الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *:يكتب :مابين إربيل ..و”أبوقرقاص”

د.سامى نصار *:يكتب :مابين إربيل ..و”أبوقرقاص”

 

ما بين إربيل ..و” أبو قرقاص”

 

ذهبت الأسبوع قبل الماضي إلى إربيل عاصمة كردستان العراق في مهمة مع منظمة اليونيسيف وكنت لا أزال أحمل في قلبي غصة ما حدث لأم المصريين السيدة سعاد ثابت في “أبو قرقاص” بالمنيا، وكيف تفجرت شلالات الكراهية والاستعلاء والإقصاء جارفة أمامها كل القيم الإنسانية، سواء من جانب الذين ارتكبوا هذا الجرم بشكل مباشر أو من المتواطئين معهم من قيادات رسمية وشعبية، مستهدفين إهدار حق هذه السيدة الكريمة في استعادة بعض كرامتها التي بعثرتها قطعان الملتاثين الذين تحركهم نزعات قبلية تمييزية واستعلائية ذات دثار ديني.

أقول ذهبت إلى إربيل، وفي قلبي هذه الغصة لأساهم مع منظمة اليونيسيف في مشروعات رعاية اللاجئين والنازحين وسكان المناطق المتأثرة بالنزاعات، الذين دفعت بهم حروب الكراهية والاستعلاء والإقصاء إلى اللجوء من سوريا إلى كردستان، وإلى النزوح من وسط العراق وجنوبه إلى العيش في إربيل و السليمانية ودهوك، وهي أكثر المناطق أمنا في العراق الان.

ذهبت إلى إربيل معتقدا أنني ذاهب إلى بؤرة التعصب والتمييز الطائفي والمذهبي، ولكنني وجدت مجتمعا تتعدد فيه وتتعايش مختلف المذاهب والأعراق والطوائف، وتظلله المساواة وعدم التمييز بين الجميع مهما كان عددهم، فالجميع سواء، مسلمون، سنة و شيعة، أو مسيحيون، أو ازيديون أوصابئة، عربا كانوا أو أكرادا، أو تركمان، أو فرسا..فالكل سواء.

ويعتبر التعليم هو المقوم الأساسي لبناء دولة المواطنة والتسامح والتعايش، حيث ينص قانون التعليم على حق كل طفل في أن يتعلم بلغته الأم سواء كانت الكردية أم العربية أم التركمانية أم السريانية، كما أنه من حقه أن يتعلم دين أبيه لا أي دين آخر. كما يوجد في الهيكل التنظيمي لوزارة التربية إدارات للتعليم السرياني والتركماني، وتتولى الوزارة طبع الكتب الدراسية مهما كان عدد الطلاب.

لقد استوعب إقليم كردستان كل المختلفين سياسيا، ولم يتم إقصاء تيار أو فئة بسبب العرق أو الدين أو المذهب أواللغة، وفتح المجال العام أمام الجميع للعمل والعيش معا في سلام رغم تهديدات داعش على حدودها.

ومن عجب أن العرب من شيعة وسنة الذين يتحاربون في وسط العراق وجنوبه، ويقتلون بعضهم البعض على المذهب، متعايشون مع بعضهم البعض في إربيل دون مشاكل..لماذا؟ لسبب بسيط جدا أن التمييز غير موجود بينهم، فيختفي الشعور بالاستعلاء، كما يختفي الشعور بالدونية ومن ثم يسود السلام بين الجميع.

فالتمييز عندما يصبح ثقافة مجتمع يشيع الاستعلاء عند فئة من أفراده، فتعتقد لسبب عرقي أواقتصادي أو ديني أن لها كل الحقوق، إما بالقانون الذي يأتي في النهاية معبرا عن مصالحها وقوتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو بالعرف الذي يكرس لها تاريخيا حقوقا تتجاوز القانون وسلطات الدولة، أو بالعنف المادي والرمزي الذي تمارسه على كل من يختلف معها في معتقد أو مذهب، أو من تشعر أنه يمثل تهديدا لمصالحها أوسلطانها. فالشعور بالاستعلاء يغري بممارسة القوة والعسف.

وكما يولد التمييز الشعور بالاستعلاء، فإنه يولد أيضا عند الفئات المقهورة الشعور بالضعف ومن ثم بالدونية ، وإن تظاهروا بالتسامح أو قبول الاخر. والتسامح في هذا الموقف لا يعد فضيلة، وإنما هو نوع من التفريط الشديد في تقدير الذات أمام من لايتسامحون معهم ويعتبرونهم أدنى منهم.

وما بين اربيل و”أبو قرقاص”  يفسر بجلاء كيف استطاع مجتمع ما أن يعيش التنوع في إطار الوحدة – كما يقول باولو فريري- بينما لا يزال مجتمع آخر يفتقد روح التسامح وقبول الآخر، منتفخا بثقافة الاستعلاء التي تغذيها نزعة قبلية ودينية، فيمارس العنف بكل أشكاله ضد المختلف عنه في الدين، ويتمادى في ذلك مستدعيا من تاريخ البداوة أسوأ ما فيه من صور الاعتداء على النساء، وحرق للبيوت والكنائس، وتهجير قسري للسكان، متجاهلا تاريخا طويلا من العيش المشترك، مسقطا من حساباته كل القيم الإنسانية، متناسيا أن الشعور بالظلم سوف يراكم من موجات الغضب المكبوت على مر السنين،  فتنفجر في وجه الجميع فلا تبقي ولا تذر.

فهل تتعلم أبو قرقاص الدرس من إربيل؟

******************************

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية  الأسبق-جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟ اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف. في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة ...