الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. خديجة زتيلـي*:قراءة في كتاب القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة لعبد الله الغذّامي

د. خديجة زتيلـي*:قراءة في كتاب القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة لعبد الله الغذّامي

           تَمَظهرات النسق الثقافي المُتعالي وتَحايُله لتَوْطين مفاهيمه

   (قراءة في كتاب القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة) لعبد الله الغذّامي

kkkk  

   مقدّمة

في عام 2009 صدر لــعبد الله الغذّامي (1) كتابه الموسوم بــــــالقبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة (2)، ويعدّ من بين المؤلّفات المتأخّرة في مسيرة الرجل العلميّة والثقافيّة قياساً إلى تاريخ صدور أوّل أعماله الموافق لعام 1985 بعنوان الخطيئة والتكفير: من البنيويّة إلى التشريحيّة قراءة نقديّة لنموذج إنساني مُعاصر. وقد يكون مُفيداً للقارئ أن يعرف أنّ كتاب الغذّامي عن القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة، كان في الأصل سلسلة من المقالات التي طرحها الكاتب في جريدة الرياض السعوديّة، ولعلّ الصيت الذي حازته تلك المقالات وتفاعل القُرّاء معها أيّما تفاعل هو الذي ألهمَ الكاتب بتعميقها وتوسيعها وإخراجها في صيغة جديدة وطَبْعها في مؤَلّف يختزل عُصارة فكر الغذّامي وموقفه من قضايا إنسانيّة وجوهريّة تتربّع اليوم على صدارة نقاشات العولمة وما بعد الحداثة.

فمن دواعي إنجاز هذا الكتاب أنّ الغذّامي رصد ”صورتين مُتناقضتين” في العالم المعاصر: تتمثّل الصورة الأولى في العودة القويّة للهويّات الأصوليّة، مثل الطائفيّة والعُنصريّة والعِرقيّة والمَذهبيّة والقَبائِليّة، وفرض أنساقها الثقافيّة المتعاليّة التي تُرسّخ مركزيّة الذات انطلاقاً من إلغاء الآخر وإقصاءه، مع تراجع المعاني الإنسانيّة الكُبرى عن الحريّة والوحدة والمساواة، ولا يقتصر هذا الأمر على البلدان العربيّة وحسب بل وحتّى في أوروبا وأمريكا أيضاً. أمّا الصورة الثانيّة في المشهد المعاصر فتتمثّل في الانطباع العام لدى الناس كون هذه المرحلة التاريخيّة هي زمن العقلانيّة والعلم والانفتاح الكوني، ولا شكّ أنّ الصورتين الأولى والثانيّة تتناقضان تماماً. فكيف نُفسّر تنامي ظاهرة عودة الهويّات الأصوليّة في ”زمن ما بعد الحداثة” يَتساءل الغذّامي؟ كيف نعود إلى القبائليّة في زمن التعليم المتطوّر والصَحوات الدينيّة والثورة المعلوماتيّة الهائلة التي قرّبت كلّ أجزاء العالم من بعضها البعض واختصرتْه في قرية صغيرة؟ هل هذا الأمر مردّه إلى عجز التعليم على نشر الوعي وتحقيق أهدافه التربويّة؟ أم أنّ انتشار تلك الأصوليّات إنّما يُعزى إلى أسباب أخرى سنراها في عَرْضنا للفصل الخامس من الكتاب!؟ لا غرو أنّ المدينة الحديثة لا تختلف عن القبيلة القديمة في نسقيّة كل واحدة منهما، فظاهرة العُنف والاضْطهاد والاستعْباد الاقتصادي هي سمات مُشتركة بين النسقيْن القديم والحديث معاً كما يشرحه الغذامي مُستعيناً في تحليل فكرته تلك بآراء بعض الكتّاب والفلاسفة ممن بحثوا في هذا الموضوع، ومن شأن هذا التوصيف أن يُسوّغ الحديث عن ظاهرة ”صراع الأنساق” وسعي كلّ واحد منها لفرض سُطوته وهيْمنته، وتَوقه الشديد لإملاء شروطه وشغفهِ الدائم بفرض إكراهاته. لقد أدخل صراع الهويّات ”الجذريّة” العالم في جِدالات عقيمة أدّت إلى القتال وسفك الدماء وإلى الحروب الطاحنة التي أهلكت البشر والشجر والحجر، وانتهتْ إلى تمزيق الأوطان وطمس إنسانيّة الإنسان.

يتوسّل هذا المقال بكتاب القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة، لبحث مفهوم النسق و”النسق المتعالي”، وماهي ”الحيّل” التي يلجأ إليها لفرض مفاهيمه ومُصطلحاته، كما أنّه يقف على مسلكيّته في تحويل الطبيعي والفطري إلى مشروع مُنحاز وعرقي يقوم على الفِئويّة والتمييز والعُنصرية وإقصاء الآخر. فكيف تتبدّى الحقيقة عند الغذّامي، من خلال تفكيكه لظاهرة عودة الهويّات الأصوليّة في زمن ما بعد الحداثة، كظاهرة القبائليّة الرديفة للعُنصريّة؟ فشتّان بين ”مفهوم القبيلة”، كقيمة اجتماعيّة وأخلاقيّة واقتصاديّة، و”مفهوم القبائليّة” بوصفها مفهوماً مُنحازاً وعُنصريّا وعِرقيّا ينتهك حُريّة الآخر ويسعى جاهداً لصناعة نسقٍ متعالٍ، وإنّ التفريق بين هذين المفهومين لَيَنْسحب، في الوقت ذاته، على مفهوم ”العِرق” والعِرقيّة، ”العُنصر” والعُنصريّة، ”المَذْهب” والمذهبيّة، و”الطائفة” والطائفيّة. لا جدال في أنّ أَمْنَنا الإنساني وتعايشنا على هذه الأرض المشتركة بسلام سيظلّ مُرتهنا لمدى تفهّمنا للعبة النسق ولحيلهِ التي يفرض بها وجوده، وضرورة سعينا لتجاوزها مع يقظتنا الدائمة بأنّ هدف النسق يكون دومًا تحويل الطبيعي والفطري والجميل إلى ”قُبح نسقي”؟!. يتشكّل كتاب الغذّامي من مقدّمة وفصول ستة إذْ يوضّح في الأولى موضوعه ومَقاصده مُركّزا على الفضاء الاصطلاحي والسياقات التاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة له، ويستعرض بعدها فصول العمل فيفكّك مضامينه لتسويغ القول الغَذَاِمي وعرض موقفه النقدي من القضايا المطروحة في الكتاب.

