الرئيسية / أخبار ثقافيه / الباحث لحسن الحميدى يكتب *:الإسلام السياسي و ثنائية الروح والجسد

الباحث لحسن الحميدى يكتب *:الإسلام السياسي و ثنائية الروح والجسد

 

 عندما ينسى الفكر الإسلامي قيمة الفن

         يحيل الإسلام السياسي إلى مفهومين متعارضين من حيث المبدأ.ذلك أن الإسلام بوصفه اعتقاد انعكاس لمستوى نظري ميتافيزيقي متعال ومطلق بطبيعته، مقابل السياسة كمستوى عملي إمبيريقي واقعي ونسبي.هذا التقابل والتباعد تحوّل إلى لقاء حميمي في عصرنا الحالي.حيث بات يشكل الإسلام الإطار النظري والمورد الروحي لأي فعل سياسي، بحيث يرسم حدوده ومضمونه ويحكم على صلاحيته.ويبدو أن تحوّل هذه الثنائية إلى شعار للعمل السياسي جعلها تلعب دورا إيديولوجيا فائق التأثير على جذب القواعد المنهكة الجسد، بفعل قسوة الرأسمالية[1]، التي تمجد الانصراف للعمل والإنتاج وتترك بياضات مهولة على مستوى المطلب الروحي والنفسي.

         يمثل بذلك الإسلام السياسي الجواب الأكثر إرضاء للأطراف، حيث يمكن الجمع بين الجسد كموضوع للإنتاج والشهوة و التسليع… والروح كبعد لا مادي وكمطلب طبيعي يمكن الجسد من إيجاد المناطق الآمنة.ويمكن هذا الأمر من نزع فتيل التوترات النفسية والاجتماعية أو الإحساس بالذنب وتعقّب العيون الاجتماعية التي لا ترحم ،حيث يتحول -بفضل هذا الانتماء الجديد- يتحول الفرد من منتم للدولة-الأمة إلى منتم للدولة-العالم كما يعد بذلك الفكر الإسلامي المعاصر.ليشكل بذلك بديلا عن ما يعيشه المسلم من إحباط ووعد بالنصر والتميّز.

إن هذا الجمع الذي نادى به بعض الفقه الفلسفي خاصة مع “طه عبد الرحمان”[2]، لا يشبه في شيء الجمع الذي قام به “اسبينوزا”[3]؛ الرافض للبعد الميتافيزيقي السابق على الوجود أو الفصل بين الجسد والروح؛ بين الإله وامتداده الطبيعي.لأن هذا التخريج “السبينوزي” كان قد أجاب على إشكالية عويصة لم يستطع الفكر الإسلامي الإجابة عنها.وهي هذا التوتر بين السقف العالي والمتعالي للمقتضى الديني من جهة ،وبين مطلب الجسد من جهة ثانية.عند “اسبينوزا” لا وجود لوصاية سابقة على الفكر وإلا تحول الفكر نفسه إلا اللافكر أو إلى فكر معطل.

يؤسس الاجتهاد الفقهي في إشكالية الثنائية خاصة ما يسمى الفكر الإسلامي المعاصر[4] لنظرة غاية في البساطة والتسرّع في اعتقادي.فنجد أنه من أجل الخروج من ورطة التوتر الحاصل بين الروح الجسد،يلجأ للتمييز بين مستويين نظام الإله ونظام اللاإله. فالأول هو المطلق بطبيعته المنزّه عن التنسيب، والثاني هو مجال الفعل الإنساني المعرّض دائما بحكم الحجر الإلهي للعقاب والتوجيه…لا مجال هنا للحديث عن التماهي الواضح بين التصور الأفلاطوني لتنائية الروح والجسد والتصور الذي أقامه الفكر الإسلامي وحتى في أزهى أيامه خاصة مع ابن مسكويه [5]من خلال كتابه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”.

بهذا المعنى يؤسس هذا الفكر لبداهة منهجية ينطلق منها للجمع بين الروحي والمادي.تتمثل هذه  الضرورة في انسجام المقتضى الديني مع الواقع وليس العكس.وإذا حدث تعارض ما، فمجال التعديل هو الواقع رغم وجاهته أحيانا. فالمفروض أن ما يأتي به الدّين ينبغي أن يعبّر عن أحوال الناس بمقولات يعرفونها،لأنه الأصل المعرفي المطلق، وإذا حدث أمر مستجد فهذا من فجورهم “تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور”[6].

لكن هل يمكن للبشر أن يعيشوا على وقع التحكّم والوصاية إلى هذه الدرجة.؟ أيّ عقيدة هذه التي تفصل بين المرء ونفسه.

أن يعيش الإنسان بعدين متلازمين فهذا ما يمكن أن نسميه اسكيزوفرينية مهولة.الشيخ يتصابى ويغامر جنسيا لأنه يفصل بين حياة المشيخة كأمر إلهي وحياته الجنسية كمطلب جسدي.تماما ما نشهده من مسافات فاصلة بين الفعل والقول لدى الإسلام السياسي؛ فالشرط الواقعي يفرض تدريس الأبناء في مدارس البعثة الفرنسية والمهمة الحكومية تقتضي حماية الهوية والأمثلة عديدة….

