الرئيسية / د.خديجة زتيلى / د. خديجة زتيلـي* تكتب:إدغار موران وتعليم فنّ الحياة في الزمن الراهن

د. خديجة زتيلـي* تكتب:إدغار موران وتعليم فنّ الحياة في الزمن الراهن

 

 مقدّمة

يَستند هذا المقال بشكل أساسي على قراءة كتاب تعليم الحياة: بيان لتغيير التربيّة للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران المولود في عام 1921. ويطرح موران من خلاله جملة المشاكل العميقة التي تعصف بالمجتمعات الغربيّة المعاصرة، وبالمجتمع الفرنسي على وجه الدقّة، وحسب الكاتب فإنّه لا يتأتّى إيجاد حلول ناجعة وأصيلة لمختلف تلك الأزمات إلاّ بإعادة النظر بشكل جدّي في مناهج التعليم، والعمل الحثيث على إصلاح النظام التربوي والاهتمام بفحوى برامجه للتمكين من بناء الإنسان السويّ وصناعة المواطن الصالح الفعّال والمتسامح مع غيره. فالتربيّة تنتظرها رهانات كبيرة لمواجهة المستقبل وتحدياّت الألفيّة الثالثة، ولعلّ الشرط الإنساني، فيها، هو من الضرورة بمكان للمصير الأرضي المشترك. فقد حان الوقت، حسب موران، لِتَبيّن النقائص والثغرات الموجودة في أساليب التعليم الحاليّة لمواجهة المشاكل الحيويّة ولفهم إنساني لها يكون أكثر رحابة وعُمقا، لذلك يدعو إلى تجاوز مفهوم التفسير إلى الفهم، بل يؤكّد في سياق كتابه الموسوم بــ تعليم الحياة على ضرورة تركيز الوظيفة التعليميّة على مسألة الفهم لأنّها، وفق تقديره، غائبة بالفعل في المدارس، فمن شأن الفهم أن يُعِين على تقبّل الآخر والابتعاد عن الأحكام الجاهزة التعسفيّة، كما أنّ الفهم يُحِيل في الوقت نفسه إلى التسامح والإيمان بقضيّة الاختلاف المشروعة بين البشر، ويعزّز من ” أخلاقيات الفهم” عند الشباب بشكل عام، وعند تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات بشكل خاص.

images (2)

فلا شكّ أن فرنسا في الزمن الراهن تُعاني من مشكلات سياسيّة واجتماعيّة لا حصر لها، ولكي تَرْأَب ذلك الصدع العميق الذي تعاني منه والناتج بالدرجة الأولى عن شعور الاغتراب الذي ينتاب ساكنتها الآتية من أصول جغرافية وعرقية ولغوية واثنية مختلفة، عليها أن تركّز على إصلاح التعليم وتغيير برامجه والعمل بضمير مُتيقظ على تكريس هويّة فرنسيّة لا تطمس الخصوصيّات ولا تَتَوجّس خِيفة من المواطن الفرنسيّ من غير الأصول الفرنسيّة، بل عليها أن تُنهي علاقتها بتلك الأطروحات العنصريّة التي ظلتْ متجذّرة في الفكر الفرنسي وكانت لها اليد الطولى في السُخط الكبير للناس جراء ذلك. فالتربيّة، كما يراها موران، لا تهدف إلى تبليغ المعارف فحسب، بل إلى بناء معرفة قادرة على فهم مشاكل المجتمع والمساعدة على التواصل بين المعارف لاستيعاب الحياة وإيجاد رابط إنساني متين لكل هذا الزخم. وتحقيقاً لهذه الغاية الساميّة على التربيّة أن تنتبه إلى العناصر الأساسيّة الغائبة في برامج التعليم وأن تعمل على إحيائها وتفعيلها وتكريسها عن طريق المعلّمين والأساتذة الذين بإمكانهم أن يحملوا على عاتقهم وِزر هذه المهمّة العسيرة والحضاريّة. فإذا أرادت فرنسا أن تتجاوز مشكلاتها الحاليّة عليها أن تُصلح التعليم وتنتبه إلى مادة التاريخ بشكل خاصّ وتضع في الحسبان مختلف العناصر، من غير الفرنسيين، الذين ساهموا في بناء فرنسا وأصبحوا مع مرور الوقت جزءاً من هذا التاريخ الذي لا يُراد له أن يظهر إلى السطح أو إلى العيان. وفي نهاية المطاف فإنّ المنظومة التربويّة وحدها الكفيلة بهذه المراجعات واستكشاف الخلل الموجود في المجتمع، فإصلاح التعليم هو إصلاح العقول وإعادة التفكير في المشاكل التربويّة، وهذه هي الرهانات الحقيقيّة التي تُواجه فرنسا اليوم أملاً في إصلاحٍ سياسي واجتماعي شامل وفي بناء إنسان متفهم متسامح ومتصالح مع ذاته ومع غيره في زمن العولمة.

