّة في المجتمع والأنوثة وضعية سلبيّة. وترمز المرأة في فلسفة أفلاطون إلى الحسّ والجسد اللذين كان قد أبعدهما وجعلهما خارج نطاق المعرفة وحطّ من شأنيهما وجعلهما في مرتبة دونيّة مقارنة بمكانة العقل الذي يحتلّ الصدارة، فالأنوثة تعبّر عن كل الوضعيات السلبيّة لأنّها موصولة بالعواطف والمشاعر والأحاسيس، وكل هذه المسائل استبعدها أفلاطون من نطاق المعرفة لأنّها تعيق الوصول إلى الحقيقة الفلسفيّة الخالدة وتقف حائلاً دون الوصول إلى الخير الأسمى، وهو ما يجعل الفلسفة في نهاية المطاف شأن رجالي تُستبعد منه المرأة. وقد انعكس هذا التقسيم الهرمي للمجتمع على وظائف الأفراد وعزّز فكرة إدانة الأنثى.

2-إدانة الطبيعة الأنثويّة  

في مقطع من محاورة تيماوس يتحدّث أفلاطون عن الطبيعة البشريّة مُنتهياً إلى تصنيفها إلى طبيعتين: طبيعة خاصّة بالرجل، وأخرى خاصّة بالمرأة، ويصل بعد تحليله للطبيعتين إلى إدانة ”الطبيعة الأنثويّة وإلصاق كلّ الشرور والآثام بها، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يجعل الخلق على هيئة أنثى عقاباً للإنسان على أخطاء ارتكبها، أو تكفيراً على خطيئة ما. فالمرء الذي يعيش حياة فاضلة-حسب أفلاطون-ويدير ظهره للشهوات والنزوات فهو عندما يبعث من جديد فإلى الأعلى كالنجم، حيث يعيش حياة خيّرة، فاضلة، ولكن الذي يفشل في تحقيق ذلك فسيتحول في ولادته الثانيّة إلى امرأة، وإذا لم يتوقف عن ارتكاب الشرور فعندها سيتحوّل إلى حيوان يشبه في طبيعته مصدر الشرّ القادم منه (9). وتعبّر تيماوس، وهي من المحاورات المتأخّرة، عن الدور المنوط بالمرأة في المجتمع وعن السياق الذي يجعل صناعة المستقبل صناعة ذكورية بامتياز. وسيترتّب عن إدانة الطبيعة البشريّة للأنثى مواقف مُلفتة في الحبّ والزواج والحياة بوجه عام. إنّ دور النساء في مجتمع أفلاطون لا يمكن أن يفهم خارج مفهوم ” العدالة” في الدولة، وعدالة الأفراد في المدينة، فالمدينة الأفلاطونيّة لم تتأسس على مبدأ ”المساواة” بل على مبدأ العدالة، وهو مبدأ يقتضي ”عدم المساواة” بين الأفراد، ففكرة العدالة هي المدخل الأساسي لفهم المدينة وآليات عملها ودواعي استمرارها، فلا معنى لهذه المدينة دون تفاوت طبقي في توزيع الأدوار والوظائف، فكل فرد منوط بمهمّة معيّنة لتحقيق أهداف الجمهوريّة. ولا توجد غايات فرديّة بل الغايات جماعيّة، وهذا يعني أنّ الحجّة التي يسوقها أفلاطون حول النساء في مدينته، إنّما هي مؤسّسة بالاستناد على مبدأ الفيلسوف في المجتمع العادل (10). كانت فكرة العدالة الاجتماعيّة هي المهيمنة على السياسة، وكانت تقتضي رسماً دقيقاً للأدوار ناهيك عن المحافظة على تسلسلها لكي لا ينهار البنيان الاجتماعي والنسق الفكري، الذي رسم معالمه أفلاطون في محاورة الجمهوريّة، وهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة. وكان على المرأة أن تنسجم داخل هذا النسق الفكري والاجتماعي بالكيفيّة التي تضمن المحافظة على بنائه الداخلي، فلا ينهار البناء بتغيّر تموقع أفراده. إنّ المفاهيم الفلسفيّة كانت ترسم حدود العالم السياسي وكانت مضامينها تعكسها طريقة أفلاطون في التعامل مع المدينة والسياسة، ومع الأفراد والنساء.

