الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة الحصى *تكتب :من يجرؤ على قطع ذراع الإعلام الممدوة ؟
الباحثة /فاطمة الحصى

فاطمة الحصى *تكتب :من يجرؤ على قطع ذراع الإعلام الممدوة ؟

يقول الفيلسوف الجزائرى مالك بن نبى  فى كتابه وجهة العالم الإسلامى ص55 “إن المشكلة  ليست فى أن تبرهن للإنسان  على وجود الله ،بقدر ماهى فى أن تشعره بوجوده وتملأ به نفسه بإعتباره مصدرا للطاقة “.
فهل هذا ما ينقصنا فى حياتنا الإجتماعيه ،هل غياب الله  كقوة فاعلة وكمصدر للطاقة فى أعماق النفس البشرية هو ما أدى بأحوالنا الأخلاقيه الى هذا التدنى ؟ هل الفاعلية  الواقعية التى يتحدث عنها مالك بن نبى هى السبب ،هل نفتقد إلى روح  الشئ ؟ وما العلاج الناجع لحالات الانفلات الأخلاقى والإجتماعى الذى تمر بها البلاد العربية ،اقول هذا ولايغيب عن عقلى للحظة ظاهرة الغش الجماعى التى حدثت هذا العام فى اثنتين من  كبريات الدول العربية الجزائر ومصر ،هذا على سبيل المثال لا الحصر  من ناحية ،ومن ناحية أخرى يستوقفنى تماما ما يحدث فى الاعلام العربى والمصرى بصفة خاصة ،وأخص بالحديث هنا ذلك الاعلان “الصرعة “الذى أعده البعض كتكريم للدكتور مجدى يعقوب ، ومما لاشك فيه أن الدكتور مجدى يعقوب  نموذج مصرى عربى يستحق الفخر والإنحناء أمامه إحتراما وتقديرا له كنموذج للطبيب الإنسان ،الذى يسعى لخدمة وطنه ، وقد شاهدنا بكل  حب و إحترام  هذا الاعلان كشكر وتقدير للطبيب المصرى المحترم ،والحقيقة أن الرجل يستحق هذا وأكثر ،لما يقوم به من أعمال خيريه فى علاج مرضى القلب ،وتأسيسه  لمركز القلب ، بالاضافه إلى كونه نموذج وقدوة لكل شاب مصرى ، وقد استقبله ودعمه الشعب المصرى بمحبة شديدة ،وهاهوهذا الاعلان يمنحه بعض مما يستحق وليس كله، ،ويمكن لمن يهمه الأمر الاطلاع على تاريخ د.مجدى يعقوب الحافل بأعماله الإنسانية وإنجازاته الطبية عبر الانترنت  ، فليس هذا فقط ما أود الحديث عنه اليوم ، فقد لفت إنتباهى أنه فى الوقت الذى إنجذبنا جميعا إلى الاعلان الذى يفى د.مجدى يعقوب حقه ، تناقلت وسائل التواصل الإجتماعى بشرح واف  للوجه الجديد الذى طل علينا فى الاعلان  وشرح مطول لمهنته ومواهبه المتعددة وقدراته الخارقة …الخ
والحقيقة التى  ظهرت  لى جَلية (وقد أكون مخطئة ) أن هذا الإعلان الذى يحمل صبغة إنسانية راقية ،وله هدف جعل الجميع يتشدق به ليل نهار وهو تكريم شخصية محترمة أدت دورها بكثير من الحب تجاه الوطن الأم “مجدى يعقوب “،قد صٌمم خصيصاً (فى ظنى ) لا لشئ الا للدعاية لذلك الفتى إبن العائله الفنية المشهورة ،والذى يدخل عالم الإعلان من أوسع الأبواب ،فما كان من مساعديه واصحاب الافكار اللوذعية التى “تُلمع” من الأفراد والشركات والمؤسسات إلا أن تفتق أذهانهم عن فكرة عبقرية ،ساقوا لتنفيذها  من كل حدب وصوب وجوه  مشهورة ،مطربين ولاعبى كرة قدم وممثلين ، ثم وفى وسط تلك الكوكبة قاموا بإلقاء  الوجه الجديد الغريب على عيون المشاهد المسكين المطيع الذى قتله الفضول لمعرفة من هذا الدخيل ! وكان هذا هو المطوب بالضبط ،لذلك وبمجرد أن بدأ البعض فى ترديد السؤال اياه “من يكون هذا الدخيل ” حتى إنتشر بوست به شرح واف  لإلقاء  الضوء على هذا الوجه ،وبأنه صاحب شركه دعايه وانه صاحب مواهب متعددة..وانه الشاب العبقرى الذى بدأ حياته العملية فى السادسة عشر من عمره …. الى أخر ذلك الحديث الذى تداولته وسائل التواصل الاجتماعى وحفظناه عن ظهر قلب !! وهكذا تمت  صناعة نجم المرحلة القادمة وهاهو يُقدم كبديل  لنجم شركات الاعلان “طارق نور”!
 إنها  المصيدة التى نقع فيها جميعا ،فنظل نطنطن ونردد ما يُنقل إلينا دون أن نعرف المصدر الأول لبث كل هذه المنشورات الصريح منها و المتخفى  !
