الرئيسية / د.عبد الله سليمان / د.عبد الله محمود سليمان*يكتب:العلم يعانق الحب !
د.عبد الله سليمان

د.عبد الله محمود سليمان*يكتب:العلم يعانق الحب !

العلم يعانق الحب فى حميمية

أقبل العلم على” الحب ” يداعبه ويعانقه محاولاً أن يكونا معاً نظرية تفسر هذه الظاهرة النورانية التى تسرى فى دماء البشر وخلايا عقولهم ، غير انه ظهر لهما عزول شرس أضناهما فى بداية الامر لكنه لم يستطع لحسن الحظ أن يمنعهما من ان يلتقيا فى حميمية .

كلنا  يعيش الحب ؛ هذه الظاهرة السحرية ، التى تعمل العجب فى حياة الإنسان “يفوت على العين يصحيها من عز النوم ، ويفوت على الروح يطير بيها الدنيا فى يوم ” كما تقول الأغنية . وبعضنا يعمل بالعلم فيضاً من عبقرية الإنسان ، وبإستخدام أدواته للملاحظة والتجربة ، يخلق طاقة هى قبس من نور ينفذ الى أعماق كل  ظاهرة ،ويحلل عناصرها وتفاعلاتها ، ليتمكن من تنميتها (مثل الإنجاز)،أو إلغائها (مثل العدوان).

والحب سلوك ،عمل، تصرف . هو ضرورى لنمو الطفل ومودة اللأصدقاء وسعادة المتزوجين وتفاعل العاملين . وإلى عهد قريب كان الذين يقتربون من الحب يحاولون فهمه هم الأدباء والفلاسفة ،اما الشعراء فقد كانوا دائمى التغنى به . لكن هل كانت حكمة الفلاسفة ،وخيال الأدباء ، ورومانسية الشعراء كافية لفهم الحب . او تحليل عناصره حتى نتمكن من تنميتها والسيطرة عليها ، والإفادة منها ؟

كلا . وها هو عالم النفس الإنسانى إبراهام ماسلو يقول ” من المدهش  كم هو قليل ذلك الذى يستطيع العلم التجريبى أن يقدم لموضوع الحب . ومن الغريب هو صمت النفسانيون ؛ لان المرء يمكن ان يفكر ان ذلك هو واجبهم الخاص .ومن المحتمل أن هذا هو مجرد مثل آخر على الرذيلة المزعجة للأكاديمين وهى أنهم يفضلون أن  يفعلوا ذلك الذى يقدرون عليه بسهولة أكثر من ذلك الذى يجب أن يفعلوه “جاء ذلك القول فى مقدمة دراسة إبراهام ماسلو عن الحب عند الأفراد الذين يحققون ذواتهم”

وفى نفس الإتجاه يقول هارى هارلو فى خطابه الرئاسى لرابطة علم النفس الأمريكية عام 1958 “الحب حالة رائعة ،عميقة ،حنونة ، ومدعمة .وبسبب طبيعتها الحميمية والشخصية،إعتبرها البعض موضوعاً غير ملائم للبحث التجريبى ودراساته .ولكن مهما كانت مشاعرنا الخاصة ، فإن رسالتنا التى خصصت لنا هى ان نحلل كل مظاهر السلوك الإنسانى و الحيوانى إلى عناصره . وفيما يتصل بالحب أو المودة ،فإن النفسانيين قد فشلوا فى رسالتهم ويمضى هارلو فى عرض دراساته التجُريبية المشهورة عن طبيعة الحب

وفى تقديمه لدراسة هارلو، يحدثنا الأنثربولوجى الشهير اشلى مونتاجيو،أن هارلو حصل على منحة مالية من مؤسسة حكومية ليقوم بدراسته . وحينما اثير الأمر فى مجلس الشيوخ الأمريكى قوبل بالضحك والسخرية. ويقول مونتاجيو إن المنحة المالية كانت كبيرة ولكنها ليست فى مثل عظم النتائج التى توصل لها هارلو عن “طبيعة الحب ”

حاولت أستاذة فى جامعة منيسوتا أن تعمل فى طريق الدراسة العلمية التجريبية للحب فتقدمت National Science Foundation بمشروع  بحث إلى المؤسسة القومية للعلوم

وحصلت على منحة بحثية مقدارها 84,000 دولار لدراسة الجاذبية بين الأفراد

علم النفس الإجتماعى   وهى موضوع من موضوعات Inter personal  Attraction

الذى يدرس كيف يتأثر الأفراد بالآخرين فى المجتمع فى أفكارهم ومشاعرهم وأفعالهم. والجاذبية بين الأفراد تعنى بإتجاهات الفرد الإيجابية أو السلبية نحو فرد آخر