 

kkkkk

 

        الفصل الأوّل يحمل عنوان ((هويّات ما بعد الحداثة))، وتُركِّز المباحث السَبعة التي انضوت فيه، بشكل أساسي، على المنظومات المفاهيميّة والمصطلحيّة وكيفيّة تحكّمها في المسار البشري وتمظهرها في السرديّات التاريخيّة والأدبيّة وتحوّلها مع مرور الوقتّ إلى ((منظومة نسقيّة)). فالبحث في سيرة النسق الثقافي والتاريخ البشري يؤكدّ أنّ كلّ البشر سواسيّة ولا فرق بينهم، ولكن يجري تشويه هذه الحقيقة وإثبات عكسها لترسيخ فكرة الأمّة الأفضل والأعلى، و«ستدور كلّ حكايات الثقافة البشريّة على هذا المتَصَوّر الافتراضي حتّى ليصبح حقيقة قطعيّة بسبب كثر تردّده وبسبب انقطاع الثقافة له انقطاعاً تامّاً.. مثلما نرى الأمريكيّين اليوم يتحدّثون عن (الحُلم الأمريكي) وهو معنى افتراضي يتكوّن من مجموعة من صفات الطُموح والمغامرة والكفاءة الفرديّة والانجاز الذاتي» (3). وتجد هذه المنظومة النسقيّة المعاصرة شبيهاً لها عند العرب وفي الحضارات القديمة اليونانيّة والرومانيّة والصينيّة والهنديّة وفي غيرها من الحضارات الأخرى، فالثقافة البشريّة في نهاية المطاف تسعى حثيثاً إلى تحويل ما هو متساوٍ بالطبيعة إلى مشروع للتمييز وتوسيع الهوّة بين الأنا والآخر من خلال صياغة مقولات لتبرير التعسّف والتراتبيّة، ومن هذه المقولات التي يتوقّف عندها الفصل، ((حسب/ نسب)) التي لا شكّ أنّها «تحمل في طيّاتها شُحنة ثقافيّة عالية الكَثافة» (4). فمقولة نسب في مضمونها اللّغوي تعني الانتساب إلى والديْن، ومعرفة النسب هو من الأهميّة بمكان لتوثيق نسب الأبناء في مجتمعاتهم، أمّا كلمة حسب فتعني «كلّ ما يمكن حسابه وعدّه وحصره» (5)، ولكن مقولة حسب ونسب وبتأثير من الثقافة والقيّم الإضافيّة عرفت دلالات مُزدوجة وحَرَّفَتْ الأصل وتَطَوّر الموضوع إلى ((فرز طبقي)) مُعلن. وجرّاء ذلك ظهرت الأصوليّات الثقافيّة التي تجعل من النسب حسباً تتغنّى به وتعيش على ذكراه وتسعى بهِ ومن خلالهِ إلى تحقيق طموحاتها المأمولة، وقد تلجأ في أحيانٍ كثيرةٍ إلى اختلاق حكايات أسطوريّة تُرسّخ بها مجْدها المزعوم وتحصّن بها موقعها.

ومن أجل التعمّق في هذه الفكرة يركّز الغذّامي على نماذج ثلاثة لتلك الأصوليّات هي: القبائليّة، العرقيّة، والهويّة، وينبّه، في هذا السياق، إلى ضرورة التفريق بين مفهوم القبائليّة بوصفها «مصطلح غير محايد وهو مفهوم انحيازي وعرقي يقوم على الإقصاء» (6)، وبين مفهوم القبيلة كونها «قيمة اجتماعيّة وثقافيّة نشأتْ لضرورة مَعاشيّة وبيئيّة» (7). ومن خلال هذه التفرقة بين المصطلحين السابقين يُصبح من السهولة بمكان إدراك الفرق بين المذهب والمذهبيّة، الطائفة والطائفيّة، العرق والعرقيّة، وبين الشعب والشعوبيّة، وإنّ البحث في القبائليّة، هو بلا شكّ، بحث في الطائفيّة والعِرقيّة والعُنصريّة من وجهة نظر اصطلاحيّة دلاليّة بحثه كما تؤكّده وتحيل إليهِ الدراسات الأنثروبولوجيّة المعاصرة. لقد دخلت كلمة عرقيّة/ العرقيّة إلى معجم أكسفورد أوّل مرّة مع الباحث النرويجي توماس إريكسن T. Eriksen عام 1972 ولكن أوّل من وظّفها بحثيّا هو عالم الاجتماع الأمريكي ديفيد ويزمان عام 1953. والكلمة في الأصل «إغريقية تعني الوثني، ثم صارت تُستخدم في الانجليزيّة لتعني العلاقات السلاليّة بين الناس ثمّ اكتسبتْ المعنى الاصطلاحي العامّ الذي يتضمّن المنظومة الطبقيّة والمعتقديّة والجنوسيّة إضافة إلى التمثّلات السياسيّة والمؤسّساتيّة» (8)، وهذا حسب تعريف إريكسن الذي يستدعيه الغذّامي في هذا المقام لتوضيح الدلالات الجديدة التي اكتسبتها كلمة العرقيّة في الفكر المعاصر. وإذا كان إركسن قد ربط ظهور العرقيّة بمرحلة الحداثة، فإنّ الغذّامي يرى عكس ذلك ويربط المصطلح بمرحلة ما بعد الحداثة وبمرحلة ظهور الهويّات الفرعيّة وبروز الهامشي، وسيبرّر هذا الأخير وجهة نظره تلك عندما يستعرض مبحث الهويّة في السياقات اللاحقة