 

cfccf 18696_909240349119053_3959052835469439736_n

 

 

صدر كتاب تعليم الحياة: بيان لتغيير التربيّة Enseigner à vivre: Manifeste pour

changer l’éducation لإدغار موران Edgar Morin  في سبتمبر 2014، وقد نهض بالترجمة العربيّة للكتاب الباحث التونسي الطاهر بن يحي، وصدرت الطبعة الأولى منه عن منشورات ضفاف بلبنان في شهر ماي 2016، أي منذ شهرين تقريباً، يقع الكتاب في 168 صفحة ويتكون من 6 فصول/ أقسام مع توطئة وخاتمة استنتاجيّة.

يَسْتعرض موران أوجاع الحاضر والمشاكل الاجتماعيّة التي لا تُخطئها العين، فلا شكّ أن الأزمات الأخلاقيّة الناتجة عن استغلال سيئ للطبيعة ومواردها وسعي الانسان المعاصر إلى البحث المستميت عن مكاسب ماديّة، وكذا التفاوت في العيش الكريم بين الناس زاد من حدّة التوتر الذي يشهده عالمنا المعاصر، وارتفعت جراءه أصوات كثيرة تنادي بالبحث عن سبل جديدة لعيش مطمئن ولمستقبل يحمل شروطاً إنسانية تحدّ من غلواء ”الأزمة” المعاصرة التي تثير في الآونة الحالية جدلاً كبيراً متواصلاً. ويعترف موران في توطئته للكتاب قائلاً: «إنّ هذا الكتاب إنّما هو امتداد لثالوث ليس مخصّصاً لإصلاح نظامنا التربوي وإنّما يرمي إلى تجاوزه. وهذا اللفظ لا يعني أنّ ما يجب تجاوزه يجب الاحتفاظ به فحسب، بل يعني كذلك أنّ ما يجب الاحتفاظ به يجب إعطاؤه نفساً جديداً» (1). ولا ينصاع هذا النص إلى الضوابط القديمة في التربيّة بل يفكرّ بشكل جدّي فيما نعلمّه من خلال التأكيد على أهميّة التغيير والإصلاح والتجديد في السبل والطرائق التي ينحوها التعليم، وإنّه فضلاً عن ذلك «يتوسّع في كلّ ما يعنيه تعليم فنّ الحياة في زماننا الراهن» (2). يجيء هذا الكتاب في سياق سلسلة من الكتب تحمل عنوان ((من أجل تغيير التربيّة)) التي تصدر ضمن سلسلة ((مجال الممكن))  ((Domaine du possible)) وهو الأول من نوعه في هذه السلسلة، التي تُعيد النظر والتفكير في المشاكل المتعلّقة بالنظام التربوي.

يحمل القسم الأول من الكتاب عنوان: ((أن نعيش!))، ويَسْتدعي موران بهذا الصدد كتاب إميل لــروسو الذي اعتنى في محتواه بمفهوم التربيّة، وذلك بُغية استعراض مفهوم العبارة ((ماذا يعني أن نعيش؟)) فيعطيها موران بُعداً معاصراً أكثر إنسانيّةً وعالميّة، معزّزا قوله بأنّ كيفيّة أن نعيش يتعلّمها الفرد من الأسرة ومن الوالدين ثم من المدرسة وأيضاً من المطالعة ومن قراءة الكتب، كما وأنّ الفرد في الوقت نفسه يجب أن يعيش بوصفهِ مواطناً ينتسب إلى أمّة ما و«في إطار انتمائها الإنساني» (3). ويعترف موران في هذا السياق بأزمته الأخلاقيّة والفكريّة المبكّرة التي لاحقته في حياته منذ أيام مراهقته الأولى بحثاً عن الحقيقة والخطأ، ويلخّصها في التساؤل التالي «هل يجب إصلاح المجتمع أم تغييره تغييراً جذريّا؟» (4)، ولن يُعزي موران الأخطاء الواردة إلى الجهل والتعصّب وحسب، بل إنّ مردها إلى الفكر التجزيئي المنحاز الذي لا يتوانى في الاختيار بين هذا الموضوع أو ذاك بشكل تعسفي، أو يقوم باختزال موضوع ما أو تفكيكه بشكل خاطئ لا يرقى إلى الحقيقة، علماً بأن الحقيقة الإنسانيّة معقّد ولا تتجلى بتلك الأساليب الفكريّة الخاطئة. فالاعتقاد الجازم في الرأي والمواقف السريعة المتهوّرة من شأنها أن تجلب الشقاء والمآسي لأصحابها وللمجتمع فهكذا يعلمنا التاريخ. وجراء ذلك استخلص موران ضرورة القيام بإجراء أوليّ يعتبره جوهريّا، وهو «أن نُعلّمّ معرفة المعرفة التي هي دائماً ترجمة وإعادة بناء» (5)، وتتلخّص في تعليم ما يُسميه موران ”الفكر المركّب/ الفكر المعقّد”. ولذلك «أن نعيش هو مغامرة تتضمّن في حدّ ذاتها شكوكاً تتجدّد دوماً، ومن المحتمل أن تُرافقها أزمات أو كوارث شخصيّة أو جماعيّة. وأن نعيش يعني أن نواجه الشكّ دون انقطاع بما في ذلك الشكّ في اليقين الوحيد المتمثّل في موتنا لكنّنا لا نعرف على وجه الدقّة تَوْقِيته» (6)، ولكن ((ماذا يعني أن نحسن العيش)) بمنظور موران؟

لقد هيمنت أساليب الحضارة الماديّة الحديثة على حياة الناس وطغى هاجس الربح عليها، وتعرّضت إنسانية الإنسان إلى أزمات أخلاقيّة وتحوّل الأفراد بفعل العولمة إلى أرقام وأشياء وحسب، ما طرح بإلحاح شديد «مفاهيم العيش الكريم و”آداب الحياة” و ”فن الحياة”. وهذه المهمّة أصبحت تَزداد ضرورة في كلّ مرّة، بسبب تدهور نوعيّة الحياة» (7). ويبحث موران عن عزائه في «أن يتناول التعليم في حضارتنا فنّ العيش» (8) من أجل تحصيل عيش كريم، فأن ((نعرف كيف نعيش)) هو فلسفة الفلسفة، ولكن موران، وهو ابن الحضارة الغربيّة، يتساءل «أين نعثر على الحكمة في نطاق حضارتنا حضارة الشطط»؟ (9) تلك التي تفتقر إلى الحكمة، واللاهثة وراء السيطرة والفردانيّة في مفهومها السلبي، لذلك وجب تقويض الحكمة المجنونة بفنّ الحياة من أجل استعادة التوازن المفقود، والإيمان بأنّ الحياة هي مغامرة إنسانية. فعلى الفلسفة أن تستعيد دورها الحقيقي في تعليمنا فنّ الحياة، بل لا بدّ لها أن تعود سقراطيه وأفلاطونيّة وأرسطية، وأن لا تحتفي بالفكرة المطلقة لأنّه لا مجال لليقين فيها، بل أن تولي أهميّة إلى الشكّ الذي يضع الإنسان موضع المساءلة والتفكير على الدوام. إنّ التربية من أجل العيش تمكّننا من ((أن نعيش أحراراً))، وتعلّمنا الاستقلاليّة وحرية التفكير والانتباه إلى مخاطر الوهم والخطأ وغياب الفهم المتبادل، وهذا يعني «أنّ التربيّة على الاستقلاليّة تندرج تمام الإندراج في التربيّة من أجل العيش» (10). ولكن موران ينتهي في القسم الأوّل من الكتاب مؤكّداً أنّ المدرسة في الوقت الحالي لا تحمل مقوّمات المدرسة الحقيقيّة لأنّها تفتقر إلى الأساليب الصحيحة التي تُمَكِّن من مواجهة الذات والناس والحياة والمشاكل والشكوك، كما أنّها لا تعلّم فنّ العيش فهي «لا توفّر الانشغال والسؤال والتفكير في جودة الحياة أو فنّ الحياة. إنّ المدرسة لا تعلّم كيف نعيش إلاّ بطريقة ناقصة جدّاً، وهي في ذلك مخلّة بكلّ ما يجب أن يكون مهمّتها الأساسيّة» (11).