المشكلة هى أن  إلين بيرشيد كتبت فى آخر مقترح البحث أنها تأمل أن تدرس واحدة من أهم صور الجاذبية الإنسانية ،وهى الحب الرومانسى.ولان المؤسسة القومية للعلوم ذات ميزانية فيدرالية ،يكون من حق اعضاء الكونجرس الأمريكى أن يراقبوا أنشطتها وأن يفحصوا خطط البحوث التى تدعمها مالياً

كان إرتفاع معدل الطلاق فى الأسرة الأمريكية وما يترتب عليه من مآس للأطفال مصدرقلق  للمجتمع. ذلك ان الأمريكين يعتبرون “الحب” هو أساس قيام الزواج وإستمراره وياتى إرتفاع معدل الطلاق مؤشراً عن أن شيئاً ما خطأ فى علاقة الحب بين الزوجين . كيف إذن تٌحل هذه المعضلة؟ ينشأ الحب قوياً بين شاب وفتاة ، ويحاربان العالم (الأسرة والأصدقاء) كى يتزوجا ، وما إن يحدث ذلك يسمع الناس أنهما يسيران فى إجراءات الطلاق .لكن هل هناك غير العلم يعمل على حل هذه المعضلة؟يدرس ظاهرة الحب ومكوناته والظروف التى تعمل على تحقيقه وتنميته ؟ من أجل ذلك قدمت بيرشيد مقترح بحثها.

لم تكن بيرشيد تدر أن السيناتور بروكسمير سوف يختار المنحة البحثية التى قررتها المؤسسة القومية للعلوم تخصص لها جائزة التبديد الذهبى ، تبديد أموال دافعى الضرائب وأن القضية الخلافية التى  تتلو سوف تستغرق حياتها الشخصية والمهنية فى السنوات التالية . وتقول بيرشيد “لوفكرت فى ذلك كله  لكنت أخترت أن أدرس شيئأ آخر ، وبالتأكيد لن أذكر أنى  سأدرس الحب الرومانسى فى مقترح البحث. ذلك أنى لم أكن أعرف أن الحب الرومانسى ذا حساسية سياسية ، وربما كان على أن أعرف ذلك ، فمنذ عقود مضت (1958) قامت لجنة تحقيق فى الكونجرس بتعنيف هارى هارلو وقامت الصحافة بالسخرية منه لقيامه بدراسة “حب القرود” ومن المهم أن نشير أن هذه الدراسة  الكلاسكية  التى كشفت عن حقائق عن طبيعة الحب فى الكائنات الحية كانت موضوع خطابه الرئاسى لرابطة علم النفس الأمريكية ، وأنه لا يوجد كتاب فى علم النفس العام  (مقدمات علم النفس) أو علم نفس الطفل إلا ويذكر هذه الدراسة التى كشفت عن حاجة الإنسان للحب  وخاصة الطفل”

لم يخطر ببال بيرشيد أن أولئك الذين يقلقون على ما يسمونه تفكك الأسرة سوف لا يرحبون بالدراسة العلمية والفهم العلمى لذلك الذى يقوم عليه الزواج أو التفكك .

لكن بروكسمير الذى نصب نفسه حارساً على أموال  دافعى الضرائب أصدر للصحف عبارة حمقاء يقول فيها:

“إنى أعارض ذلك (دراسة الحب) لانه لا أحد – حتى فى المؤسسة القومية للعلوم – يستطيع أن يناقش أن الوقوع فى الحب هو علم – ليس فقط لأننى متأكد أنه حتى لو أنفقت المؤسسة القومية للعلوم 84 مليون أو 84 بليون دولار ، ستحصل على إجابة يؤمن بها أى فرد . وأنا متأكد أنى ضد هذا العمل  لانى لا أريد هذه الإجابة .

إنى أعتقد أن 200 مليون أمريكى آخرين يريدون أن يتركوا أشياء فى الحياة بإعتبارها لغزاً، وأن على رأس هذه الأشياء التى لا نريد أن نعرفها هو لماذا يقع رجل فى حب إمرأة وبالعكس.

[أقول] للجنة القومية للعلوم : إبتعدى عن لعبة الحب . إتركى ذلك لإليزابث برايت بروننج  وإرفن برلين” . كان الكسندر بوب محقاً حينما لاحظ “إذا كان الجهل نعمة فمن السخف أن تكون حكيماً ”

كان السيناتور بروكسمير رئيساً للجنة مجلس الشيوخ المسؤولة عن مراجعة المنح البحثية التى تقدمها المؤسسة القومية للعلوم . وكان يطلب من المؤسسة موافاته بمشروعات البحوث التى قُدمت لها وماذا تم بشأنها . ولما لم تستجب المؤسسة لتساؤلاته ، بدأ فى مهاجمة الباحثين الرئيسين . وكان من نتيجة ذلك أن توقفت المؤسسة عن دعم البحوث فى مجال الجاذبية بين الأفراد وخاصة للباحثين من النساء.