3-الشخصيات النسائيّة في محاورات أفلاطون

يُلاحظ الدارس للإنتاج الفكري الأفلاطوني، أنّ أفلاطون لم يستخدم في محاوراته شخصيّات نسائيّة إلاّ مرتين فقط، المرّة الأولى في محاورة المأدبة عندما استعار شخصيّة (ديوتيما) (Diotima) وقد تكون هذه الأخيرة من نسيج خياله، وكان استخدامها بغرض تمرير بعض آرائه في فلسفة الحبّ على لسان أستاذه سقراط. والمرّة الثانيّة كانت في محاورة المينيكسينيوس (Minixinus) أو (Ménexène)  حيث استخدم شخصيّة (أسبازيا) (Aspasia) وهذه الأخيرة هي شخصيّة تاريخيّة بالفعل، كانت تهتمّ بالفلسفة وتنظّم الحلقات الفكريّة في عصره. ومن هنا يأتي التساؤل الملحّ، لماذا يذكرها أفلاطون في محاورة المينيكسينيوس، وتخلد هذه المرأة في نصّ فلسفيّ له مع معرفتنا السابقة برأي هذا الأخير في المرأة حيث يخلع عنها صفة العقل والتفلسف؟ ثم كيف تعاطى معها بوصفها حقيقة تاريخيّة لا يمكن تجاهلها؟ وهل تطرح المينيكسينيوس أفكاراً جديدة لم يتطرّق إليها أفلاطون في محاوراته السابقة، أم أنّ فكره في هذه المحاورة يسير على نفس الخطّ الذي رسمه لنفسه ولفكره في موقفه من مكانة المرأة الفكريّة؟ ما هو موضوع هذه المحاورة إجمالاً؟ ولماذا تطرح جدلاً كبيراً وسجالات في محاولة لفهمها أو الوصول إلى المبرّر الفكري من كتابتها أصلاً؟ فهل تعدّ المينيكسينيوس لأفلاطون كتاب خيال أم محاكاة تهكميّة ساخرة، أم نصّا هجائياًّ، أم نصّا هازئاً من خطباء عصره؟ فقد توحي آراء الجزء الأوّل من الحوار في المحاورة بأنّه كُتب بلهجة ساخرة فيها الكثير من المزاح؟ فهل نجد تبريراً لهذا الاستثناء الأفلاطوني في الاعتراف بأسبازيا مفكّرة وفيلسوفة رغم كلّ ادعاءاته السابقة، فلا يمكن لنصّ أفلاطوني أن يكتب اعتباطياً؟ فمن هي أسبازيا؟

4-الفيلسوفة أسبازيا معلمة لفنّ الخطابة في محاورة المينيكسينيوسuuuu - Copy

وصلت أسبازيا المالطية إلى مدينة أثينا وهي لا تتعدّى العشرين من العمر، غادرت هذه الشابة موطنها الأصلي لتعيش كأجنبيّة غربية في ديار أخرى. وتقترح الكاتبة دانيال جوانة ثلاثة أجوبة ممكنة لتبرير سبب مغادرة هذه المرأة لموطنها الأصلي جزيرة مالطيّة: وحسب زعمها فقد تكون أسبازيا مجبرة على مغادرة الجزيرة المالطيّة كلاجئة سياسيّة بسبب انعدام الأمن والاستقرار هناك، وفي هذا السياق تعرض موقف مادلين هنري Madleine Henry   من هذه القضيّة، وإن كانت لا تتبناه بالضرورة وترى فيه تبريراً ضعيفاً لسبب مغادرة أسبازيا لموطنها الأصلي واللجوء إلى أثينا. لكن جوانة تعود من جديد إلى اقتراح فرضيتين أخريين لخروج أسبازيا من مالطية: فقد يكون الدافع لذلك أسباباً عائليّة، أو لأمور تتعلّق بـــــ ”مسارها”، فإذا كان الأمر كذلك ما هو هذا المسار؟ أما إذا تعلّق الأمر باختيار إرادي فسيتطلّب دمج الأحلام مع الحقيقة، الأمر الذي يعني معرفة ما هو وضع امرأة شابة أجنبيّة في مدينة أثينا (11).