أما القسم الثاني من الكتاب فجاء تحت عنوان: ((أزمة متعدّدة الأبعاد))، ويستعرض موران في هذا القسم أوجه متعدّدة لأزمة التعليم في الوقت الحاضر، كطغيان العلوم المعاصرة وأثر وسائط التواصل الجديدة الالكترونية على حياة الشباب، إضافة إلى الصراع الموجود بين الكهول والمراهقين أو بين المعلمين والتلاميذ وطغيان ظاهرة عدم التسامح في المجتمع وغيرها من الظواهر الشاذّة التي أفرزتها الحياة الماديّة المعاصرة وأخلاقيّات العولمة، ما يعني معرفة السياقات الاجتماعيّة والتاريخيّة التي يُقرأ النصّ ”الموراني” ضمنها ومن خلالها. ويستعيد الكاتب في هذا القسم الحديث عن ”أزمة التربيّة” التي لا يمكن عزلها عن ”أزمة الحضارة” ويُحيل موران القارئ إلى ظواهر سلبيّة انتشرتْ في الحياة المعاصرة وساهمتْ بشكل كبيرٍ في بروز أزمة التربيّة، ويشير إلى ظاهرة تَقهقر التضامن التي كانت موجودة ومنتشرة في أماكن العمل وبين الجيران وفي العوائل، وكذلك إلى ضعف الشعور بالانتماء إلى أمّة ما أو الانتماء إلى الإنسانيّة، وتضخّم مسألة الفردانيّة ومركزيّة الأنا في العالم وعدم الترابط بين الأفراد، فقد ساهم كلّ هذا في تفاقم الشعور بالإحباط والقلق من الحاضر والمستقبل. ولعلّ وضع اليد على مواطن الجرح هو من الضرورة بمكان بالنسبة لموران لحلحلة الوضع القائم وإيجاد حلول ناجعة لاستدراك الأخطاء، وربّما للاحتفاء من جديد بالعلاقات الانسانيّة الدافئة. فقد أصبحت ”أزمة التربّية” اليوم تحتاج إلى علاج فعلي وسريع جراء الأخلاق الجديدة التي أفرزتها. ويختم موران القسم الثاني من كتابه قائلاً: «توجد في صلب أزمة التعليم أزمة التربيّة، وفي صلب أزمة التربيّة توجد أوجه ضعفٍ في تعليم الحياة. وأن نعرف كيف نعيش، وهو مشكل كلّ فردٍ ومشكل الجميع، لهو في صلب مشكل التربيّة وأزمتها» (13).

ويُحيل القسم الثالث من كتاب تعليم الحياة إلى مسألة الفهم ودلالاته المختلفة ويحمل عنوان ((أن نفهم!))، وفي تقدير موران يوجد نوعان من الفهم:

1-الفهم الذهني: ويتميّز باختلاف مضامينه بين الناس في حالة محاولة فهم أفكارهم، وقد لا يكون ثمّة اتفاق في استيعاب معنى الكلام بين شخصين، بل قد يحدث سوء فهم بين صاحب الكلام والمتلقّي، ومن الأهميّة بمكان أن يوضع في الحُسبان سياق الكلام، فمثلاً «عبارة ” هلا أقبلتَ يا حبيبي ” التي تقولها عاشقة متيّمة، تحمل معنى مغايراً تماماً لعبارة ” هلا أقبلتَ يا حبيبي ” التي تقولها بغيّ» (13).

2-الفهم الإنساني: وهو وسيلة للتواصل البشري وغايته، كما يؤكّد على ذلك موران، ويحيل الفهم الإنساني إلى لفت الانتباه إلى الفارق الموجود بين ”التفسير” و”الفهم”، فأنتَ في التفسير تتعاطى مع الأفراد بوصفهم موضوعا يحتاج إلى أدوات معرفيّة ومنهجيّة محدّدة من أجل فهم عقلي لهم، ولكن التفسير يظلّ بعيداً في معناه عن الفهم الإنساني لأنّ هذا الأخير يتطلب سُبلا أخرى لتحرّي الحقيقة تكون قائمة على الذاتيّة والانفتاح على الآخر والتعاطف والمشاركة الوجدانيّة من أجل فهم إنساني، « فعندما أرى طفلاً يبكي يمكن أن أفهمه، لا عبر قياس درجة ملوحة عَبراته، بل باستعادة ما عِشتهُ من شجون في طفولتي، وبإحساسي بتطابقه معي أو بتطابقي أنا معه… وسواء تمّ هذا الفهم عن بعد أو كثب، فإنّه يرى في الآخر مثيلاً للذات ومختلفاً عنها في الآن نفسه. فهو مثيل لها بإنسانيته ومختلف عنها بفرادته الشخصيّة و/ أو الثقافيّة» (14). ولذلك يُحيل سوء تقدير الآخر والقصور في الفهم، في كثير من الأحيان، إلى صراعات دمويّة قاتلة ولا يمكن استرجاع الفهم لمكانته الحقيقيّة إلاّ بواسطة التعليم لأنّ «التربيّة على التفهّم، وهي وظيفة تعليميّة أساسيّة، لغائبة في مدارسنا» (15).

