الرئيسية / فاطمة الحصى / فاطمة الحصى *تكتب :مجتمع الصراصير !
الكاتبه /فاطمة الحصى

فاطمة الحصى *تكتب :مجتمع الصراصير !

فى أسباب إنهيار الطبقة الوسطى

———

وصف المفكر المصرى الكبير توفيق الحكيم (1898-1987) المجتمع الذى عاصره ،  قائلا :

(إنه مجتمع “الصراصير “! الذى يختلف عن مجتمع “النمل”، فالنملة تعثر على قطعة سكر فتجتمع حولها جماعة من النمل تتعاون على حملها ،أما “مجتمع الصراصير “فهو مثل مجتمعنا اليوم ،قلما تجد مجموعة من الصراصير تحمل فكرة وتعمقها وتفيد بها ،لأن كل صرصار مشغول بنفسه فقط !! ولهذا لا يوجد بناء فكرى أو فلسفى أو أدبى يقوم شامخاً متكاملاً ،إنما الموجود أفراد وكل فرد مشغول بفكرته يحملها وحده ،ولا يلتفت أو يهتم الا بما يحمله هو ،وهذا هو سر تخلف مجتمع “الصراصير “!)

إستوقفنى كثيرا هذا الوصف ،فها أنا اخيراً أجد ضالتى و حل  للغز الذى أبحث عنه واجابه عن تساؤل  لطالما أرهقنى وهو :لماذا إنهارت الطبقة الوسطى المصريه ؟ولماذا حدث كل هذا التماهى بين الطبقات الى حد ذوبان الطبقة الوسطى ؟

ووجدتنى اتسمر ،بعيونى وعقلى وروحى أمام تلك العبارة التى تصف وصفاً  دقيقاً حال مجتمعاتنا العربية فى الأونة الأخيرة ،واسمع صوت الرجل يصحح لى الحديث هامساً فى أذنى (بل منذ القرن الماضى حتى الان ) نعم ، نحن مازلنا ندور فى نفس الدوائر المغلقة ،منذ ما يقرب من مائة عام …

والحق أن قضية النزوع للفردية بالمجتمع العربى من الاشكاليات التى تستحوذ على كثير من تفكيرى …فالمثقف المصرى يكافح وحيداً من أجل أن  يحفر إسماً رناناً ،والموظف يكافح من أجل الحصول على راتب جيد ،وزوجة طيبة ثم يكافح لشراء شقة مناسبة ،ويتطور قليلاً لكى يبحث عن منطقة أحسن للسكنى وهكذا …

اللافت للنظر أن المجتمع بكل ما يحاط به من أنساق وقيم ومبادئ أصبح يغذى تلك “الفردية “لدى كل شخص ،فالمجتمعات العربية فى العصر الحديث تغذى الفكر الفردى من خلال ترسيخ أفكار بعينها على سبيل المثال فكرة  أنك  ناجح مادمت تنتقل من طبقة مستأجرى الشقق الى ممتلكيها ،..أو فكرة أنك ناجح مادمت تحولت من العمل فى مجموعة إلى صاحب مشروع ،أو أنك ناجح مادمت انتقلت من عملك كمطرب فى فرقة موسيقية الى مطرب مستقل “سولو”! وكم من فرق موسيقية عظيمة إنهارت بسبب هذا  الولع والشغف بالنجاح الفردى والشهرة …

ولم يعد هناك شئ يمكن أن نطلق عليه مسمى “الفريق “،ولا أحد ينكر أن السبب الرئيسى لذلك الاتجاه هو التربية ومؤسساتها الاجتماعية  المختلفة منذ نعومة الأظافر نتعلم من الاسرة ونعلم أبنائنا  أن  الشخص الناجح هو الأذكى –الأقوى –الأغنى ،و كل ما يحمل صيغة التفضيل …

فلابد لكى تكون ناجحاً ان تكون أغنى من فلان ،واذكى من علان ،وهكذا يدخل الطفل منذ الصغر فى سباق المنافسة يتغذى يوميا بتلك الحبوب اللقاحية بدلاً من  إكسابه  فكرة  أن يكون نفسه ،وأن يمارس ما يهوى من هوايات ،وأن يعمل ما يحب ،وأن يتقن ما يعمل ……

تلك قيم هُدمت –عن عمد او عن غير عمد لافرق عندى – بل إنها إنقرضت مثلها مثل الديناصورات فى سابق العصر والأوان !

وتحولت المجتمعات العربية إلى مجتمعات الصراصير،مجتمع تفتقد إلى البناء فكرى أو الفلسفى الموحد ، أساسها الفردية والتنافسية ،بدلا عن مجتمع النمل !!

لذا فإننى أجد فى هذا الحديث إجابة عن  التساؤل الذى طرحته فى مقالى السابق “اين الطبقة المتوسطة ؟”  فالأمر ببساطة أن الطبقة المتوسطة غير موجودة  لإفتقادها الى نسق فلسفى وفكرى متكامل ،فكل فرد يؤسس  نسق  مستقل بذاته ،ولا يلتفت الى الاخر، كل فرد يبحث عن مصالحه الخاصة ،عن حديقتة وحمام السباحة الخاص ،وغير خاف على أحد أن كل ما يحيط بالفرد فى مجتمعاتنا المعاصرة  يغذى تلك الروح !

…..إرقد فى سلام ايها الحكيم فمازال مجتمع الصراصير يحيا ويعيش !!

*******************

*باحثة وكاتبة  –مصر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي * الفتى أركون .كلمه ﻻبد منها !

في مقال مهم شرح الباحث سامي عبد الله إلى مصطلح أظن أنه جديد وهو مصطلح ...

2 تعليقان

  1. Avatar

    مقاله رائعه جدا يا دكتوزه ووصف حقيقي لما وصلت اليه تلك الطبقه ….بس الأمل موجود في تغيير افكار الشباب الصاعد وتربيه جيل يتماسك كمجتمع النمل

    • Avatar

      د.محمد اشكرك على دعمك الدائم لى وللموقع الذى تأسس على يديك .
      مؤكد اننا نراهن على الجيل الصاعد الذى يرفض ما آل اليه حالنا ،
      حال الجيال الفاسده مع الاعتذار عن التعميم