لم تكن أسبازيا معروفة عندما وصلت إلى أثينا ولكن سرعان ما صنعت لنفسها اسماً وحضوراً قويّا، فقد اشتهرت هذه المرأة بالحكمة والذكاء، والمقدرة العالية والمتميّزة في الحوار والجدال ومناقشة القضايا الفكريّة مع أبرز رجال عصرها. ويُذكر أنّها قدِمتْ من مالطيّة لكي تفتتح مدرسة لتعليم البلاغة والخطابة، وهو فنّ السياسة السائد وقتئذ، رغبة منها في تأكيد مواهبها، كما كانت «تُلقي محاضرات كان يستمع إليها الرجال أيضا ومن بينهم بركليس، سقراط وأكبر الظن أنّ أنكساجوراس نفسه، ويوربيدس والقبيادس وفيدياس المثّال كانوا يستمعون إليها أيضاً، أو كانوا يحضرون صالونها» (12). فلا غرو أن تكون هذه الشخصيّة مؤثّرة ويُحسَب لها ألف حساب لكي تتمكّن من إقناع عِليّة القوم بشخصيتها وأهميّة حضورها الفلسفي والفكري في تلك الأجواء العصيّ اختراقها من طرف النساء في ذلك الزمن البعيد. فأسبازيا كانت نصيرة لنساء جيلها، مؤمنة بضرورة تحررهنّ وانعتاقهنّ من كلّ أشكال العبوديّة والسيطرة، وضرورة خروجهنّ لمجابهة الحياة وكسر كلّ أشكال العزلة المفروضة عليهنّ من طرف المجتمع، وقد جلبتْ لها أفكارها تلك الكثير من المشاكل والاتّهامات، خاصّة من المحافظين الذين رأوا فيها خروجاً عن المألوف، فقُدّمت للمحاكمة بتهمة المروق عن الدين والإساءة إلى قيّمه، لكنّها خرجت بريئة من التّهم الموّجهة إليها.

كانت هذه المرأة مثيرة للجدل في حياتها وحتّى بعد مماتها، وقد نُعتت بشتى الأوصاف: فهي المرأة المومس، وهي الغانية الجميلة، وهي الفاتنة، ولكنّها وُصفت أيضا بأنّها التجسيد المثالي والناذر لامرأة مثقّفة في القرن الخامس قبل الميلاد، تطالب بنظام أساسي لها بوصفها امرأة في عالم الرجال. وهي ”المرأة العالمة” في العصور القديمة كما تصوّرها البعض، ولكن البعض الآخر يرى في هذه المرأة البطلة الأولى في التاريخ في مجال الكفاح النسوي (13) ضدّ الهيمنة الذكوريّة، وأنّ استعراض حياتها هو استعراض لتاريخ أسطوري في الكفاح والرغبة في التفرّد. هذا وتعدّ أسبازيا خطيبة بارعة في عصرها وفي فنّها، وقد كانت عضوة بارزة في حلقة بركليس (14) Périclès الفلسفيّة، وقد جعل أفلاطون من خطبتها الجنائزيّة المشهورة موضوع حوار سقراط مع الشاب (المينيكسينيوس) في المحاورة التي تحمل ذات الاسم، وقد بلغتْ شهرة أسبازيا حدّ ظهورها في لوحة زيتيّة تقبع اليوم في مدخل مكتبة أثينا باليونان، وفي منحوتات أخرى. فماهي قصّة هذه الخطبة الجنائزيّة الوارد ذكرها في محاورة المينيكسينيوس، ولماذا وضعت ومن صاغها؟