ويجد موران، في سياق هذا الطرح، فرصة للامتعاض من الأشخاص الذين يسيئون تقدير الفهم أو يخافون منه والذين قد تضطرّهم عمليّة الفهم إلى تعديل مواقفهم أو تغيير آرائهم أو الاعتذار أو التسامح! فالفهم لا يعني الضعف ولا ينطوي على نقيصة كما قد يذهب إلى ذلك بعض الأشخاص الذين يخشون من الفهم، ويعترف موران، بهذا الصدد، قائلاً: أنّ «هذه الحجّة الظلاميّة هي التي ما تزال سائدة عند نخبتنا رغم مُستواها الراقي» (16). لا شكّ أنّ الفهم يتطلّب التسامح والمشاركة الوجدانيّة ومدّ جسور التواصل الإنساني مع الآخر، ويتطلّب إلى جانب ذلك مراعاة خصوصيّة الناس وفرادة الحضارات واختلاف السياقات الفكريّة والاجتماعيّة والنفسيّة للمجتمعات، ويتطلّب أيضاً الابتعاد قدر الإمكان عن الإقصاء والأحكام الجاهزة المتسرعة والقبليّة. فمن ((وصايا الفهم)) ضرورة «النظر في النصّ والسياق مجتمعين، وفي الكائن ومحيطه، وفي المحلّي والشامل» (17). وضمن هذا النقاش يجب أن تُطرح مسألة أخرى تتعلّق بالفهم، ومفادها أنّ هناك عناصر إنسانيّة تكون عصيّة على الفهم أو تحتاج إلى وقت وليونة لكي تُفهم ويتمّ استيعابها. وعطفاً على ما سبق يُعيد موران تذكير القارئ بضرورة تربيّة الأطفال على الفهم ابتداء من مرحلة المدرسة لكي يُصبحوا متسامحين في المستقبل، كما يأمل أن يتمّ استحداث كرسي في الجامعة لدراسة الفهم الانساني. فتعزيز ((أخلاقيات الفهم)) هو المطلوب من أجل فهم التلميذ في المدرسة وفهم العلاقة بين المعلم والتلميذ وتشخيص سبب العنف والعدوانيّة عند بعض التلاميذ، فـــــ ((الفهم في رحاب المدرسة)) يُعين كثيراً على حلّ الأزمة المتفاقمة راهناً والموجودة بين الكهول التلاميذ ويؤدّي إلى ((التفاهم بين المعلّمين والمتعلّمين))، ولعلّه بهذا الصنيع تتمكّن فرنسا من حلّ بعض أزماتها مع مواطنيها ذوي الأصول الأجنبيّة الذين ينتابهم على الدوام شعور بالاغتراب والغبن الاجتماعي والتمييز العنصري فيسعون إلى البحث عن هويات أخرى قد تقودهم إلى تدمير أنفسهم وإلى التطرّف. ويتساءل موران بشأن هذه المعضلة قائلاً: «كيف السبيل إلى الإفلات من هذه الدائرة الجهنّميّة للإقصاء الذي يدفع بمن أقصيناهُ إلى إقصاء من أقصاه. وذلك ما يزيد من حدّة الإقصاء عند المقصي [بضم الميم] الذي بدوره يزيد من حدّة الإقصاء عند المقصي [بفتح الميم]» (18). إنّ الآمال معلّقة على العمليّة التربويّة وعلى المعلم بشكل أساسي الذي عليه أن يُتقن عمله التربوي ويقوم بالعمليّة البيداغوجية على أكمل وجه وبمحبة كبيرة وتفانٍ صادقٍ.

ويتطرّقُ القسم الرابع والمعنون ((في أن تعرف)) إلى موضوع المعارف، التي يرى فيها موران قصوراً في تأدية وظائفها بسبب آليات التعليم المستخدمة في تحويل جملة المعارف إلى الناشئة، والأمر يتعلّق في هذا السياق بالمعارف الانسانيّة بشكل خاصّ. ويُطلق الكاتب على هذا ((عمى المعرفة: الخطأ والوهم))، مؤكّدا أنّ التربيّة والتعليم عليهما أن يقوما بما هو أعمق من مجرّد توصيل المعارف إلى التلاميذ والطلاب، وأنّه «بات من الضروري أن نُقحم في التعليم دراسة الطابع العقلي والذهني والثقافي الذي تتّسم به المعارف البشريّة ونُطوّرها. ومن الضروري أيضاً أن يشمل التعليم النظر في صيّغ هذه الدراسة وطرائقها وفي الأحوال النفسيّة والثقافيّة التي يمكن أن تجرّها إلى الوهم والخطأ» (19)، وهذا ما يُفضي إلى مصطلح ”معرفة المعرفة” الذي يُعبّر به موران على هذه العمليّة العميقة لفحص المعارف وتحصيلها. فتجاوز الخطأ والوهم إلى ((المعرفة المناسبة)) يكتسي أهميّة بالغة ويتطلّب جهوداً لبناء معرفة قادرة على الإحاطة بالمشاكل في كلّيتها، لأنّ المعرفة المجزأة لا تفي بهذا المطلب ولا تصل إلى الهدف المنشود، وهي «غالباً ما تجعل المرء غير قادرٍ على الانتباه إلى الروابط القائمة بين الأجزاء والكلّيات. ومن الواجب أن يحلّ محلّها نوع من المعرفة القادرة على إدراك الأشياء في سياقاتها وفي ما تنتمي إليه المركّبات والمجموعات» (20)، وأن تكون هذه المعرفة متوسّلة بالمناهج العلميّة التي تيّسر التحصيل العلمي والمعرفي على أكمل وجه، كما تُساعد على فهم عالمنا المعقّد.