وهكذا أصبح د.مجدى يعقوب أيقونة (فى حين أنه أيقونة مصر منذ سنوات عديدة )، ولكنه الان من لوازم الاعلان عن النجم المخفى ! أعتقد أن الجميع الان يدرك كيف أننا لعبة فى يد ذلك الاعلام وتلك الوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعى وغيرها ؟!!
ضربت هذا المثال للتعبير عن حالات الخداع التى يقوم بها الاعلام  وهو خداع لبناء أوهام ،بينما هناك نوع آخر من الخداع يمارسه الإعلان ولكنه خداع هدام ،وأمثلته لاحصر لها ..اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر  ما نراه نرى يوميا وفى كل لحظة من تلك الإعلانات  التى تطنطن كعادتها ويردد أطفالنا أغانيها ،بما فيها بعض الكلمات التى تعد خارجة عن الآداب المألوفة ،وتقع الأسرة فريسة عبارات يرددها الصغار بل  والكبار أيضا ،وحينما تبرق عيون الإمهات ، وتخرج كلمة “عيب”من أفواه الآباء ،يرد البعض قائلا :”هذه كلمة ذُكرت فى إعلان  و ليست عيبا لا من قريب ولا من بعيد :”وهكذا نعتاد ماهو خارج نطاق أخلاقنا وقيمنا ومبادئنا ..الخ
أما الطامة الكبرى فهى فى إستخدام بعض الأغنيات الوطنية للترويج لسلعة ما ،مثلما حدث فى أغنية “الوطن الأكبر”التى تحولت الى أغنية دعائية لمنتج ما ،كذلك الحال لما حدث لقصة “قرط زينب “القصه التى كان ينبغى أن تظل رمزا متعففاً بعيداً عن كل هذا التسويق التجارى السئ ،فأمتهنوا الفكره وسطحوها ،وأفرغوها من كل معانيها السامية ،وهاهم يقدمونها  للأجيال الجديدة  التى ستدرك بسهوله ومن خلال ذلك الاعلان  مدى سذاجة “السيده زينب “حينما ضحت من أجل إيمانها القوى بوطنها !!
هكذا يلعب الاعلام ألعابه القذرة لخدمة مصالحه فقط لا غير دون أى إعتبارات أخلاقيه أو إجتماعية أو وطنية ،فمن القائم على الاعلام فى بلادنا ؟ وهل  يدركون كمّ الخسائر المعنوية والأخلاقية والروحية التى نخسرها بشكل يومى نتيجة لترك الحبل على الغابر بهذا الشكل ،إن أصحاب المصالح يلعبون بنا الكرة ، وكما قال جان بودريار أ”صبح كل شئ معرضا لأضواء الإعلام والاتصالات القاسية التى لاترحم”! ، وهو ما يتطلب وعىا شعبىا بكل ما يدور فى الاعلام بصفة عامة والاعلان بصفه خاصه ،وأن يتحول المشاهد نفسه إلى حَكم يرفض ماهو مرفوض أخلاقيا لديه ،ولا يسمح بتجاوزات ،وهذا لن يتأتى الا بتشكيل مجلس أو جمعية حماية المشاهد على نفس شاكلة جمعية حماية المستهلك ،وهو ما لن أكف عن الدعوة اليه ،بالاضافه الى التوعيه العامه للكبار والصغار بكيفية محاربة المنتج الاعلامى السئ ورفضه ،وعدم السماح له بالعبور الى منازلنا والنفاذ إلى عقول أبنائنا ليتلاعب بها كيفما شاء .عن طريق غلق الجهاز او القناه التى تذيع المحتوى اللاهادف ،وهو ما يتطلب توعيه حقيقة للطلاب بالمدارس والجامعات ،وحتى لربات البيوت .
ولا أنسى التأكيد على مقولة “مالك بن نبى “ودعوته الى غرس الروح بالقيم الروحية النبيلة .فالحقيقة أننا لم نعد بحاجه الى قوانين ،ولكننا بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان كما كان يذكر دائما شيخ التربويين العرب حامد عمار ، نحن بحاجه الى جعل المحتوى الانسانى للكتب السماوية يتعمق بداخل الفرد  فيتحول لى طاقة فاعلة بالمجتمع .بحاجة إلى إحياء القيم الإنسانية فى المجتمع ،فبدونها تتحول ارض الوطن إلى غابه ،والقيم والمبادئ والوطنية إلى سذاجة ! ولقد اعجبنى كثيرا أهتمام “مالك بن نبى”بالوظيفة الإجتماعية للدين :فقد قال “من المهم أن نرد إلى العقائد الدينية فاعليتها وقوتها الإيجابية وتأثيرها الإجتماعى “،وأعتقد أن هذا ما ينبغى أن نقوم به فى مدارسنا من خلال تفعيل القيم الإنسانية التى بالديانات السماوية .
***********************
*باحثة -كلية الدراسات العليا للتربية 
جامعة القاهرة          

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...