لقد كان مَطْمح الحداثة عقلانيّا وليبيراليّاً، وكانت تعدُ بالقضاء على الفروق العرقيّة وتجسيد القيّم الانسانيّة والحضاريّة وتذويب الأعراق والثقافات المختلفة في صيغة كليّة واحدة تتجاوز التصنيفات العُنصرية التي كانت سائدة، ولكن مرحلة ما بعد الحداثة (9) أفسدتْ هذا المسعى النبيل وحطّمت المشروع الذي أطلقته الحداثة وجاءت لكي «تُفجّر الهوامش وتكشف عن عجز الوعد العقلاني الليبيرالي في تحقيق العدالة والحريّة وتضع الكلّ أمام الحقيقة القاتمة التي لم تستطع العقلانيّة الأوربيّة معها منع الحروب والكوارث الاقتصاديّة والأخلاقيّة وكان هذا إخفاقاً لكلّ وعود الحداثة» (10). فعدم القدرة على ترك العادات القديمة وفشل الدمج الثقافي وتغوّل المطامح الفئويّة وبقاء ظاهرة التمييز وفق اللون والعرق واللّغة سائدة، كشف بشكل واضحٍ وصريحٍ عن فشل الحداثة في تحقيق مشروعها الذي وعدت به، ووسط هذه الإخفاقات الجليّة تفجّرت الهويّات وخرجت إلى العلن لتكشف عن وجهها، وهي بلا منازع، من سمات ما بعد الحداثة، وتُعدّ في الوقت الراهن مسألة مُعقّدة تُهيمن على المشهد الإعلامي والسياسي والثقافي العالمي بكل تداعياتها ومآسيها التي أزهقت الأرواح بدمٍ باردٍ. وتُفصح ظاهرة العرقيّة المنتشرة اليوم، كالنار في الهشيم، عن قٌبحها وبشاعتها، فهي تمثّل قمّة كل الهويّات التي برزتْ في زمن العولمة وما بعد الحداثة، وفي فلكها تدور القبائليّة التي تتأسّس على العُنصريّة وهي من الهويّات القاتلة. لكنّ الغذّامي يُنبّه القارئ، بعد كلّ الذي قيل، إلى وجود «فروق جوهريّة بين هويّات تحرّريّة وانْعتاقيه وأخرى عُنصريّة واستعلائيّة، وهذا ما أوجب علينا التمييز بين القبيلة والقبائليّة، بين ما هو ثقافي واجتماعي وما هو عُنصري وإقْصائي» (11). ويختمُ الكاتب الفصل الأوّل بإيضاح يتعلّق بالاصطلاح مَفاده أنّ القبائليّة لا تعني العرقيّة ولكنّهما «صيغتان من صيّغ الهويّة، والهويّة هي علامة من علامات النسق الثقافي» (12)، وأنّ كافة الهويّات الأصوليّة هي من إفرازات مرحلة ما بعد الحداثة.

ويَسْتعرض الفصل الثاني من الكتاب موضوع ((الإسلام والقبيلة))، مُستعيناً في تحليل ذلك بالتراث التاريخي والاجتماعي للمسلمين وكذلك بالنصوص الدينيّة التي توضّح مضامينها أنّ الإسلام لم يكن يومّا ضدّ القبيلة، بل كان ضدّ القيّم القبائليّة وضدّ العصبيّة العُنصريّة. ولا يغضّ الكاتب الطرفَ في هذه المسألة عن الصراعات التي كانت لا تزال قائمة وخاصّة في التاريخ المبكّر للإسلام، إذ كانت القيّم القبائليّة لا تزال تتلبّس الناس وتحكم سلوكهم ومعاملاتهم، ولم يكن بالأمر الهيّن اجتثاثها وتغيير طباع البشر وعاداتهم في فترة وجيزة. إنّ الآية الكريمة ((يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير)) (13) وآيات أخرى في القرآن «تؤسّس لنظام أخلاقي واجتماعي مثالي يُعطي القيمة للفرد بما إنّه فرد صالح وإيجابي وبنّاء» (14). فالأفضليّة لم تكن للعرق والجاه والسلطان، بل كانت للتقوى والإيمان وللقانون الأخلاقي، فقد تحوّلت المركزيات التقليديّة بفضل الدين الجديد إلى ((مركزيّة التقوى)) وارتبطت الذات المفردة بسلوكها الأخلاقي الذي تُقَيَّمُ من خلاله، وغذتْ «الأفضليّة ليست شُعُوبيّة ولا قبائليّة ولكن الأكرم هو الأتقى» (15)، ممّا عكس صورة جديدة للمجتمع والأخلاق، فرغم الاختلافات العرقيّة والانتماءات المتباينة للقبائل العربيّة فإنّ الآية تؤكّد بوضوح أنّ تلك الاختلافات لا تُشكّل عائقاً للتعارف وإقامة علاقات إنسانيّة بين الأفراد، وأنّه بفضل القانون الأخلاقي وقيّم التقوى يمكن أن تتكرّس مقولة ((الشعب بوصفه قبيلة كبيرة)).

       فهناك قانونان مهمّان هما «قانون التعارف وقانون ((الأفعل هو الأفعل)). أحدهما وجداني/ اجتماعي، والآخر عملي/ عقلاني وهما قانونان نأخذهما من الآية الكريمة» (16)، فالتعارف قيمة اجتماعيّة وإنسانيّة ووجدانيّة وهو ضرورة مُلحّة في كلّ المجتمعات البشريّة، وقيمة الأفراد تكمن في أخلاقهم ولا شيء سواها، ما يجعل منظومة القيّم في نهاية المطاف تخرج عن كلّ قبائليّة. وعلى هذا المنوال تُؤَسِّس النصوص الدينيّة للمفاهيم الأخلاقيّة، لكنّ «المثاليّة الدينيّة ومعها المثاليّة الأخلاقيّة لا تقوى على مسح الشرور البشريّة، وتظلّ الأنساق تفعل فعلها، وإن اختفتْ حيناً ظهرتْ حينا آخر وبأشدّ ما كانت عليه، وكأنّما تنتقم لزمن انْكماشها وركودها وتُعوّض عمّا فاتها، في لُعْبة أزليّة مُستديمة» (17). ويرصد الغذّامي ثلاثة أنساق متقاطعة هي: 1-نسق الفضائل الدينيّة، 2-نسق الفضائل القبليّة الثقافيّة، 3-نسق متشعرن (قبائلي)، ولا يتوانى في عرضه للأنساق المذكورة عن ابراز الاختلافات وذكر الفروق الموجودة بين الدين والقبيلة والقبائليّة «حيث الدين نظام أخلاقي قيمي يرسم طريقاً للسلوك المعتدل، أمّا القبيلة وهي نظام ثقافي واجتماعي طبيعي، وجانبه الطبيعي هو ما يمنح قيّما راقيّة كالكرم والشجاعة،، أمّا النسق الثالث المتشعرن -[ القبائلي]-  فهو الذي يقوم على الحمية ويعتمد ثنائيّة (نحن/هم) وهو إقصائي وقادر على الإيحاء بنصوص شعريّة مأثورة وفعّالة» (18) يلجأ إليها الأفراد في كلّ مرّة يريدون فيها تلبية أغراضهم، ولا شكّ أنّه سيتمّ استدعاء واسترجاع الأشعار التي تتغنّى بقيّم القبائليّة.