فالمعرفة المجزأة تَقود إلى الخطأ وسوء التقدير والنظر إلى المواضيع من زوايا محدّدة وليس من جميع الزوايا، إنّها ((خطأ سوء تقدير الخطأ)) على حدّ تعبير موران في كتابه تعليم الحياة، واتّساقاً مع ما قيل بهذا الشأن ينتقد الكاتب الأشخاص الذين يرون في جزء من الحقيقة كلّ الحقيقة ولا يحسنون تقدير الأشياء، وعلى حدّ قوله «نحن نُسيء تقدير الخطأ حين نتجاهل أنّه يضطلع بدور خطيرٍ وأحياناً قاتل في مشاريعنا وفي حياتنا» (21). إنّه لا يتأتّى ((إصلاح الفكر)) إلاّ بالتفكير في التعليم وإصلاح مناهجه «انطلاقاً من النظر في النتائج المتزايدة الخطورة المنجرّة عن إمعاننا في قسمة المعارف إلى اختصاصات وعجزنا عن الربط بينهما.. ذلك أنّ الإمعان في التخصّص يحول دون رؤية الكلّي.. ورؤية الجوهري.. والحق أنّ المشاكل الجوهريّة ليست أبداً مجزأة» (22). فإعادة النظر في ((ظاهرة تعدد الاختصاصات وإصلاح الفكر)) بات اليوم من أولويات العمليّة التربوية والمؤسّسات التعليميّة. وإنّ إعطاء الأولويّة لما يسميه الكاتب ((الفكر المعقّد/ المركّب)) لهو من الأهميّة بمكان في العمليّة التربوية المبتغاة، ذلك أنّ الفكر المعقّد لا يشير بهذا الصدد إلى الفكر الغامض والمضطرب أو القاصر عن الوصف بل «هو ذاك الذي يريد تجاوز الغموض والاضطراب وصعوبة التفكير معتمداً في ذلك على فكر منظّم قادرٍ على الفصل والربط» (23).

ويحيلُ القسم الخامس إلى العنوان الموسوم ((أن تكون إنساناً!))، فكيف نبني نمطاً تربويّاً، في المنظومة التعليميّة التي يقترحها موران، يُراعي ((المنزلة البشريّة))؟ وكيف بالإمكان استدراك خطر التجزئة الذي تعاني منه العلوم الانسانيّة والذي قاد إلى غياب المنزلة البشريّة فيها؟ يجب أن ندرك أوّلاً أنّ الإنسان مختلف الأبعاد، فهو كائن فيزيائي وبيولوجي ونفساني وثقافي واجتماعي وتاريخي وأنّ «هذه الوحدة المعقّدة للطبيعة البشريّة هي التي تَرِد مفكّكة تماماً في التعليم النظامي. لذلك أصبح من المستحيل أن نتعلّم معنى أن تكون إنساناً. ولذلك أيضاً يجب إعادة بناء هذه الوحدة على نحو يُتيح لكل واحد منّا، حيثما كان، أن يعرف ويعي معاً هويّته الفرديّة الذاتيّة وهويّته المشتركة التي يتقاسمها مع كلّ الكائنات البشريّة الأخرى» (24). وهي مهمّة جوهريّة ونبيلة، في نظر موران، يجب أن تقوم بها المدرسة المعاصرة بشكل عام والمدرسة الفرنسيّة بشكل خاصّ حتى تتجاوز الانحرافات وتقضي على العنف المستشري في المجتمع. فعلى المدرسة أن تنجح في توطين هذا الاهتمام وأن تُوّفق في تعليم ((الهويّة الأرضيّة)).