تعدّ هذه الخطبة الجنائزية مرثيّة وتأبيناً لذكرى الشهداء الذين سقطوا في المعارك الطاحنة في حروب ”البلوبونيز” الشهيرة، التي وقعت بين أثينا واسبرطة والتي كان النصر فيها حليفاً لهذه الأخيرة. كان الخطاب الجنائزي تقليداً قديماً في المدينة الأثينية للاحتفال سنويّا بذكرى الحرب كما يذكره بشكل خاص المؤرّخ الشهير ثوسيديديس Thucydide، وتحاول هذه الخطبة أن تستذكر أمجاد المحاربين لتخلّدهم فيها، وهذا بتعديد مناقبهم ووصف بلائهم الحسن في تلك المعارك والحروب التي قادها العظيم بركليس. هذا ويعدّ الشاب منيكسينيوس الذي ينتسب إلى عائلة ثريّة من أهمّ شخصيات المحاورة. أما فيما يتعلّق بهيكل الحوار فيمكن تقسيمه إلى قسمين، مع الإشارة إلى أنّ الجزء الثاني منه أكثر إيجازاً من الأوّل. ويركّز القسم الأوّل من هذا الحوار على مدح الأموات الذين قضوا في المعارك والحروب الطاحنة مع توصيف للأرض الأثينيّة، والثناء على تربية الشاب المواطن وطريقة تعليمه، واستحضار المعارك القتاليّة في المدينة، والإشارة إلى الحروب المختلفة التي عرفتها مع الإشادة بعظمة أثينا، أما القسم الثاني من الحوار فهو نصائح للأحياء بعدما كان الجزء الأول إشادة بالأموات، ففي هذه المحاورة يتحدّث الشاب مينيكسينيوس إلى سقراط محاولاً التشكيك في قدرات هذا الأخير في إلقاء الخطاب الجنائزي، ولكن سقراط يجيبه مُطَمئنا إياه بكل ثقة وهدوء بأن لا يقلق وأن يُهدأ من روعه، فيبلغه أنّه محظوظ لأنه يتابع دروس الخطابة عند معلّمة ممتازة هي من قامت بتعليم هذا الفنّ لأعظم وأهمّ الخطباء في مدينة أثينا ومنهم بركليس ابن إكزانتيب”. ليسأل مينيكسينيوس سقراط من جديد من هي هذه المرأة هل تقصد أسبازيا، فيجيبه سقراط إنّها هي بالفعل (15).

هذا وتُشيد فقرات هذه المحاورة بقدرات أسبازيا في تعليم الخطابة، وإلى كفاءتها وصياغتها الأنيقة للخطاب الجنائزي الذي يلقيه القائد بركليس، وعدم ادّخار سقراط جهده في الإشادة بأسبازيا بوصفها معلّمته في فنّ الخطابة كما جاء في محاورة المينيكسينيوس، هذه الأخيرة التي يعدّ فيها سقراط الشخصيّة الرئيسيّة للحوار. ويكتسب النصّ أهميّته وفرادته من توصيفه لذكاء أسبازيا وخبرتها في تعليم الخطابة للمريدين والأتباع، والتعرّف على صورة المرأة المفكّرة في بعض النصوص الاستثنائيّة لأفلاطون.