فمن أكبر مميّزات النسق قدرته على التحايل والتحوّل إلى قيمة تأويليّة تمارس سلطتها على النصوص فتنتهي هذه الأخيرة إلى التحدّث بمقاصده، فـــ «الثقافة النسقيّة تعطي قيّما متخيّلة وافتراضيّة تصطنع فروقاً غير عقلانيّة وغير دينيّة بين البشر، وتُوهم أنّ هذا هو الطبيعي» (19)، ومن أجل ذلك يتمّ الربط في كلّ مرّة بين ((القبائليّة والتأويل))، وليس سرّا أنّ قيّم القبائليّة متجذّرة في الثقافة العربيّة شأنها في ذلك شأن كلّ الأنساق العنصرية والعرقيّة في الثقافات الأخرى الشرقيّة منها والغربيّة على حدّ سواء، التي تروّج لنقاء عرق على آخر كمزاعم تفوّق العرق الآري على سبيل المثال. فالعمليّة التأويليّة تقوم بتطويع النصوص وتسخيرها لخدمة غايات النسق وبنيته الثقافيّة، وهو الأمر الذي حدث فعليّا في تاريخ الثقافة العربيّة فرغم القيّم الدينيّة التي رسّخت القانون الأخلاقي الذي ينتصر للأكرم والأتقى، إلاّ أنّ سياسات التأويل المتعسفّة والعنصريّة أضاعت المعاني وشوهتها، وتجاوزت الحقيقة ولم تقم سوى بتطويع التأويل لكي يخدم مقاصد المنظومة النسقيّة. و«يأخذ مفهوم (القبائليّة) معناه ويتأسّس كمصطلح ذي قيّم ثقافيّة وذهنيّة محدّدة حينما يصير أساساً لفهم الظواهر وتفسيرها ويكون قاعدة لتأويل النصوص من جهة، ولتحديد العلاقات الاجتماعيّة بين الذات والآخر، بناء على ثنائيّة (نحن/هم). كتوصيف طبقي وتصنيفي» (20). يفرض النسق حيّله، إذن، ويُباغت الثقافة في كلّ مرّة ليضفي عليها حمولات تأويليّة جديدة، وهذا ما يفسّر وفق الغذّاميالعودة المستمرّة للهويات الأصوليّة رغم كلّ أشكال المقاومة التي تُبديها الفلسفات والنظريّات المثاليّة، وهو الصراع المستمرّ الذي يهدأ ولا يلبث أن يعود في لبوسه القديمة الجديدة! إنّ لعبة النسق المحكمة الصنع، التي تنتهي إلى ترسيخ الهويّات الأصوليّة والعرقيّة، تبدأ بفكرة على أنّها «رأي اجتهادي ثمّ تتحوّل إلى قناعة تترسّخ مع الزمن وإذا قبلتها مجموعة كبيرة من الناس صارتْ معتقداً، ثمّ صار العدد والزمن عاملين مُهمّين في الترسيخ والقبول إلى أن تكتسب مُسمّى المذهب، ويتقوّى المذهب مع كلّ جدل حوله ويزداد تمكّنا كلّما زاد الرافضون له ويظلّ يقاوم الرفض حتّى يصبح هويّة أصوليّة تجري من أجلها الدماء» (21). فلا ريب أن النسق يملك قدرة عجيبة على صناعة ثقافته والتلاعب بالعقول وعلى فرض إكراهاته.

        أمّا الفصل الثالث الموسوم بــ ((المسْتَعرب)) فيعتني فيه الغذامّي مرّة أخرى بالمصطلحات والمفاهيم، ويحيلنا أوّلاً إلى التقسيم الدارج للعرب، من الناحية الاصطلاحيّة، والذي يتمثّل في: 1-العرب العاربة، 2-العرب المستعربة، ولكنّ الغذّامي لا يتبنّى هذا التقسيم الشائع ويراه غير دقيقٍ ولا ينتصر للحقيقة التاريخيّة، لذلك نجده يستدعي موقف ((ابن خلدون وأنواع العرب)) عنده التي قسّمها إلى أربعة أقسام هي: 1-العرب العاربة، 2-العرب المستعربة، 3-العرب التابعة للعرب، 4-العرب المستعجمة. والتقسيم الخلدوني هذا الذي يُفضّله الغذّامي يتبلور من خلال ملاحظات دقيقة ودراسات تاريخيّة لظاهرة الهجرات الأولى في التاريخ ومواطن الإقامة منذ أزمنة بعيدة وحتى قبل ظهور الإسلام، حيث اختلطتْ قبائل الجزيرة العربيّة بأقوام أخرى كالروم والفُرْس والآشوريّين والكَنْعانيّين والفِينِيقيّين واندمجوا في الثقافات الأخرى واكتسبوا لغاتها وبفعل الزواج والمصاهرة ظهرتْ ملامح جديدة على الأجيال المواليّة لتلك المجموعات تتعلّق بالسلوك ولون البشرة، ويبدو هذا الأمر واضحاً اليوم عند عرب إيران وأفغانستان وتركيّا، فلقد كان اختلاط الأقوام بعضها ببعض هو بفعل الهجرات التي ظهرت قديماً واستمرّت مع الفتح الإسلامي. ولئن كان لابدّ من كلام في هذا المقام فهو أنّه بتأثير من الفتوحات الاسلاميّة دخلت شعوب كثيرة غير عربيّة تحت مظلّة العروبة فتعرّبت لغةً وثقافةً أو اعتنقتْ الدين الاسلامي وبقيت على لغاتها، وتوسّعت ظاهرة الاستعراب جرّاء تلك الحركة التاريخيّة والثقافيّة والدينيّة، و«في هذه الحركة الاستعرابيّة زالت الطهارة العرقيّة وصار المستعربون أضعاف أضعاف العاربة» (22). ويمكن تشبيه الاستعراب بالأمركة في التاريخ المعاصر، فأمريكا هي مسمّى جديد اعتمد بشكل أساسي على الجغرافيا واللّغة، ومع مرور الوقت أصبح كل من يستوطن المكان ويتحدّث اللّغة الإنجليزيّة يعتبر مواطناً فاعلاً في بناء الشعب والهويّة، ما يعني بالنتيجة أنّ الهويّات هي صناعة الزمن ولم تكن يوماً أصليّة، بل نشأت بسبب ظروف تاريخيّة وبيئيّة وثقافيّة، ورغم ذلك يتقاتل البشر بسببها في محاولة منهم لتأكيد هوياتهم ” الأصليّة”! وإنّ «دفاع أمريكا العظمى عن معنى الأمركة ومكانتها السلطويّة أو المعنويّة لا يختلف عن أيّ حمية قبائليّة أو عرقيّة، وهذا من ذاك في تبادل ثقافي نسقي قد يتنوّع في حَجْمه وفي حُجَجِه ولكنّه يظلّ يتوارد من صلب واحد هو صلب النسقيّة الأزليّة» (23).