لقد أصبح العالم قرية صغيرة بفعل التقدّم العلمي والتقني المهول وبفضل وسائط الاتّصال الجديدة التي ربطت كل أجزاء العالم إلى بعضها البعض وجعلتها قرية واحدة، ولعلّ ما يعانيه الإنسان في عصر هذه الإنجازات الضخمة لا يستهان به، فأزمات الكون من شأنها أن لا تستثني أحداً من الناس ولذلك يجب أن تتكاثف الجهود في هذا المضمار من أجل حياة مشتركة تنعم بالسلام والطمأنينة، وهذا ما معناه تعليم الهويّة الأرضية و((المصير المشترك)) للناس على كوكب الأرض، فعلى التربيّة أن لا تغفل عن  التنبيه إلى هذه المسألة البالغة الأهميّة والخطورة في ذات الوقت. كما أنّ تجديد الاهتمام بالتاريخ في معناه الصحيح والإنساني باتَ ضروريّا، في الزمن الراهن، لدرء الكثير من الصراعات والاستقطابات الإيديولوجيّة والعنصريّة التي انتشرت في السنوات الأخيرة كالنار في الهشيم، على التاريخ أن يستعيد مكانته اللائقة والشرعيّة في برامج التربيّة والتعليم على أنّه «قصّة البشريّة المعقّدة الكاملة فحسب» (25). إنّ ((المجتمع البشري)) هو المنشود في نهاية المطاف ويجب أن يؤدّي التعليم دوره المنوط به لتحقيق أهداف المجتمع البشري في هويّة أرضيّة مشتركة، ويجب أن يفضي إلى نوع من ((الأنثروبولوجيا الأخلاقيّة))، التي يتواجد فيها الفرد والمجتمع والنوع في نفس الوقت والسعي إلى تحقيق الديمقراطيّة داخل المجتمعات، وتحقيق ما يسميه موران بـــ ((المواطنة الأرضيّة))  إلى جانب ذلك، تعمل على مراعاة المصير الإنساني المشترك، ولذلك « وجب على كلّ تنمية بشريّة حقيقيّة أن تجمع بين تنمية الاستقلال الذاتي الفردي وتنمية التضامن الاجتماعي وتنمية الوعي بالانتماء إلى النوع البشري» (26).

أما القسم السادس والأخير من الكتاب فينتهي إلى العنوان ((في أن تكون فرنسيّا))، فأن يكون الفرنسي فرنسيّا اليوم، في عزّ الأزمات السياسيّة والاجتماعيّة الكبيرة وأزمة الإدماج التي يشهدها هذا البلد، هو الرهان الكبير للتربيّة وللمؤسّسة التعليميّة بوجه عام، فعلى برامج التعليم أن تُعيد النظر بانتباه كبير إلى مادّة التاريخ ومحتوياتها وأن لا تزوّرها أو تنتقي منها ما يخدم منها أهدافاً سياسيّةً وايديولوجيّة بعينها، ثمّ ترمي ببقيّة التاريخ إلى سلّة النسيان والتهميش والإقصاء، على هذه البرامج أن تضع في الحسبان الفرنسي من أصول مغاربية أو إفريقية أو مرتينيكيّة أو فيتناميّة أو من أصول أخرى، الذي ساهم في بناء اقتصادها وعمرانها ومؤسّساتها وأصبح، بما لا يدع مجالاً للشكّ، جزءاً من نسيجها الاجتماعي والثقافي والحضاري، وحلقة هامّة في التاريخ الفرنسي وخاصّة المعاصر منه. فالثقافة الفرنسيّة اليوم متعدّدة الوجوه ما يدعو إلى ضرورة التعايش بين مختلف الناس، وأن يتكرّس هذا الأمر على أرض الواقع بشكل فعليّ، لا أن يشعر قطاع كبير من الفرنسيين من ذوي الأصول غير الفرنسيّة بالغبن الاجتماعي والعنصرية المستفحلة وبالتفاوت في العيش الكريم الذي بات اليوم حقيقة لا يمكن إخفاءها.

فعلى المؤسّسة التعليميّة أن تقدّم تاريخ فرنسا إلى الجيل الجديد والتلاميذ والطلاب بدون تزوير وبمراعاة الاختلافات الموجودة في المجتمع وبالاعتراف بشرعيّة هذا الاختلاف في ظلّ الوحدة. وقد حان الوقت أن تُقدّم الهويّة الفرنسية في المؤسّسات التعليميّة بمركّبات عرقيّة مختلفة، كما هو واقع الحال، وهذا مدعاة للتنوع والتقدّم الثقافي والحضاري، ويختم موران هذا النقاش قائلاً: «يتطلّب استكشاف المستقبل العودة إلى الجذور، لذلك فنحن مقتنعون بأنّ مواصلة فرنسا المتجذّرة في أكثر من ألف سنة من التاريخ وفرنسا الثورة وفرنسا الجمهورية وفرنسا الكونيّة، هو أيضا مواصلة للفرنسة ومواصلة للطرافة الفرنسيّة في موضوع الإدماج الأوروبي. ولكن مثل هذه المواصلة تقتضي تجدّدا عميقا لا في السياسة والثقافة فقط بل وفي التربيّة أيضاً» (27). هذه هي رهانات الفرنسة الحقيقيّة، كما يأملها موران، التي تعترف بمكوّناتها المختلفة بدون خجل واستخفاف.