5-لماذا يجيء ذكر أسبازيا في محاورة أفلاطون؟

هل ذكر أفلاطون أسبازيا اعترافا بقيمتها الفكريّة، مع الإشارة أن مواقف الرجل حيال المرأة لم تكن إيجابيّة؟ أم أنّ القول الفلسفي في المحاورة المذكورة يعدّ بمثابة إدانة لها وهي التي مارست فنّ الخطابة، وهو الفنّ الذي يذكّر أفلاطون بخصومه التقليديين من السفسطائيين؟ وفي محاولة لمناقشة هذا الإشكال الذي يطرحه موقف أفلاطون من أسبازيا في محاورة المينيكسينيوس، تُعقّب الكاتبة ماري إلين ويث بقولها: «ولكن رغم ما قد يبدو من الوهلة الأولى أنّ هذه المحاورة تبدو اعترافاً من أفلاطون بما كان لأسبازيا من شهرة كفيلسوفة وخطيبة، فإنّ الهدف الأساسي لأفلاطون من المحاورة هو السخريّة من أن يكون لفيلسوفات نساء مثلها أي تأثير على بلاد اليونان» (16). فهل سخر أفلاطون من أسبازيا بالفعل وجاء إدراج اسمها في هذا العمل لمجرّد إدانتها كما تدعي إلين ويث؟ لا شكّ أنّ القطع في هذه المسألة هو من الصعوبة بمكان طالما أنّ قراءتنا للنصّ لم تحلنا إلى عبارات صريحة تَدْعم هذا الرأي هذا من جهة، ولكن من جهة ثانيّة قد يكون لتعقيب إلين ويث لإدراج أسبازيا في المينيكسينيوس ما يبرّره استنادا إلى كون أسبازيا تنتمي، وفق الفنّ الذي تعلّمه، إلى المدرسة السفسطائيّة (17). وقد يكون هذا كافياً لتشويه صورتها من طرف أفلاطون، الأمر الذي يعني أنّ موقفه من المدرسة السفسطائية المعادي لها سينسحب على موقفه من أسبازيا لا محالة.  فأسبازيا رغم تفوّقها في فنّ الخطابة، وهي المرأة الوحيدة في حلقة بركليس الفلسفيّة، لا يمكن أن توسم بالفيلسوفة وأن تتمتع بهذه المكانة العليا. وبالنتيجة فإنّ أفلاطون كتب المينكسينيوس للسخرية من السفسطائيين ومن أسبازيا في آن معاً، وبذلك تتّفق وجهة النظر هذه مع المنطلقات الفلسفيّة لأفلاطون.

يجب التذكير في هذا المقام بأن أفلاطون، من الناحية التاريخيّة، يعدّ المسؤول على إشاعة الصورة السوداويّة والسيّئة عن السفسطائيين والحطّ من قيمتهم وإدانة أفكارهم ونعتهم بأشدّ النعوت قسوة وإهانة، ومن ثمّة النظر بعين الشك والحذر إلى المفكّرين الذين ينضوون تحت لواء هذا التيّار ومنهم أسبازيا، بدعوى عدم دخولهم في خانة التفلسف، وتكون الغاية من إدراج أسبازيا في المينيكسينيوس تتّفق مع وجهة نظر إلين ويث المتمثّلة في الإطاحة بأفكارها ومواجهة آرائها واعتبارها نموذجا لسوء استخدام الفلسفة أو الحكمة. كانت أسبازيا تهتمّ بشرح الخطابة، البيان، واللغة وتساهم مع أعضاء حلقتها في تطوير هذه الأساليب التي تعبّر بشكل صادق عن فلسفتها ومواقفها تجاه الحياة والإنسان، فأفكار الحركة السفسطائيّة انتشرت انتشاراً واسعا وكان لها مريدون لأنّها كانت تعبّر عن وجهة نظر فلسفيّة تخرج عن إطار التنميط وترفض السائد من الأفكار، وحتّى لو كان الفكر الأفلاطوني نفسه. ومن الناحية العلميّة لا يمكن تقييم الآداء الفلسفي لأسبازيا وفق المعايير الفلسفيّة الأفلاطونية، وليس بالضرورة أن تنال المرأة رضى أفلاطون لكي تكتسب مشروعيّة وجودها الفكري. وعلى أية حال كيفما كان شكل الآراء المختلفة بشأن إدراج شخصيّة أسبازيا في محاورة المينيكسينيوس والقراءات المختلفة بشأن وجودها في محاورة أفلاطونيّة فإنّ ذكرها هو إنجاز تاريخي بحدّ ذاته. وحتى لو افترضنا أنّ أفلاطون لم يقصد ذلك ولم يكن هذا الأمر وارداً في ذهنه أو من بين أهدافه، فيكون في هذه الحالة قد خلّدها من حيث لا يدري فتأتي النتيجة على عكس ما أراده. فلقد ساهمت أسبازيا بشكل فعلي في تشكيل الضمير الفلسفي في مرحلة تاريخيّة هامّة من الفكر اليوناني، وكانت المرأة صاحبة حضور متميّز على الصعيد السياسي والفكري بفضل مقدرتها البارعة في الخطابة، وقد يكون تفوّقها ذلك مصدر قلق وإزعاج للآخرين بفضل تمكّنها من التأثير على الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في عصرها فهل يقلق هذا الأمر أفلاطون أيضاً؟