هذا الانحراف هو ما ينتج الإيديولوجية الإسلامية أو إيديولوجية الإسلام السياسي، حيث تبدأ عملية القلب.ولعل أشد أنواع القلب هاته هي حينما يتم استدعاء المقتضى الديني المقدّس لتبرير فعل واقعي مدنّس.كما يقول “ولفرد كانتول”[7] في حديثه عن معنى الدين وغايته حيث يعتبر أن الإسلام ليس له جوهر، وأن هناك مسلمون يغيرون إسلامهم كل صباح.

يبدو أن الدين بهذا المعنى يتحول إلى أداة للتلاعب وتحقيق المآرب الخاصة، خاليا من كل قيمة جمالية،وهو أيضا مجموعة من الأوامر التي تبسط وصايتها على الجسد والميول والإبداع.وهي إما تنزله مرتبة الخنافس والديدان كما يقول ابن مسكويه أو ترفعه حين يتخلص من مطالب الجسد و يتماهى مع الروح، إلى كائن طهراني أو لنقل تحوّله إلى إله صغير.

يتحول الإنسان إذن، إلى كائن ديني حصرا، عابس الوجه ينتظر الموت ويتذكرها في كل لحظة أو يشرّع للقتل ويفرح له.

هل فشل الفكر الإسلامي في احترام قيم الحب والجمال؟

نسيان الفن في الفكر الإسلامي

لم يعرف على الفكر الإسلامي سواء في انشغالاته السياسية أو غيرها، اشتغاله بالشكل الكافي على الجماليات إلى درجة هناك من يعتقد أن الأعمال الفنية والآثار الإبداعية للمسلمين وصلتنا بدون فلسفتها[8].هل يثبت هذا الأمر غياب القيم الإنسانية الراقية للفن والفرح؟ أو بصيغة أخرى هل نسي الجسد في الفكر الإسلامي؟

فراغ التصور الإسلامي من الفن أو ما اصطلح عليه بنظرية الفراغ[9]، هو خاصية الفكر الإسلامي. فالفنون التي عرفها المسلمون كانت شكل من أشكال استمرار أثر الحضارات المغلوبة السابقة على الإسلام، أو التي انفتح عليها حينما نما واتسع جغرافيا.رغم وجود بعض الأصوات التي حاولت أن تجد دلالة خاصة للفن الإسلامي كما هو الحال بالنسبة “لنيتوس بيركهات” في كتابه “فن الإسلام اللغة والمعنى” حيث يؤكد على القيمة الرمزية للفن الإسلامي المتراوح بين الظاهر والباطن والجوهر والعرض…

إلا أن هذا القول نفسه تأكيد لما قلناه عن ثنائية الروح والجسد واستيلاب الروحي والرمزي لقوة وحضور الجسد.فالثنائيات التالية: الإسلام والسياسة؛ والإلهي واللاإلهي، لا تطرح إلى جانب بعضها البعض في تفاعل تفرضه الطبيعة والضرورة، وإنما يتم طرحها على أن الأولى هي دائما بديلة للثانية.فالإسلام هو الحل والرمز يعوض المادة والروح تلغي الجسد.

إن الفكر الإسلامي الذي حاول تبرير هذا الهجوم المستمر على الامتداد والمادة، انطلق من سؤال -يبدو من وجهة  نظرنا- غير دقيق وشوفيني بعض الشيء، وهو ما الذي يجعل من الفن فنا إسلاميا؟

يشير “إسماعيل الفاروقي”[10] مثلا،أن الفن في الإسلام ينبغي أن يتمثل الطبيعة في العمل الفني بما لا يبدو طبيعيا، أي اتّباع أنماط تعبير تخالف الأنماط الطبيعية قصد التنبيه إلى أن الطبيعي لا يعني ولا يساوي الحقيقة.وهي الطريقة السامية في التعبير على حد قوله.

والهاجس كما يبدو هو فكرة التوحيد؛ وفصل الطبيعة عن الذات الإلهية المتعالية؛ وخطيئة الخلط بين الخالق والمخلوق.وإن كانت محاولة “إسماعيل الفاروقي” مهمة لإعطاء دلالة ما للفن الإسلامي ودلالة للجمال، إلا أن هذا المجهود يحمل هواجس تمييز الفن الإسلامي عن الفنون الدينية الأخرى خاصة المسيحية واليهودية، التي سقطت في التجسيم ولم تفصل الامتداد المادي للطبيعة عن وجود الإله.إن هذا الأمر جعل الفن مجال للتدين والأوامر الإلهية مع العلم أنه مجال للحرية بالأساس حيث يمكن للذات أن تعبر عن خوالجها دون الخضوع للتقنوية المفرطة وقساوة اليومي ومادّيته المفرطة .