وتنطوي الخاتمة المركّزة على ضرورة تجديد المنظومة التربويّة لأنّ كلّ ما لا يتجدّد يموت، والتنويه بأهميّة المعلّم في سياق الحضارة الحديثة لأنّه بمثابة ((رئيس الجوقة)) أو ((الإله إيروس)) (28) Eros، الذي يجب إحلاله في العمليّة التربويّة، فباستطاعة المعلّم أن يقود ((الثورة البيداغوجيّة)) إلى أهدافها النبيلة والانسانيّة والحث على حبّ المعرفة وحسن التواصل بين الجميع في ظلّ الاختلاف، وإنّ كلّ التكنولوجيات الحديثة لا يمكنها أن تستغني عن دور المعلم، مهما حاولت ذلك، سيظل دوره فعّالاً فريداً نبيلا إنسانيّا وحضاريّا. و«إنّ إصلاح المعرفة والتفكير رهنُ إصلاح التربيّة الذي هو بدوره مرتبط بإصلاح المعرفة والتفكير. ونضيف أن تجديد التربيّة مرتبط بتجديد الفهم الذي يعتبر هو الآخر رهن إحياء إيروس وهذا الإحياء، هو الآخر، مقيّد بتجديد العلاقات الإنسانيّة التي تربط، هي أيضا، بإصلاح التربيّة. كلّ الإصلاحات، إذن، مترابطة» (29). ويمكن أن نقول في ختام هذا المقال أنّ كتاب تعليم الحياة لموران يواكب السياقات التاريخيّة والتطورات الاجتماعيّة والعلميّة الحديثة، ويهتجس بدور التربيّة في تجديد الحياة وبعث الإله إيروس من جديد، كما يرسّخ في أذهاننا فكرة أنّه لا سبيل إلى الخلاص والتقدّم والرقيّ الإنساني والحضاري دون الاهتمام بالعمليّة التربويّة التي بإمكانها تغيير وجه العالم وتعليم فنّ الحياة.

***************************************

هوامش المقال

(1) إدغار موران، تعليم الحياة: بيان لتغيير التربيّة، تر: الطاهر بن يحي، (بيروت: منشورات ضفاف، ط1، 2016)، ص 9.

(2) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(3) المرجع نفسه، ص 17.

(4) المرجع نفسه، ص 19.

(5) المرجع نفسه، ص 24.

(6) المرجع نفسه، ص 25.

(7) المرجع نفسه، ص 30.

(8) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(9) المرجع نفسه، ص 33.

(10) المرجع نفسه، ص 49.

(11) المرجع نفسه، ص 51.

(12) المرجع نفسه، ص 64.

(13) المرجع نفسه، ص 68.

(14) المرجع نفسه، ص 69.

(15)  المرجع نفسه، ص 71.

(16) المرجع نفسه، ص 72.

(17) المرجع نفسه، ص 75.

(18) المرجع نفسه، ص 87.

(19) المرجع نفسه، ص 95.

(20) المرجع نفسه، ص 96.

(21) المرجع نفسه، ص 100.

(22) المرجع نفسه، ص 101.

(23) المرجع نفسه، ص 109.

(24) المرجع نفسه، ص 128.

(25) المرجع نفسه، ص 132.

(26) المرجع نفسه، ص 142.

(27) المرجع نفسه، ص 159.

(28) إله الحبّ في الميثولوجيا القديمة.

(29) إدغار موران، تعليم الحياة: بيان لتغيير التربيّة، ص 167.       

*********************************

 

 أكاديميّة وكاتبة من الجزائر*

[email protected]

 

شاهد أيضاً

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟ اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف. في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة ...

تعليق واحد

  1. فاطمة الفلاحي

    دراسة مستفيضة عن ادغار موران الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، صاحب الكتاب الموسوعي «المنهج» الذي كتب عن البيولوجيا والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفيزياء والفلسفة وعلم اللغة والتواصل.
    صاحب نظرية «لا معرفة من دون معرفة للمعرفة»، ونظرية الفكر المركب ، و الذي ما زال يخوض معاركه الفكرية والمعرفية كمثقف أريب وككاتب وفيلسوف له تأثيره على الرأي العام بسبب مواقفه المتأصلة والشاملة والمرتبطة بالمصير الإنساني والثورات .