****************************************

 هوامش المقال

 (1) أفلاطون، الجمهوريّة، تر: فؤاد زكريا، مراجعة محمد سليم سالم، (الاسكندريّة: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2005)، ص 406.

(2) المرجع نفسه، ص 409.

(3) المرجع نفسه، ص 435.

(4) أنظر إلى المقدّمة التي وضعتها المترجمة وهي خصبة وغاية في الأهميّة.

(5) أفلاطون، محاورة ثياتيتوس أو عن العلم، ترجمة وتقديم، أميرة حلمي مطر، (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص ص 33-34.

(6) أفلاطون، فيدون، أو في خلود النفس، تر: عزّت قرني، (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط 3، 2002)، ص 166.

Platon, Timée, présentation et traduction par Luc Brisson, (Paris : (7) Editions Flammarion, 5eme édition, 2001), p 144.

(8) أفلاطون، القوانين، ترجمه من اليونانيّة إلى الانجليزيّة، أ-تيلور، نقله إلى العربيّة محمد حسن ظاظا، (القاهرة: مطابع الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1986)، ص 465.

 (9)   Platon, Timée, pp 135-136.

Gerasimos Santas, « Légalité, justice et femmes dans la (10) République et les lois de Platon », dans : Revue Française d’Histoire   des idées politiques, (Paris : nº 16, 2002), p 312.     

Dannielle Jouanna, Aspasie de Milet, égérie de Périclès, histoire (11) d’une femme, histoire d’un mythe, (France : Librairie Athènes fayard, 2005), p 37.

(12) إمام عبد الفتّاح إمام، نساء فلاسفة، (القاهرة: مكتبة مدبولي 1996)، ص 122.

Dannielle Jouanna, Aspasie de Milet, égérie de Périclès, histoire (13) d’une femme, histoire d’un mythe, p 8.

(14) (495-429) برع في ”فنّ الخطابة” وأصبح من أشهر الخطباء في مدينة أثينا، تبوأ مكانة سياسيّة مرموقة بفضل قدراته اللغويّة وطلاقة لسانه وشخصيته التي يقال عنها أنّها كانت مرحة وجذّابة للسامعين، واسمه باللغة اليونانيّة القديمة يعني (المحاط بالمجد). 

Platon, Ménexène, présentation et traduction par, Daniel  Loayza, (15)   (Paris : Edition Flammarion, 2006), pp 63-64.  

(16) ماري إلين ويث، تاريخ النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني، تر: محمد السيّد قراد، مراجعة محمد فتحي عبد الله، (الاسكندريّة: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، 2000)، ص 163.

(17) أنظر بهذا الصدد محاورتي: بروتاجوراس وجورجياس لأفلاطون.

**********************************

  khadidjazetili@hotmail.fr*

أكاديميّة وكاتبة من الجزائر

 

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي* يكتب :علم الأخلاق النسوي

   رغم وجود نساء فيلسوفات فاعلات منذ قرون، إلاّ أنّ تطوير منظور فلسفي نسويّ لم ...