الرئيسية / د.سامى نصار / د. سامي نصار*يكتب :ثقافة التمييز وانفجار المكبوت

د. سامي نصار*يكتب :ثقافة التمييز وانفجار المكبوت

تجتاح عالمنا العربي الكثير من أعمال العنف، حتى كأنه يبدو- في بعض المناطق-  أن العرب تركوا أعمالهم وتفرغوا لقتل بعضهم بعضا وللكيد لبعضهم البعض، ومن يستعصي على القتل يقصى، ومن يستعصي على الإقصاء يتم تهجيره ودفعه قسرا إلى النزوح من إلى مكان آخر في نفس الدولة، أو اللجوء والهجرة إلى دولة أخرى وما قد يصاحب ذلك من مخاطر الموت غرقا أو نصبا أو كمدا. ومع تعدد وتنوع مظاهر العنف المادي والرمزي، يبقى التمييز بكافة أشكاله وتجلياته هو العامل الأساسي وراء كل أشكال العنف ودرجاته، ويتمزق الوطن بين أولئك الذين يشعرون بالدونية وأولئك الذين يشعرون بالاستعلاء.

والتمييز، في وطننا العربي، ثقافة تستمد جذورها من النعرة القبلية والعشائرية والتعصب الطائفي الطموح إلى تحقيق مكاسب ومصالح اقتصادية وسياسية، وقد ترسخت ثقافة التمييز في العقل العربي عبر قرون من الصراعات السياسية المتمذهبة دينيا، والتي قسمتنا إلى طوائف وشيع مختلفة ومتقاتلة. وتضعف ثقافة التمييز كلما تقوى الدولة المدنية التي ترسخ قيم المواطنة والمساواة، وتكافؤ الفرص واللا تمييز بين المواطنين  بسبب النوع أواللون أو العقيدة أو المذهب الديني أوالتمذهب السياسي.

وقد أتى على مصر حين من الدهر تراجعت فيه ثقافة التمييز أمام تنامي الدولة المدنية وعنفوان مؤسساتها، ولكن يبدو الآن، وفي ظل الظروف السياسية والصراعات التي تعيشها المنطقة، وتنامي تأثير الإسلام السياسي المشبع بالخلافات الطائفية ذات الظهير القبلي والعشائري، بدأت تتراجع في مصر قيم الدولة المدنية، على المستوى الرسمي الذي تعكسه صدور قوانين تكرس التمييز، أو موقف مؤسسات الدولة الرسمية من فئة من المواطنين ضد أخرى، وأيضا على المستوى الاجتماعي الذي يتبدى في سلوك أفراد المجتمع تجاه المختلفين عنهم في الدين والعقيدة أو في الرأي.

وأصبح التمييز ممارسة يومية يقوم بها الأفراد بشكل طبيعي لا يشعرون معه أنهم ارتكبوا خطأ أوجرما، بل قد يتماهى سلوك التمييز مع الشعور بالعزة والكرامة إلى حد الاستعلاء على الاخر، وتحريم تهنئته أو مشاركته أعياده ومناسباته الدينية والاجتماعية، وتبرير كل ما يرتكب في حقه من تجاوزات بأنه من طبقة أدنى، أو من دين آخر، أو من لون مختلف.

ولازالت محافظة المنيا تشهد يوميا حوادث عنف موجهة نحو الأقباط لأتفه الأسباب ولأبسط الذرائع في ظل صمت مريب يصل إلى حد التواطؤ من أجهزة الدولة ومسئوليها، لا يقطعه إلا رسائل روتينية تطلقها البيروقراطية الدينية ممثلة في الأزهر، والكنيسة، والأوقاف، والإفتاء تطالب كلها بضبط النفس، لا ضبط الجناة، وتحكيم العقل لا تحكيم القانون. وغالبا ما توجه هذه المطالبات إلى الطرف الأضعف والمجني عليه خشية رد فعله. فكأنه مطلوب منه الصبر والصمت على ما يتعرض له من عنف مادي أو رمزي، وما يقاسيه من تمييز اجتماعي تشارك الدولة في ترسيخ قواعده من خلال أجهزتها الرسمية، وتوفير الحماية بطرق ملتوية للمعتدين، وممارسة القهر على الضحايا ، بإحلال العرف محل القانون، والتهجير القسري بدلا من  الحماية الواجبة لهم كمواطنين كفل لهم القانون حق السكن والعيش الآمن.

 

وفي نفس الوقت تغمض هذه الأجهزة أعينها عن الجناة الحقيقيين الذين مدوا أذرعتهم داخل مؤسسات البيروقراطية الدينية، وتحالفوا مع المؤسسات الرسمية، وسيطروا على جانب كبير من منظمات المجتمع المدني، وبسطوا نفوذهم في اجهزة الحكم المحلي، مستغلين كل ذلك في تشويه المجال العام، وتضييق آفاق الحرية فيه، وإهدار فرص الحوار من خلال فرض أمر واقع يقوم على إشاعة ثقافة التمييز بين المواطنين، والتي تزدهر في غياب القانون وحضور العرف.

وفي خطابه بحفل تخريج طلاب الكلية الحربية يوم (21 يوليو 2016 ) ألمح الرئيس السيسي إلى ما يجري في المنيا دون تصريح، مؤكدا على ضرورة احترام القانون وتطبيقه على الجميع. ولكن التلميح لا يكفي في هذا الموقف، بل كنا ننتظر من رئيس المصريين جميعا رسالة قوية وحازمة إلى أجهزة الحكم المحلي، وإلى الجماعات الدينية التي تتبادل معها المصالح والنفوذ، وإلى سلطات الأمن والقضاء أن ترفع سيف القانون على رؤوس الجميع دون تمييز، لأنها هنا تدافع عن دولة مصر، وكيانها الموحد، وعن مواطنيها وهيبتها.  كما أن تطبيق القانون – كمبدأ – في حاجة إرساء ضمانات تطبيقه والتي تتجلى في التأكيد على الإدارة المدنية للدولة طبقا للقانون، وتجريم الممارسات الإدارية القائمة على ثقافة التمييز والتي تستمد قوتها وسلطتها من الجماعات الدينية التي تغلغلت فكرا وتنظيما في كافة مستويات الجهاز الإداري والتشريعي أيضا للدولة، وكذلك العمل على ترسيخ ثقافة المواطنة في مواجهة ثقافة التمييز، ليس فقط من خلال الخطاب التعليمي والإعلامي، بل ينبغي أن يمتد الجهد أيضا إلى السياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بحيث يصبح  التمييز، أيا كان نوعه، مجرما ومرفوضا.

إن تأجيل مواجهة هذه المشكلة – بقصد أو بدون قصد – سوف يؤدي إلى تمزيق الوطن وتقطيع أوصاله، وتحويل افراده – بعد حين من الدهر- إلى هويات قاتلة ومتقاتلة، فغالبًا ما ينزع المرء إلى التماهى مع أكثر انتماءاته تعرضًا للتجريح، وبخاصة الانتماء الديني، وعندما لا يقوى على الدفاع عن نفسه أحيانًا، فإنه يكبت كل صنوف القهر ويواريها فى أعماقه ، منتظرا ساعة الانتقام وانفجار  المكبوت.

 

شاهد أيضاً

شنوف نصرالدين * يكتب :المثقف العربي ..من لغة التطاول إلى نقد الأداء.

المثقف بين الواقع والمثال: إنقشاع الأوهام عن المثقف الداعية المثقف العربي : من لغة التطاول ...