إنّ مُصطلحات مثل ((الشعب والقبيلة والعائلة)) هي من صنع الانسان يتكيّف بواسطتهــا

داخل مجوعة بشريّة يتحصّن بها ويستمرّ من خلالها، وتتداخل هذه العناصر الثلاثة فيما بينها، فمن حيث العدد يأتي الشعب في المقدّمة تليه القبيلة فالعائلة، وإذا كانت القبيلة تعتمد أكثر على البطولات الأسطوريّة والقصص الملحميّة فإنّ الشعب والعائلة هما أكثر قُرباً من الواقع. ويُلاحظ الكاتب أنّ ((التزاوج الثقافي)) بإمكانه كسر النسقيّة والتحرّر من سُلطانها، ولكنّ هذا الأخير سيظّل «ثقافة (البين/بين) وهي ثقافة تدلّ على مدى قدرة النسق في تمثيل نفسه وتلبيس معانيه بقيّم مثاليّة خدّاعة، فقد يلبس لباس الدين ليفسّر النصوص حسب شرطه النسقي وقد يلبس لبوس الثقافة فيدّعي صفاء عرقيّا مُفترضاً وقد يلبس لبوس الأخلاق فيدّعي قيّماً أخلاقيّة ذاتيّة ليس لها برهان واقعي» (24). لقد تَرْجَم ((المستعرب)) من خلال سلوكه ثقافة التزاوج الحضاري والانفتاح على الآخر فكان ضدّ ثقافة الانغلاق باستعرابه، ولكنّه بالرغم من التطوّرات الكبيرة الحاصلة في طريقة معيشة الناس والانتقال ((من القبيلة إلى المدينة)) والتقدّم العمراني المشهود في الوقت المعاصر فإنّ «الوضع الثقافي يظلّ في مأزق حرج بين ما هو عقلاني وما هو نسقي» (25)، فالنسق يُحَكّم الوجدان والعاطفة أكثر من تحكيمه للعقل.

وإلى القبيلة يعود بنا الفصل الرابع من جديد من خلال ((ثقافة القبيلة)) كعنوان رئيسي لمباحث كثيرة يضمّها، وهو بحث في خَصائصها وأَخْلاقها وبِنْيتها ومَعَاشها ونَاقَتها وقصيدتها وفي لُغتها. فمن الواضح جدّا عند عامّة الناس أنّ الترحال والشعر يختصران مفهوم القبيلة، فالشعر هو ديوان العرب وذاكرتهم والمتحدّث بقيّم الشجاعة والكرم والعنفوان لديهم، ولا يمكن استحضار الصحراء دون الحديث عن مفهوم البداوة، وتُنْبئنا السرديّات الأدبيّة والتاريخّية أنّ أهمّ من تكلّم في موضوع البداوة هو ابن خلدون، ولا يمكن عرض مفهوم القبيلة في الثقافة العربيّة دون الاستعانة برأيه. وفي موضوع ((ابن خلدون والقبيلة)) يرى الغذّامي أنّ مقولات ابن خلدون فيها « هي مقولات جاءت بالشيء ونقيضه إذْ تراه يمنح القبيلة صفات إيجابيّة حينا ويذمّها حيناً آخر» (26)، فالقبيلة عنده هي البدو وهم أقرب إلى الفطرة وهم لا يميلون إلى الترف كأهل الحاضرة ويكتفون بضرورات العيش وهم أقرب إلى الخير والشجاعة على عكس أصحاب المدن، ولكن ابن خلدون الذي مدح البدو ورفع من شأنهم وأضفى عليهم الصفات الحسنة والأخلاق الكريمة عاد في نصوصه، التي يستلهم الغذّامي منها المعنى، إلى وصفهم بالتوحّش في تعاملهم مع الحضارة وولعهم بالخراب، وأنّهم كلّما دخلوا مدينة خرّبوها وهشّموا حجارتها واستخدموها أثافي لقدورهم، وقد كان همّهم الوحيد هو الحصول على المال والغنائم وأنّهم يحبّون الزعامة وكلّ واحد منهم يرى نفسه رئيس قومه، ويستحضر ابن خلدون، لتبرير رأيه السلبي في البدو، حادثة دخول قبيلة بني هلال وبني سليم على بلدان المغرب العربي وقد عمّت الفوضى والخراب جرّاء ذلك.

لكن الغّذامي يرى أن موقف ابن خلدون من البدو مالَ إلى المبالغة والشَطط في الرأي، وأنّه لم يرسم الصورة كاملة، ولا شكّ أنّ صورته تلك عنهم كانت «مُنحازة وفيها قدر غير قليل من العُنصريّة واللاموضوعيّة ليس لأنّها غير صحيحة كأخبار وحوادث، ولكن لأنّ ابن خلدون هنا لم يحاول قراءة الحوادث وقراءة علاقات البشر تحت عنوان الصراع البشرّي بين القوى» (27). لقد مدح ابن خلدون البدو تارةً وذمّهم تارة أخرى، بمعنى أنّهم كانوا مُنسجمين مع ظروفهم وبيئتهم ومعيشتهم ولكنّهم لم يكونوا كذلك مع الآخر والأجنبي، وليس في الأمر غرابة عند الغذّامي فهي حالة بشريّة عامّة، وفي تاريخنا المعاصر ما يمكن الاستشهاد به كأمريكا مثلاً فهي «ديمقراطيّة حضاريّة في داخلها، ولكنّها دكتاتوريّة عدوانيّة مع الآخر، وهنا تفريق جوهري بين الذات مع ذاتها من جهة وبين الذات مع الآخر» (28). فالتاريخ عامر بالمآسي والجرائم التي ارتكبتها أوروبا ضدّ الهنود الحمر وهي صورة ليست بعيدة عمّا فعله بنو هلال عندما دخلوا إلى المغرب العربي، وعمّا قام به الجيش الأمريكي عندما دخل إلى العراق في مارس 2003، فلقد «رأينا كيف نُهبتْ المتاحف والبنوك والقصور وكيف دُمّرت الجسور..[و] ما تفعله إسرائيل من تدمير أشجار الزيتون وتهديم البيوت وتجريف الأرض وتكسير عظام الشباب وبَقْر بطون الحوامل،، لنْ ترى فارقاً بين ما يفعله البدو أو ما تفعله أمريكا ومن قبلها المستعمرون» (29)، وعلى ضوء هذه الأمثلة نستنتج أنّ سلوكيّات الغازي والمحتلّ بشكلٍ عامٍ تسير في نفس النسق، إنّه نسق التحطيم وإلغاء وجود الآخر، ولاشكّ أن نسق التدمير يعمل بنفس الآليات في كلّ مكان، لكي يستولى على الحجارة كما هو الأمر في حالة البدويّ، أو على النفط  ومقدّرات طبيعيّة أخرى كما هي حالة أمريكا وغزوها للعراق أو لجغرافيّات أخرى.