     لكن الأمر لم يقف عند ذلك ، إذ تعرضت بيرشيد لضغوط نفسية كبيرة كانت تقودها صحيفة لوس أنجلس تيمز ،إنتشرت إلى غيرها من الصحف . وتقول بيرشيد إن كل صحيفة وكل راديو فى الولايات المتحدة وفى أقطار أخرى نشر مقالاً مطولاً عن القضية فى الصفحة الأولى مع صورة بيرشيد وبروكسمير ،لدرجة أن بعض القراء بعت إليها يهنئها على خطبتها لبروكسمير. لكن الخطابات التى وصلتها لم تكن كلها دعابات بل إن بعضها كان ممتلئاً بالتهديد بقتلها إن لم تتوقف عن مثل هذه الموضوع . وحينما أبلغت البوليس نصحها بوضع جهاز إنذار حول مكتبها ومنزلها ،كما طلب منها أن تحتفظ بما يصلها من خطابات ،حتى إذا حدث لها مكروه ! يستطيعون أن يتوصلوا إلى من هو المجرم.وتعلق بيرشيد ساخرة : هكذا يريدون أن يتوصلوا إلى من هو المجرم بعد إتمام جرمه وليس مهماً ما حدث للضحية . وقد إستمر تهديد بيرشيد عامين ، وعددت الخسائر خلالها والتى تمثلت فى موت كلبها المفضل ،وتدمير سيارتها ، وتفكك زواجها وتهديدها بالقتل .

     كانت هناك قلة من الرأى العام من الذين شرعوا فى الدفاع عن القضية .إذ كيف والأمريكيون يعتبرون الحب هو الأساس الذى تقوم عليه مؤسسة الزواج – كيف يقوم إعتراض على الدراسة العلمية للأساس الذى يقوم عليه الزواج، بل والعلاقات بين الأفراد سواء فى الأسرة أو العمل ، وفى كل مواقع الحياة ، وما يقوم  به الفرد من أدوار.

     فى هذا السياق كتب جيمس رستون فى نيويورك تيمز ساخراً يقول:”إنى أوافق على أن الحب سيظل دائماً لغزاً ،ولكن لو إستطاع السيكولوجيون والإجتماعيون  أن يعطونا ولو إيحاء ، أو إقتراحاً  يعطى توضيحاً للحياة الرومانسية والزواج ،والتحرر من الوهم ،والطلاق ، والأطفال الذين يُتركون  فى الخلف فسيكون ذلك أفضل إستثمار للنقود الفيدرالية منذ شراء لويزيانا.

كما يوضح جورج هارس (محرر سيكولوجى لو داى) ، فإن الأزمة فى عصرنا تتصل بمشكلات الثقة والحميمية التى نكتشفها فى الحب الوجدى الذى نكتشفه فى الرفقة .لقد سقطت كل موجهات الطريق فمعدل الطلاق هو مجرد مؤشر على إضطراب ثقافتنا التام . والشباب اليوم ليس لديه ثقة فى الأحكام التى يصدرها لهم والداهم فى عصبية . وهذا الجيل متأكد من شئ واحد أن والديهم مخطيئن ، والمرجعية الوحيدة التى يثقون فيها فى هذا المجال تأتى من العمل الشاق للباحثين الذين يعملون  بحرص .وأن نفشل فى أن نقدم لهم أفضل عمل ممكن هو أن نمنع الماء عن الأفواه  التى جفت حلوقها.

     وهكذا أدت حملة بروكسمير إلى عكس ما أراد السيناتور فقد أقبل الباحثون على القيام بالأبحاث التى تحاول تفسير ظاهرة الحب ،وظهرت النظريات والدراسات الميدانية وإستمرت بيرشيد فى أبحاثها .كان رد جامعة منيسوتا أن قامت بتثبيت بيرشيد كعضوة فى هيئة التدريس أخذت ترقيها حتى منحها وتعيينها فى أرقى درجات الأستاذية “إستاذ أمناء الجامعة” وأصبحت منيسوتا مستودعاً لأبحاث الحب .هذه الظاهرة  التى تربط البشر بالمودة والإعزاز وتمنحهم النمو وتحقيق الذات.

                                   ————————–

* أستاذ علم النفس الإرشادى – جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر ...