الرئيسية / قضايا واراء / لحسن الحميدي*يكتب :الدولة فى خدمة الدولة

لحسن الحميدي*يكتب :الدولة فى خدمة الدولة

 

 

الدولة مفهوم ملتبس دائما، ومستعص على الفهم، خاصة في الحالة المغربية حيث يفاجئنا الفاعل السياسي المغربي باستمرار بتصريحات حول الوجود المزدوج لسلطة الدولة.المتتبع بالعين الدارسة يعلم أن هذا الأمر ليس مفاجئا، فلقد وسم الفقه السياسي بالمغرب  منذ الاستقلال، وعرفه الفقه القانوني منذ نضوجه في بدايات القرن العشرين خاصة مع هانس كلسن .

للدولة وجه ظاهر وآخر خفي، تماما كما جبل الجليد.أعلم جيدا أن هذه العبارة لا تخلو من تهويل، لكن الدولة تحب دائما أن يلتصق بها هذا الطابع العجائبي”الليفتاني الهوبزي” ،الأمر خال من أي تهويل. إن المقاربات الأكثر تشاؤما في تحديد مفهوم الدولة تميل لتحديدها بوصفها السلطة الحاكمة، بما هي أشخاص ومؤسسات نواجهها في الإعلام وخلال المواسم الانتخابية والتقارير الدولية ،”عذرا هيغل لم يعد لدولة العقل  وجودا بيننا”،تصبح ذاكرتنا حبلى بصور هؤلاء الأشخاص ذوي البطون المنتفخة واللاهتون وراء السلط بكل ميكيافيلية  سواء ممثلو الأغلبية الحاكمة أو المعارضون المتربصون الحاقدون والذين ينكرون كل شيء بكل بيرونية .

يمكن القول أن هؤلاء يمثلون ما يمكن أن نسميه السلطة الظاهرة للدولة.ولكن في المقابل هناك سلطة خفية لا تحب الأضواء،تحافظ على طابعها الخرافي تحت غطاء المصلحة العليا للوطن وأعمال السيادة والسلطة التقديرية…وهي عادة ما لا تتجسد من خلال الأشخاص، بل من خلال الآلهة والأسطورة والتماسيح والعفاريت….

هكذا تبدو الدولة سلطة سواء في ظاهرها أو في باطنها مقابل الشعب، “حاكم ومحكوم” تجمعهما علاقة غير متوازنة ولا يمكن أن تكون كذلك حتى في أعتا الديمقراطيات، فالمحكوم وبعد نضال طويل ضد حالة اللادولة والفوضى، يبدو الآن أكثر تقبلا للسلطة، تعاقدية كانت أو متسيدة ميتافيزيقية أو ميتولوجية… الكل في خدمة الدولة ولم يحصل أن انقلب الأمر.يبقى الأهم هو أن لا نكون أمام الفراغ أو اللادولة أو دولة فاشلة، الكل يقوي هذا الكائن المتعالي ويجعل هذه التراتبية أفضل ما يضمن الاستقرار وباكورة المجهود الإنساني المتمدن.

كل ذلك يبدو منطقيا ومن دواعي الضرورة الواقعية،فالدولة حاجة -بالمعنى الخلدوني للكلمة- لكن شكلها ومضمونها وطبيعة السلطة الحاكمة يبدو أنه مرتبط  بالسيرورة التي قطعها كل سياق في التحرّر.ومادامت حاجة، فهناك ضرورة لوجود خدام حقيقيين وتلقائيين. ولما كان هناك مستويين للسلطة داخل الدولة الأولى ظاهرة والثانية خفية،  فخدامها أيضا نوعان خدام سلطة الظاهر وخدام سلطة الباطن :

خدام سلطة الظاهر: وهؤلاء يؤدون الأدوار الاقتصادية والسياسية، فاقتصاديا يعملون على تحريك الدينامو الاقتصادي كعاملين وكمستهلكين في نفس الوقت،يتحملون التوحش الليبرالي والأعباء الضريبية ويتمتعون بالعطلة يسعون لتحقيق أمنياتهم الصغيرة في إطارات محددة سلفا. أما سياسيا يؤتتون المشهد الانتخابي في المواسم الانتخابية ويكرسون ستاتيكية السلطة.هؤلاء يؤمّنون الثروة الاقتصادية للبلد بطريقة “تايلورية”  تقنوية تلغي الوعي وتجعل الكل في خدمة الفكرة الهلامية للمواطنة. ما هذا المشهد الدراماتيكي لهؤلاء الخدام الأشقياء “يبدو أن نيتشه  بفضل من يخبرنا بهذا الأمر”.يتأرجح هؤلاء الخدام إذن بين تقنوية اقتصادية وتقنوية ديمقراطية.

وخدام سلطة الباطن: يحافظون على التوجهات الإيديولوجية الضامنة لدوام الحاكم سواء كان فردا أو مجموعة من الأفراد، والذين يجنون الثروة المادية والرمزية.ومن أجل أن ينجحوا في المهمة لا بد أن يبقوا خارج القانون المعلن لصالح قانون خفي.وهذا أمر في غاية الأهمية يستمد مشروعيته من ضرورة وجود ثوابت تخرج بطبيعتها من أي رقابة.حفاظا على قوة الدولة وتميزها، لنستعر ما قاله “ماكس فيبر” في هذا الشأن إنها الوظيفة الحصرية للدولة.

هل يضر الدولة وجود هذا الجانب الخفي؟ الحقيقة أن هذا الأمر هو ما دفع في اتجاه نضوج فكرة القضاء الإداري بفرنسا مثلا، حيث يمكن الحد من استغلال مقولات المصلحة العامة والسيادة للمس بمبادئ معيارية للديمقراطية، بما هي ديمقراطية تجعل الدولة نفسها الخادم الحقيقي للجميع.