وينخرط الغذّامي بعد ذلك في موضوع ((بنية القبيلة)) وعلاقتها بالدولة ونظامها السائد في الحرب والسلم، والتحالفات والمصالح، وأين تتقاطع القبيلة والدولة، ثم يمرّ إلى ((القبيلة والنظام الذهني))، وكيف عبّرت الاستراحات والديوانيّات عن حياة الناس وأفكارهم شأنها في ذلك شأن الصالونات في أوروبا، فكانت فضاء للكلام والتكتّلات، ليمرّ بعد ذلك إلى العلاقة الوثيقة الموجودة بين القبيلة والترحال، فــــ((الترحال قوّة)) في حياة القبيلة وكلّما كانت قُدرة القبيلة على الترحال قويّة زادت أهميّتها  وقبائليّتها، ولا شيء يُلحق بها الضرر ويُضعفها كالاستقرار الذي يقلّص بداوتها، « وإنْ كان الترحال في أصله ضرورة معاشيّة لطلب المرعى والماء إلاّ أنّه تحوّل إلى عامل سلوكي يُعطي المترحّلين مزيّة سلوكيّة» (30). ومثل ما يمثّل الترحال قوّة القبيلة يكون الشعر سجلّها الثقافي، والعودة إلى النصوص الشعريّة تُعطي صورة عن النظام الذهني والثقافي عند العربّي، فقد تحدثتْ القصائد عن الحزن والفرح والخيبات والانتصارات، والشجاعة والكرم والظلم والعفّة والنفس والرفقة الطيّبة وعن العلاقات الانسانيّة إجمالاً وعن النوق والصحراء فــ«كان الشعر خطاباً إنسانياً ووجدانيّاً دقيق المعنى» (31). ويختتم الغذّامي الفصل الرابع من الكتاب بسرد مُرهف وشاعري وشفّاف للصحراء وصمتها وعظمته ((حيث الصمت هو النصّ المطلق))، ومثل ما هي طبيعة الصحراء تلُفّها الأسرار ويُطْبق عليها الصمت كذلك هي القبيلة في أحيانٍ كثيرة، تلوذ بنفسها إلى السكوت والسكينة لتدبّر أمورها والبحث في مشاغلها الحياتيّة، فقد يكون الصمت درعاً وحصانةً وميزة ثقافية وشارة رفعة، إنّه «الصمت الصحراوي كشأن الصحراء التي يَسْتنطقُها سُقوط المطر وتَسْتَحْلِبها أخيلة الشُعراء والقصّاصين وقرّاء الأثر، فتكشف للمطر ولهم أسرارها، ولكنّها تتأبّى أنْ تُفصح عن نفسها إلاّ لمن يَفهمها ويُقَدّر خَباياها  » (32).

سيتمّ في الفصل الخامس ((إعادة اكتشاف القبيلة)) عبر مُقاربات أخرى، ويستهلّه الغذّامي بطرح السؤال التالي؟ «كيف يعود الناس إلى القبائليّة في زمن كَثر فيه التعليم من جهة وصارت فيه الصحوة الدينيّة من جهة ثانيةٍ، وهو زمن يُسمّى بزمن الحداثة أو ما بعد الحداثة وهو زمن العلم والحريّات العقلانيّة وزمن الانفتاح الإعلامي المهول…؟ وكيف يعودون إلى الطائفيّة والعرقيّة والعُنصريّة الثقافيّة بكلّ أنواعها…؟» (33). فقد تعاظم الاهتمام بالتعليم في الحضارة الحديثة وتبوّأ منزلة كبيرة وكان يُنتظر منه نشر الوعي الحضاري بين الناس، كما وأنّ انتشار ظاهرة ” الصحوة الدينيّة” في البلدان العربيّة واتّجاه الناس نحو الالتزام الديني كان يَعِد، إلى جانب دور الإعلام، بأن يتشبّث الناس أكثر من أيّ وقت مضى بالقيّم الانسانيّة العُليا، ولكنّ الذي حدث لاحقاً كان على عكس التوقّعات تماماً، ولم يمنعه لا التطوّر العلمي والإعلامي ولا الالتزام الديني، فنهضتْ القبائليّة والطائفيّة والعرقيّة تعيثُ في الأرض فساداً، وعاد بُعْبع العُنصريّات يُخيف الجميع ويُثير الأسئلة الملْغِزة في كلّ مرّة. كما كان للصورة الاعلاميّة أثرها في الثقافة المعاصرة وفي تشكيل ذهنيّة الناس وهي تتناول يوميّا مآسي كوكبنا وتعْرض على الشاشات صوراً مُرعبة عن الأمراض والحروب والفتن، وعن مشاكل المناخ وثُقب الأوزون ومخاطر الاحْتباس الحراري ونضوب المياه والنفط والتصحّر البيئي، ولا شكّ أنّ كلّ تلك الصوّر «أورثتْ حالة من الخوف ونُقص الأمان وضَياع التَطلّعات» (34). وأمام اسْتفحال ظاهرة الخوف واللآمان جراء ذلك بحث الانسان المعاصر عن حلول جُنونيّة تتناسب وجنون العصر وعادت من جديد ((الأصوليّات الجذريّة)) تطرح نفسها كنكوص إلى الخلف وهروباً من الواقع المرير.

إنّ الاتّجاه نحو التركيز على مسألة الأصوليّات المرجعيّة لم يكن وليد الصُدفة بل جاء كنتيجة للوضع القائم، ولما تُمثّله تلك الأصوليّات من رصيدٍ ثقافي ورمزيّ تَشكّل في الماضي وفقَ تَصوّرات تاريخيّة وظرفيّة كانت هي مكوّنات الوجود الأصلي. وبهذا الصدد يتناول الغذّامي نماذج لها مثل عودة المحافظين في أمريكا من تقليديّين وجدد وعودة للمسيحيّة الأصوليّة وما يُصاحبهما من تمييز عِرقي وفِئوي، والأمر ذاته يَنْسَحب على الثقافة العربيّة بعودة الطائفة والمذهب والمنطقة والفئة. وفي ضوء هذا العرض العاجل يُذكّرنا الكاتب بتاريخ المحافظين الجدد الذين كانوا في الأصل من اليسار لكن عندما تكسّرت أحلامهم اليساريّة «ارتدّوا ارتدادةً خطيرة وتحوّلوا إلى صقور حرب وجاؤوا بمقولات صراع الحضارات ومحور الخير/ الشرّ، وشعار نحن وهم وتمكّنوا من بلوغ مراكز القرار في زمن جورج دبليو بوش، حتّى فرضوا سياسات الاجْتياح والسوق الحرّة والاستحواذات الاقتصاديّة الجَشعة، تحت تصوّر عُنصري خطر يجعل الرأي السياسي عقيدة وسلطويّة مُسلّحة بأعْثى الأسلحة» (35). هذا ما حدث في أمريكا في التاريخ المعاصر جدّاً وشبيه به ما يَذْكُره الكامل لـابن الأثير، الذي يعود إليه الغذامي على سبيل المثال، ويروي ابن الأثير في كتابه أحداث المجاعة التي صارت في بغداد في حدود السنة ستمائة للهجرة وجاع الناس فيها جوعاً كبيراً وكان من أكبر ضحاياها الأطبّاء الذين يتمّ استدعاءهم ليلاً من طرف الناس بحجّة التطبيب والمداواة، ولكنّهم في حقيقة الأمر يجدون أنفسهم بين يدي قوم يذبحونهم ويأكلونهم بلا رحمة من شدّة الجوع، وهناك حوادث أخرى في التاريخ لا تقلّ بشاعة عن ذلك، وهذا الأمر يعني أنّ «النسق البشري واحد مُتكرّر.. حيث المدينة الكُبرى الحديثة جدّا لا تختلف في سلوكها العامّ عن القبيلة القديمة جدّاً» (36). وعلى صعيد آخر أضافتْ ثقافة الصورة (37) من أضرارها على المشهد المعاصر بتكرار صوّر الأحداث المرعبة والمؤلمة على الشاشات، ما جعل الناس يَنْفرون من الواقع ويبحثون عن مَرَاتع للطمأنينة والسكينة الروحيّة ولو كان ذلك في أحضان عِلاجات وهْميّة ومُضِرَّة.

