الرئيسية / مقالات / إميل أمين * يكتب: عن إشكالية الهوية فى الذات العربية

إميل أمين * يكتب: عن إشكالية الهوية فى الذات العربية

بعيدا عن عالم السياسة هذه المرة لاسيما وان الاجواء العالمية عطفا على احوال اقليم الشرق الاوسط والخليج العربي تعيش حالة من الاضطراب غير المسبوق ، نحاول تلمس الاشكاليات الحقيقية التي اصابت المجتمعات العربية ، وانعكست بشكل او باخر على احوال السياسة ومصائر واقدار السياسيين ، وربما يكون البحث في الجذور عن الاصل والهوية هو المدخل الذي يقودنا الى فهم ابعاد الحاضر ويلقي بضوء شديد الاهمية على المستقبل. عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء بالمغرب صدر حديثا هذا الكتاب للعالم والأنثرويولوجي المغربي الشهير “عبد الله حمودي”، الأستاذ في جامعة برنستون الأمريكية، الذي عمل مديرا لمعهد الدراسات الإقليمية في الجامعة نفسها، وصاحب المؤلفات المعروفة مثل الشيخ والمريد. يضم هذا الكتاب أربع دراسات مستقلة من حيث مواضيعها لكنها تصب في اتجاه واحد إلا وهو المساهمة في وضع الأسس لبناء معرفة مستقلة تخص المجتمع المغربي خاصة والمجتمعات المغاربية والمشرقية بصفة عامة. منهج المؤلف في هذا العمل، ينبني أولا وقبل كل شئ علي الشك الإيجابي الذي يمكن من نقد المسلمات، ثم معاودة النظرة المستدامة في الوقائع وكيفية ربطها مما يساعد علي تفادي السقوط في الحلقات التأويلية المفرغة. جوهر الكتاب كما يتبدي للباحث المحقق والمدق، يتصل بما يراه البعض حالة التقابل التى لا فرار منها بين الحداثة والهوية وكأنهما ضدان لا يلتقيان عند نفر يريدون الإبداع، لكن في تطاول، ويتساءل صاحب هذا العمل…. هل من بديل عن هذا المآل التصادمي؟ يبدأ البديل في تقديره من الشعور بأننا مقحمين منذ زمن بعيد في منظومة هي من صنع القوي العظمي، وهي منظومة أطلق عليها اسم الحداثة، وعلي ترتيب الأشياء حسب مساطرها اسم “التحديث” أو الإصلاح بالتحديث… ما هو المعني والمبني لهذا المصطلح الأخير والمثير؟ يري الدكتور “عبد الله حمودي” أن الإصلاح بالتحديث سواء تحت ضغط القوي الخارجية المتغلبة، أو في ظل الاكتساح الاستعماري، قوبلا بالمقاومة وبمحاولات التكيف، في برامج من صنع حكام ونخب المنطقة، كل هذا ودائما باسم الحفاظ علي الدين، والتراث، وما سمي بعد ذلك بـ الهوية”. لكن ماذا عن حال المجتمعات المغاربية اليوم وبعد عقود من عهود الاستقلال؟ يؤكد المؤلف أننا نجد أنفسنا نعيش بين مخلفات تلك الحداثة وتطوراتها في صورة العولمة. وأن نحن احتفظنا بهذا الشعور فإنه لا يسعنا إلا أن نحاول البناء وإعادة البناء علي أساس تعامل محدد مع مستجدات هذا الواقع. من هذا المنطلق يتعين بحسب الكاتب الابتعاد عن كل تصور للحداثة يختزلها في بضعة مفاهيم معروفة، كأن يأتي بعضهم بشئ يسميه حداثة ليقابله بتصور مجرد للإسلام. هذا منهج معروف بمحدودية مردوده، لأن الأسئلة تتضمن الأجوبة، فيكون الدوران في الحلقات المفرغة….. لماذا؟ لانه بقدر ما تكون الخلاصات دائما متضمنة في الأسئلة والافتراضات بقدر ما تخضع الحلول للهوي والحس الوجداني العقائدي. وكل من أتانا “بروح الحداثة” أو “روح الإسلام” أو طروح الحضارة”، وما إلي ذلك، فإنه في الحقيقة يتقلب بين تعريفات فقيرة المحتوي. والنتيجة أنه يخلص عادة إلي برامج بعيدة عن الواقع واستقصاء معضلاته كأن يخلص مثلا إلي حداثه إسلامية مكتملة وكونية، تبطل المحاولات الإنسانية الأخري، وتنصهر فيها كل الإبداعات الكونية… هل يجوز مثل هذا التصور أو التطور؟. الشاهد أنه طبعا يجوز من منطلق حرية الناس في معتقداتهم الدينية، وما يتصورونه علي هذا الأساس. لكنه لا يقبل كمنهج فلسفي أو بحث معرفي. وكثيرا ما يتصرف المؤلف وكأن المؤمنين بعقائد وديانات أخري لا يترجون إلا الدخول في تلك الكونية التى هي من صنع تصورهم، أو أنهم سوف يرغمون بقوة الغلبة علي الانخراط فيها. هل للحداثة منظور فكري ما عند صاحب هذا العمل؟ أنه يراها بوصفها واقع تاريخي، يظهر أن عوامل شتى ساهمت في تشكيل ذلك الواقع المعقد، ليستقر تلاقي مفعولها عن تركيبة اجتماعية وسياسية معروفة، في زمان ومكان محددين، أتفق جل المؤرخين علي أن ذلك المكان هو أوربا الغربية، وحدد أغلبيتهم ذلك الزمان ما بين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي، وقد اصطلح عليه بـ “عصر النهضة”. غير أن هناك عوامل أربعة تفاعلت سوية وأفرزت هذه الحداثة يمكن تخليصها في التالي: أولا: تراكم مادي بفعل ازدهار التجارة والصناعات وتطويرها وتقدم المدن علي حساب الاقتصاد الزراعي الموروث. ثانيا: إصلاح ديني تمثل في الثورة البروتستانتية ضد الكنيسة الكاثوليكية، وصاحب ذلك كله الصراع علي النفوذ الديني والاخلاقي بين المذهبين، والصراع علي النفوذ السياسي بين مؤسسة الكنيسة والنظام الملكي. ثالثا: البحث في الوسائل العلمية لتنمية التقنيات والموارد من جهة ومن جهة أخري في الأسس الفلسفية للمعرفة، ثم أسس القوانين التى من شأنها أن تعين علي تدبير الخلافات. رابعا: ظهور الحركات الفكرية والفلسفية المواكبة لتلك التقلبات وكان من نتائجها التركيز علي ثورات العقل لا في ميدان العلوم الطبيعية فحسب، بل كذلك التنظير للدولة والقوانين. هل الحداثة إذن بناء تاريخي، حصل تدريجيا، وتبلور في مظاهر شتى حاول المفكرون والمؤرخون مسحها بعد التحول التاريخي نفسه، بحيث نتفادي تصورها في شكل برنامج مثالي وضع أولا ثم قام الناس بتطبيقه في مكان وزمان معنيين؟ المؤكد أن هذه نظرة مغلوطة لاسيما وأن الحركات التاريخية التى أسفرت عن هذا المولود تأثرت بفعل التكتلات البشرية، والأنظمة السياسية، ومشاريع العلماء والمفكرين ورجال الدين، وكبناء إجمالي فإنها لم تخضع لبرنامج مسبق أو لعقل مدبر… أنها حركة واقعية تراكمت فيها التجارب وتماسكت في رحمها نسبيا عدة جدليات. يطلق المؤلف علامة استفهام مثيرة للجدل بين سطور كتابه…. هل من الممكن طرح حداثة غربية مقابل تراث إسلامي؟ الجواب هو أن التراث نفسه تغير بفعل إقحامنا في الحداثة، بحيث أن المحافظ، والمجدد في التراث، كما الحداثي المردد لشعار القطعية المجردة لا يخرجون عن النطاق المفروض علي الجميع. والنقطة الأخري والأساس هي أنه لا سبيل لتبني طريق للحداثة يحاكي طريق أوربا، لأن كل ما بين أيدينا اليوم بجانب التراث المعاش يتلخص في تصورات للماضي وتاريخ دفاعي من جهة، وتصورات للحداثة الأوربية من جهة ثانية، ولهذين العاملين تأثير قوي علي الواقع الحاضر والمستقبل… ما هي الحصيلة الواقعية في المجتمع المعرفي المغربي خاصة والعربي عامة؟ إثر القطعية التى أتي بها الاستعمار، حاول الناس جاهدين إبداع طرق في المعرفة، وأنماط في الحياة، فالعلماء والأدباء وأهل الفنون عندما يبدعون يوميا في مجالاتهم، وبتلك العطاءات يوسعون علي الدوام نظرتنا إلي الماضي والحاضر المعاشين، والمستقبل المنشود، ويحاولون تنمية مواردنا وتحسين وضعنا المادي والمعنوي، وكذلك رجال السياسة المهووسون بهموم شعوبهم، فإنهم يحاولون تنمية مواردنا وتحسين وضعنا المادي والمعنوي. أنهم يحاولون اصطحاب ذلك المجهود المجتمعي وتدبر الخلافات بتخيل الممكن، كل هذه الأطياف تنشط اليوم فرديا وجماعيا وترسم مساحات متجددة للحرية والحق في الحرية الفردية وتوسيعها، في إطار التواصل والاحترام،، وفي اتجاه مجتمع يتسع للجميع. هذه الإبداعات تشمل حركية تراكم في طريق بناء حداثة كواقع جديد عندنا، لكن بلا ضمانات مسبقة للنجاح ما عدا الحرية في التفكير والإبداع، وكذلك توفير الفرص لتداول ما يحصل بفعل هذا الجهد في المجال العمومي والعلني، وفي جو خال من الضغط والإكراه والنفاق الديني واليأس المجتمعي. كيف يصبح التجديد الحقيقي غير المنحول ممكن عربيا؟ عند البروفيسور “حمودي” أنه يتحقق في جو من النقاش الهادف بعيدا عن الالتفافات والمؤامرات كما التوافقات المفتعلة، وبعيدا عن ممارسات الاستبداد، وبعيدا عن محاولات استمالة الشعب باسم الدفاع عن الدين ومقاومة الغرب”. وإذا وعينا وتيرة الإبداع الساري اليوم في مجتمعاتنا فإننا نجد فيه ما يشكك في الأصوات الصاخبة التى ترتفع باسم التجديد في الدين، والتجديد في السياسة باسم الدين. ولا أدل علي ذلك من التمعن في بعض التجديدات التى أتي بها هذا التيار. منها “أسلمة الدولة” و “أسلمة الحداثة”، ولا معني دقيق لهذه الفكرة إلا محاولة الاستيلاء علي آلة الإكراه والتسيير الحديثة، لبسط قناعات معظمها لا تبني علي تصور جدي لماضي أو حاضر المسلمين، وقد بينت التجربة المصرية (تجربة سنه من حكم الأخوان المسلمين)، مآل تلك النظريات. ما هي خلاصة هذا العمل الفكري الرصين الذي يقع في نحو خمسة فصول كبيرة وفي أكثر من مائتي وخمسين صفحة؟ خلاصة القول عند عبد الله حمودي” المتشبث بهويته العروبية والمساند لحقوق الهوية الامازيغية، علي حد تعبيره، أنه ليس هناك تراث قائم منعزل عن تاويله، ولهذا فلا مناص من التأويل والتمحيص قصد التجديد انطلاقا من تلك العملية. هذه العملية بدورها تستدعي آليات متعددة كثيرا ما تغيب عن فقهاء التجديد المحدثين، وأصحاب دعاية التجديد والاجتهاد باسم الأصل الإسلامي. لا يود المؤلف تهميش ذلك الأصل، بل العكس هو الصحيح لأن في تهميشه عواقب وخيمة نظرا إلي دوره الحيوي في حياتنا، وعليه في المقابل لا يري طريق آخر لاستيعابه إلا بإعادة النظر فيه بآليات العقل والنقاش، ولا سبيل لإعادة البناء وتحقيق التوازن في ميزان القوي مع المجتمعات الغربية الحديثة وغيرها، في ظل العولمة، إلا بالإبداع في خضم الواقع الراهن المعيشي، بدلا من تصورات مجردة وقوانين تاريخية عامة. هذا بالطبع لا ينفي عمليات التجريد قصد التحليل، ولا ينفي الاستفادة من التجارب الماضية، وما تكرر من نتائج مرتبطة بعوامل محددة، ومجربة، لكن يبقي أن الافعال دائما تبحث عن تحسين الوضع القائم، وتترقب ما هو أت، وهنا بالذات تكمن مساحة الإبداع والثقة في النفس والعقل. وفي كل الأحوال فإن المؤلف يلفت إلي أن المجتمعات العربية تستلهم أنماطا من الحياة والنظام من واقعها ومصيرها المشترك، ولكن ذلك الوعي لا يعني أن يضرب بخصوصيات الكيانات عرض الحائط، ولا بالهويات المكونة للمجموعة العربية، بل يعني التضامن القوي والدؤوب مع مشاغل ونضال كل شعب في تلك المجموعة، وعي لا يقبل الانمحاء، أو تلك الريادة المزعومة التى يتبناها البعض من عالم المشرق العربي عن شعور أو لا شعور.
******************
*كاتب مصرى

شاهد أيضاً

نصر الدين شنوف*يكتب: العقل العربي بين فتوحات العولمة ورهان الهوية

العقل العربي بين فتوحات العولمة ورهان الهوية: خطاب الأزمة أم أزمة خطاب.   1/ ظاهرة ...