وهل يسع هذا القلب في الأدوار؟ من المستبعد دائما أن يسأل الناس ماذا قدمت الدولة لهم، والحال أن السلطة الخفية تكرس مقولة ماذا قدمتم للدولة.

هناك تقاطعات واضحة بين خدام الدولة بصنفيهم. فكلاهما في خدمة الأجندة غير المعلنة المتمثلة في الاستمرار مهما كلف الأمر ذلك.إلا أن السلطة الظاهرة يخدمون تحت تأثير الواجب الأخلاقي، أما خدام سلطة الباطن فهم تحت تأثير الامتيازات وعدم الخضوع للقانون المشرّع.

من عيوب هذا النموذج غياب النموذج،بمعنى، الذي يسعى لخدمة أجندة خاصة لا يهمّه الاختيارات الكبرى لشكل الدولة الذي نريد، هل هي دولة الحق أم دولة النفع؟ دولة دينية أو دولة مدنية؟ بل يمكن أن تجد داخل هذا النظام تخبطا مستمرا في الاختيارات، لأن ضابط التمييز هو الحفاظ على الأوضاع القائمة.فإذا كانت الحاجة لخطاب ديني، يتم استدعاؤه للتوظيف السياسي، وإذا كانت الحاجة لخطاب مدني يمكن أيضا استدعاء ما لا حصر له من المقولات في هذا الشأن ،إنها “ميكيافيلية” خالصة وعمياء.

هذا الوضع لا يقلق بالشكل الذي قد يتصوره البعض. فطبيعة نظام الدولة نفسه يفرض أن تكون مزدوجة الرِؤى والمصالح.فهي الضامن للاستقرار عبر الخدام الأشقياء وفي نفس الوقت الضامن لوجودها الخاص عبر خدامها الأوفياء.

يبدو أن الاشتغال على مفهوم خدام الدولة هو اشتغال على مفهوم الدولة نفسه.وهذه ضرورة منهجية للمقبلين على مقاربة هذا الموضوع.ولما كان في المغرب هذا المفهوم يحتاج للحفر كالكثير من المفاهيم الأخرى في الحقل السياسي، فإن أي مظهر من مظاهر الدولة عندنا قد يبدو غير واضح وغريب.

ولنزع الطابع الغرائبي لمفهوم الدولة  حاول “عبد الله العروي” مقاربته خاصة الدول العربية والإسلامية، حيث اعتبر أنها دول لم تقم على نظام أخلاقي موضوعي، بقدر ما قامت الدولة على فكرة الإخضاع بالقوة. وأمام هذا التصور التاريخاني كان لا بد للدولة أن تستعين بخدام أشداء على الناس رحماء بينهم وبين السلطة المركزية. صحيح أن السلطة لم تكن خفية أنداك، بل كانت تعلن صراحة نزعتها التأديبية العنيفة، لكنها الآن، أصبحت تتخفى شيئا فشيئا محافظة على بنيتها المخزنية ذاتها، مع تحول طرقها نحو طرق أكثر مرونة وانسجام مع العالم الرقمي الذي شهد ولادة غير متوقعة وغير طبيعية. ولادة شعب افتراضي زاد الأمر تعقيدا وتشتيتا،جعل الدولة أمام اختبار عسير  لإظهار قدرتها على الاستمرار. يسود انطباع أن هناك مضايقات جديدة للدولة عبر العالم الرقمي لكن بالقدر الذي تبدو معه بزوغ  قوة شعبية رقمية صاعدة، بالقدر الذي جعل الدولة أمام مهمة أكثر يسرا، حيث أصبحت مهمة التأثير بسلطة التأديب المعنوية أشد وأكثر فعالية من خلال التوفر على آليات تكنولوجيا للضبط  والتحكم في الاتجاهات والأذواق بل وفي مواضيع النقاش وإعادة ترتيب سلم الأولويات .

لقد استلزم الأمر بكل بساطة خدام جدد “لسلطة الباطن”.خدام رقميون زادوا من عجائبية الدولة وقوتها عبر تهريب النقاشات العمومية الحقيقية للهوامش وخلق مواضيع تكرس استمرار النموذج.فالجيوش الفيسبوكية والمواقع الإلكترونية بقدر ما يسّرت النضال من أجل التغيير بقدر ما جعلته مهمّة افتراضية وفردية فيها الكثير من الخمول والانتظارية.

الدولة اليوم ،دولة افتراضية توجد في مواقع التواصل الاجتماعي تحمي نفسها من أي توغل لخدام أشقياء نال منهم تعب الخدمة ومرارتها بواسطة خدام جدد أوفياء، فهي من يحدد ساحة المعركة الرقمية، وهي من يوزع الأسلحة على خصومها، لتستمر في التفوق على الجميع وليستمر خدام الدولة ويستمر الطابع العجائبي للدولة.

لكن الأهم، هو أن الدولة -وفي كل الحالات ورغم تغيّرات السياق- تبقى وفية لنفسها تخدم ذاتها وتقوي من امتدادها في الزمان والمكان، تشرع لنفسها بالقدر الذي يجعلها غير خاضعة للتشريع نفسه،لأنها تعلم أنها الاختيار الأقل سوء.

***************************

*باحث في القضاء الإداري-المغرب

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسينن*يكتب:أشباح الماضي أم الحاضر ؟.. الواقع والتخييل

  -1- -مقدمة: بداية العصر الحديث “السنة الرائعة ” لقب أطلقه الإسبان على سنة (1492) ...