أورثتْ الحياة الحديثة والعولمة الخوف من المجهول والخوف على المصير الإنساني، وقد عمّ هذا الشعور الكون بأكملهِ فأصبح خوفاً كونيّاً، ومثلما لجأ الانسان في القديم إلى الأساطير لمواجهة مخاطر الطبيعة، عاد من جديد في الحياة المعاصرة ليواجه المخاطر والخوف بأساطير ذات صيّغ أخرى، فجاهر كلّ واحد بمكنوناته وبات التصريح بالأصوليّات أمراً طبيعيّاً ويحدث على مرأى ومسمع الجميع، وقد عزّز ذلك المسعى العودة القويّة إلى ((المرجعيّات النسقيّة)). وفضلاً عن ((ظاهرة الخوف)) يرصد الغذّامي عناصر ثلاثة أُخرى للعودة للأصوليّات الجذريّة هي: ((سقوط الطبقة الوسطى)) التي كانت تمثّل قيّم الحداثة، وكانت هذه الطبقة قد لامست أحلام الناس في التعلّم والتحرّر والوعود الاقتصاديّة ولكن قيّم العولمة بصيّغها المستهترة بالإنسان أجهضت الحُلم. أما العنصر الثالث الذي يرصده الغذامي فهو ((انهيار المشروع الكوني في التعليم وتلاشي الوعد بأنّ التعليم هو المنقذ الأسطوري للبشر من أمراضهم الثقافيّة))، إذ لم يَقْدر التعليم على حلّ المشاكل الراهنة، واتُّهِمَت المناهج بالتقصير والضعف وارتفعتْ الأصوات المنادية بتجديدها أو إصلاحها، والحقيقة أنّ التعليم أثبت، كما في كل عصر، تحيّزاته وصناعته للأنساق العُنصريّة كما في جمهوريّة أفلاطون والشعر العربي، وفي غيرهما، ولا يخفى مدى قدرة العلم على تجذير قوانينه وتعزيز السُلطات والنسقيّات. أما العنصر الرابع والأخير الذي يتوقّف عنده الغذّامي لتبرير عودة الأصوليّات فهو ((نسقيّة الثقافات من حيث الأصل والتكوين))، وليس من قبيل المبالغة الإقرار بأن النسق هو الأخطر والأقدر على توطين مفاهيمه.

إنّ العودة إلى التشبّث بالقبيلة كان ضمن مناخ ثقافي خاصّ جراء «تهاوي شعارات الحريّة والوحدة والأمّة العظيمة، وهذا فراغ وجد النسق فيه أرضاً خصبة يَرْتع فيها، ومثلما صار عندنا فقد صار في أوربا وأمريكا عَوْدات أصوليّة هي عندهم مرجعيّات رمزيّة تقليديّة اسْتعادتها ظروف التغيّرات الكُبرى» (38). ففي ((باب المكنونات)) تناول الغذّامي كيف يتحوّل الوسم لقيمة رمزيّة تتباهى باسمه القبيلة، وكيف يُصبح عنُصريّاً فئويّاً ومناطقيّاً، وخاصّة عندما يُسْتخدم ليس بوصفهِ تعبيراً عن الذاكرة والوجدان الجماعي بل بوصفهِ توصيفاً وتمييزاً عنصريّاً. ويعود في ((البنية ونقيضها)) إلى التأكيد أنّ مشاكلنا هي مع بِنْياتِنا التقليديّة التي يَرْتع فيها النسق ويعبّر من خلالها على نفسه كلّما أتيحتْ له الفرصة لذلك، وفيما يتعلّق بالقبيلة يلاحظ الغذامي وجود وعيين متناقضين بشأنها وعي بها والآخر ضدّها، فــ «الوعي بالقبيلة هو وعي ثقافي بالدرجة الأولى ولكن لابدّ من ملاحظة الشرط المنهجي في تعريف الوعي، وهو أنّنا كلّما ازداد وعينا بشيء وتجاوز هذا الوعي حدوده الواقعيّة فإنّ ذلك سيخلق وعياً مضاداً ويحفّز ردّ فعل عكسي على درجة مماثلة في الحدّة» (39). إنّ ((العُنصريّة الثقافيّة)) ذات وجوه متعدّدة وهي عمياء بالضرورة، وإنّ البحث في الأنساق هو البحث في البنية الثقافية وذهنيات البشر، فالعنصريّة الثقافيّة تُوقِع في ((العمى الثقافي)) من خلال تكريس مسألة الهويّات الأصوليّة والترويج لأفضليّة إحداها على الأخرى: كرقي العرق الآري، أو السامي أو شعب من الشعوب أو قبيلة من القبائل على حساب الآخر، الأمر الذي ينتهي إلى تتناقض تلك الممارسات مع المبادئ العقلانيّة وحقوق الانسان والمواثيق الدوليّة والمثل والمبادئ العالميّة.

