الرئيسية / أخبار ثقافيه / نور الدين توتو*يكتب :العقل.. وتجديد الخطاب الديني

نور الدين توتو*يكتب :العقل.. وتجديد الخطاب الديني

 

الناس يتناضلون بالعقل، والعقل الراجح هو ميزان العدل، وهو وسيلة لتحقيق السعادة فى الدنيا والآخرة ، ورد فى القرآن الكريم الكثير من الآيات التى تدور حول مفهوم العقل، قال تعالى” وليتذكر أولى الألباب”. وقوله تعالى ” لعلهم يعقلون” وقوله تعالى ” لعلهم يتفكرون” وقوله تعالى ” ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر” ولقد ظهر شرف العلم قبل العقل، والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسه، والعلم يجري منه مجرى الثمرة من الشجرة، والنور من الشمس، والرؤية من العين، فكيف لا يُشرف وهو وسيلة للسعادة فى الدنيا والآخرة.

عن أنس رضى الله عنه قال: “أثني قوم على رجل عند النبى (ص) حتى بالغوا، فقال (ص) :” كيف عقل الرجل؟ فقالوا : نخبرك عن اجتهاده فى العباده وأصناف الخير، وتسألنا عن عقله؟ فقال (ص): إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدًا فى الدرجات الزلفى من ربهم على قدر عقولهم” وقال (ص): ” إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم، ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله، فعند ذلك تم إيمانه، وأطاع ربه وعصى عدوه إبليس”.

ولما رجع رسول الله (ص) من غزوة أحد  سمع الناس يقولون : فلان أشجع من فلان، وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا، فقال رسول الله (ص) : ” أما هذا فلا علم لكم به، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ فقال(ص):” إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل، وكانت نصرتهم و نهيتهم على قدر عقولهم، فأُصيب منهم ما أُصيب على منازل شتى، فإذا كان يوم القيامة اقتسموا المنازل  على قدر نياتهم وقدر عقلهم”.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله(ص): ” لكل شىء آله وعدة، وإن آلة المؤمن العقل، ولكل شىء مطية ومطية المرء العقل، ولكل شىء دعامة، ودعامة الدين العقل، ولكل تاجر بضاعة، وبضاعة المجتهدين العقل، ولكل أهل بيت قوم داعٍ، وداعي العباد العقل، ولكل خرابٍ عمارة وعمارة الآخرة العقل، ولكل امرىء عقب وينسب إليه ويذكر به، وعقب الصدقين الذى ينسبون إليه، ويذكرون به العقل ” ولما كان العلم ثمرة للعقل، فإن العبء الذى يقع على دور العلم والتعليم يجب أن يوجه بالدرجة الأولى إلى بناء العقل، فلو تحقق هذا الهدف، لاستطاع الفرد والأسرة والمجتمع أن يواجهوا المشكلات ويضعوا لها الحلول الناجحة بهذا العقل الراجح دون انتظار أو تأخير.

العفو من شيم الكرام، والناس يتفاوتون فى العقل، والتسامح بينهم مطلوب حتى تستقيم الحياة فى المجتمع، والتفاوت فى العقول أمر مشاهد وواقع؛ فمن الناس من يتنبه من نفسه ويفهم، ومنهم من لا يفهم إلا بتنبيه وتعليم، ومن لا ينفعه التعليم أيضا ولا التنبيه، ومثل ذلك انقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيونا، وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج إلى القنوات، وإلى مالا ينفع فيه الحفر وهو اليابس، وذلك لاختلاف جواهر الأرض فى صفاتها، فكذلك اختلاف النفوس فى غريزة العقل.. ويدل على تفاوت العقل من النقل، ما روى أن عبد الله  بن سلام رى الله عنه سأل الرسول (ص) فى حديث طويل جاء فيه آخره وصف العرش وأن الملائكة قالت: ” يا ربنا هل خلقت شيئا أعظم من العرش؟ قال نعم: العقل، قالوا وما بلغ من قدره؟ قال هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم علم بعدد الرمل؟ قالوا : لا قال الله عز وجل فإنى خلقت العقل أصنافنا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطى حبة، ومنهم أُعطى وسقًا، ومنهم من أعطى من ذلك”.

وطالما أن الإنسان قد اجتهد وبذل أقصى مالديه من طاقة فى عمله، طالبًا للعلم، أو موظفًا، أو تاجرًا أو صانعًا أو زارعًا أو حرفيا.. الخ ، طالما اجتهد وحقق مراد الله من خلافته فى الأرض، فلا عليه بعد ذلك، شريطة أن يتجنب ما يغضب الله.

إن العاقل هو المتقى وإن كان فى الدنيا فقيرا.. فهو لا يبالغ ولا يتطلع أكثر مما رزقه الله من مقومات العقل والتفكير.. ومن تكلف  فوق طاقته فقد قصم ظهره بيده. روى سعيد بن المسيب أن عمرو أبىّ بن كعب وأبا هريرة رضى الله عنهم دخلوا على رسول الله(ص) فقالوا: يا رسول الله من أعلم الناس؟ فقال(ص): ” العاقل” قالوا: فمن أعبد الناس؟ قال: العاقل. قالوا: فمن أقل الناس قال:” العاقل”. قالوا: أليس العاقل من تحث مروءته؟ وظهر فصاحته، وجادت كفه وعظمت منزلته؟ فقال(ص) :” إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين إن العاقل هو المتقى وإن كان فى الدنيا خسيسا ذليلا”.

فمهلا أيها الرجال يامن تطمحون إلى تجديد الخطاب الديني حكموا عقولكم، فالعقل وبالعقل تستقيم الحياة  والدين والمجتمع بل والأسرة والأفكار، وبالعقل نبذ العنف والتطرف والغلو.

اعقلوا وتعقلوا يرحمكم الله !!

***********************

دكتوراه فلسفة التربية- جامعة طنطا- مصر

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...