       وفي الفصل السادس والأخير يختتم الغذامي مُنجزه عن القبيلة والقبائليّة: هويّات ما بعد الحداثة بموضوع ((الأصول)) مُعرّجاً في بدايته على ((الداروينيّة الجديدة)) محلّلا مبادئها التي تصبّ إجمالاً في القول بأنّ البشر في كلّ زمان ومكان يولدون بنفس القدرات، وأنّ الفروقات يكتسبونها بفعل الثقافة المجتمعيّة وأنّ مزاياهم ليست وراثيّة أو عرقيّة، وفي تقدير الغذّامي فإنّ هذا الخطاب من السهولة بمكان تصديقه عقليّا ومنطقيّا، غير أنّ الاحتكام إلى الواقع يبيّن عكس ذلك وأنّ الثقافات تقول « أنّ البشر غير متساوين من حيث الخصائص الوراثيّة- العرقيّة، وابتكرتْ الثقافة مقولة الأصل، وهي خاصّة وراثيّة افتراضيّة تجعل المرء يؤمن بأنّ له موروثاً يختلف به عن غيره، وأنّ موروثه ذو خصائص تميّزه وتترقّى به» (40)، فعندما تتحوّل مقولة الأصل إلى معنى ثقافي يقوم هو بإلغاء المعنى الأصلي للأصل، إذْ ((الأصل ينسخ الأصل)) بلغة الغذّامي وتنتفي مقولة المساواة البشريّة. وعلى هذا الأساس فإنّ ادّعاءات الداروينيّة الجديدة بأنّ التطوّر السيكولوجي يتمّ عن طريق ما يحيط بالبشر من ظروف ستنسفُ لا محالة، فقدرات الأفراد عندما تجد التحفيزات المناسبة للكشف عن مكنوناتها بإيعاز من النسق تجنح إلى إظهار التمايزات المفترضة. والأصل هنا أصلان: الأوّل فطري ويعني المنشأ الواحد، والثاني افتراضي يؤسّس لمنظومة قيميّة جديدة و«يقوم على إعمال عناصر الاختلاف وجعلها ميزة وليست مجرّد سمة تكوينيّة» (41)، ولذلك فظاهرة الأصول عندما تشتغل على المعنى الافتراضي فهي تؤكّد التمايز وثقافة النسق وقيّم القبائليّة. ولكن هل بالإمكان ((الهروب عن الأصل)) كما فعلتْ أوروبا مثلاً في وحدتها الاقتصاديّة وانضوت تحت عملة موحّدة؟ وحاولت البحث عن رموز موحّدة لتجاوز الاختلافات الثقافيّة؟ لقد حاولت أوروبا الفرار من الواقع إلى الخيال ولكنّها عجزت عن ذلك لأنّ «الصوّر التي على وجهي اليورو تذكّر كلّ أوروبي بأنّ له تاريخا خاصّاً لا يشترك معه جيرانه وحلفاؤه فيه.. لا مفرّ من الذاكرة الثقافيّة حتّى وإنْ تخيلنا صوراً بديلة، فالصورّ تلحق الصورة والأصل يلحق الأصل ويعود بصيّغ وحيل ماكرة فعلاً وواقعاً» (42). وفي ختام هذا المقال نشير إلى الأهميّة البالغة التي تكتسيها نصوص الغذّامي في نقد المنظومات، العلميّة والأدبيّة والثقافيّة والسياسيّة المعاصرة شرقها وغربها، ومحاولاته الجادّة لتفكيك الواقع وفق منهجيّات تَمكّن الرجل منها وأجاد توظيفها، وينطوي كتاب القبيلة والقبائليّة على عدّة معاني ولعلّ أهمّها -في نظري-هي ضرورة عودتنا المتمرّسة إلى التاريخ المحلّي والعالمي واستقراءه لاكتشاف خباياه، فالكثير من المشاكل الراهنة تمتدّ خلفياتها إلى الزمن البعيد، فعندما نكون قادرين على قراءة تاريخنا الإنساني بلا تحريف وتزييف ومبالغة يمكننا أن نفكّك الواقع الراهن بموضوعيّة ونمرّ إلى المستقبل ونحسن المرور إليه. كما أنّ هناك معاني كثيرة وكثيرة جدّاً يتضمّنها الكتاب بعضها باحَ بها هذا المقال وأخرى سيكتشفها القارئ لكتاب القبيلة والقبائليّة.

***************************************

هوامش المقال

(1) عبد الله بن محمّد بن عبد اللّه الغذامي من مواليد عام 1946 بمدينة العنيزة السعوديّة، هو ناقد أدبيّ وثقافي ومن بين أبرز الوجوه العربيّة البارزة اليوم في المشهد الثقافي، من مؤلّفاته: الموقف من الحداثة ومسائل أخرى المشاكلة والاختلاف: قراءة في النظريّة النقديّة العربيّة وبحث في الشبيه المختلف – النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافيّة العربيّة – رحلة إلى جمهوريّة النظريّة: مقاربات لقراءة وجه أمريكا الثقافي – الفقيه الفضائي: تحوّل الخطاب الديني من المنبر إلى الشاشة، ومؤلّفات أخرى.  

(2) عبد الله الغذامي، القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة، (بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط 2، 2009).

(3) المرجع نفسه، ص 14.  

(4) المرجع نفسه، ص 15.

(5) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(6) المرجع نفسه، ص 25.  

(7) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(8) المرجع نفسه، ص 38.  

(9) يمكن العودة، بهذا الصدد، إلى كتاب الغذّامي الذي يحمل عنوان النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافيّة العربيّة. ويتحدثّ الفصل الأول فيه عن مرحلة ما بعد الحداثة.      

(10) المرجع نفسه، ص 43.  

(11) المرجع نفسه، ص 65.

(12) المرجع نفسه، ص 68.

(13) سورة الحجرات، 13.

(14) عبد الله الغذامي، القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة، ص 74.

(15) المرجع نفسه، ص 85.   

(16) المرجع نفسه، ص 90.

(17) المرجع نفسه، ص 99.

(18) المرجع نفسه، ص 100.

(19) المرجع نفسه، ص 103.

(20) المرجع نفسه، ص ص 104- 105.

(21) المرجع نفسه، ص 105.

(22) المرجع نفسه، ص 110.

(23) المرجع نفسه، ص 112.

(24) المرجع نفسه، ص 118.

(25) المرجع نفسه، ص 129.

(26) المرجع نفسه، ص 153.

(27) المرجع نفسه، ص 155.

(28) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.  

(29) المرجع نفسه، ص ص 155-156.

(30) المرجع نفسه، ص 168.

(31) المرجع نفسه، ص 197.

(32) المرجع نفسه، ص 202.

(33) المرجع نفسه، ص 203.

(34) المرجع نفسه، ص 204.

(35) المرجع نفسه، ص 205. 

(36) المرجع نفسه، ص 207.

(37) يمكن الرجوع، بهذا الصدد، إلى كتاب الغذّامي الثقافة التلفزيونيّة: سُقوط النُخبة وبُروز الشعبي.

(38) عبد الله الغذامي، القبيلة والقبائليّة أو هويّات ما بعد الحداثة، ص 225. 

(39) المرجع نفسه، ص 233.

(40) المرجع نفسه، ص 245.

(41) المرجع نفسه، ص 260.

(42) المرجع نفسه، ص 269.

*********************************

 أكاديميّة وكاتبة من الجزائر*

[email protected]

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...