إن موقف الفقه الإسلامي من الفن سيدفعنا للقول بما قال به “عبد الرحمان بدوي” والذي ينفي وجود الفن الإسلامي بسبب ما ادعاه من التناقض  بين فلسفة الفن الذاتية وروح الإسلام الموضوعية.وهذا التناقض بارز في الصورة التي يحملها الإسلام السياسي حول الفن بوصفه انحراف إنساني عن التعاليم الدينية.لكن هذه المقولة طبعا هي تأويل خاص في النهاية حاول دحضه بعض المشتغلين على هذا السؤال خاصة “أحمد فكري”[11].والذي انشغل كثيرا بالرد على المستشرقين الذين ينكر وجود فلسفة للجمال في الإسلام.

ونظن أن غياب التوجه؛ وانشغال الإسلام السياسي بالمواقع السياسية وهواجس الحكم؛ جاء متسرعا وقبل إيجاد أجوبة مقنعة حول علاقة الروح بالجسد وقيم الجمال والموقف من السينما والرقص والموسيقى…

إن النسيان بالمعنى الهيدغري لتيمة الفن وقيمة الجمال خاصية طبعت الفكر الإسلامي، رغم الأصوات القليلة التي حاولت تجاوز هذه الورطة، وهذا نجد له بعض التبريرات من قبيل:

  • غياب التناول الجاد لدى معظم الفكر الإسلامي مردّه عدم الحسم في الأسئلة ذات الأولوية المتعلقة بطبيعة المقتضى الديني عينه، من حيث بنيته وصلاحيته والحسم في موقع الدين من الدولة.
  • غياب نموذج معرفي واضح المعالم والمنهجيات تقارب الموضوع بأسلوب علمي ينسجم مع طبيعة الفكر المعاصر، والذي تطبعه حاليا ردود أفعال رومانسية نتيجة حالة الإشباع والتأفف من الحداثة ونتائجها.
  • حداثة الفكر الإسلامي بالمقارنة مع الفكر الديني في اليهودية والمسيحية والذي استفاد من محصلات النتائج العلمية المهمة على المستوى الأنتروبولوجي والعلوم الإنسانية عموما.
  • عدم جاذبية تجارب الدولة الإسلامية والتي اتخذت من الإسلام شعارا لها.والتي تبدو مريبة وخارج السياق الحضاري العالمي.

 

 لكن هل هناك ممكنات للخروج من هذا التوتر؟

ممكنات مصالحة الروح والجسد في الفكر الإسلامي مناط بحث ضروري في هذا الإطار.فكما اشرنا سابقا[12]، الفكر الإسلامي بنيوي بطبيعته يتخارج انطلاقا من إمكانياته الخاصة، وهذا أمر يبدو واضحا حتى من خلال الأبحاث العلمية[13]، والتي تعترف بحقيقة مؤداها أنه عندا يتم توجيه السؤال للمهاجرين المسلمين من أنت فأول ما يقوله هو أنه مسلم.وهذا يعني أن الهوية تتحدد من خلال الانتماء الديني لا من خلال فكرة المواطنة.

يستتبع هذا الأمر مسألة أساسية ،هي أن الفكر الإسلامي ورغم ما عرفه في بعض فتراته المضيئة، والتي تمكن من خلالها إعطاء قيمة أكبر للبعد الجمالي والمطلب الجسدي والميول[14].

رغم ذلك، وعلى أهمية هذه الأعمال، تبقى خارج سياقنا وكان أغلبها امتداد طبيعي للفلسفة اليونانية على الأقل في العصر العباسي؛ ووجدت هذه الأعمال حرجا كبيرا في مساءلة النص القرآني كنص مطلق ومتعال. كما أن المجهودات المعاصرة في هذا الباب سعت  من خلال محاولات التحديث إلى تحقيق ثلاث  تحديات أساسية-تبدو متجاوزة وإيديولوجية- وهي أسلمة القيم؛ وأسلمة المعرفة؛ وأسلمة الدولة،مما عبّر عن هواجس دفاعية أمام وجاهة الأجوبة التي يقدمها الغرب.

إن أسلمة الجمال حوّله إلى قبح. فلم يعد ممكنا تقبّل الأجوبة التي قدّمها الفكر الإسلامي المعاصر، خاصة فيما يتصل بثنائية الروح والجسد وقيم الجمال ودلالة الفن، أمام انتشار المعرفة ودمقرطة الولوج إليها.

هناك حركة موضوعية للفكر العالمي تتجاوز محدودية التناول الديني سواء كان إسلاما أو غيره.إن الانكشاف الذي تعبر عنه الذات الآن غير مسبوق في التاريخ، نظرا لعولمة المعرفة ونتائجها وإمكانية تفسير الظواهر تفسيرا علميا دقيقا.هذه المعطيات تفرض على فكرنا -حتى لا نقول الفكر الإسلامي لأن في ذلك تحميل الدين أكثر مما يحْتمل-الخروج نحو الإمكانات الكبيرة التي يطرحها الفكر الإنساني اليوم وتحرير الذات من المقتضى الديني، ليس بقصد النفي ولكن بقصد التحرّر والتجاوز بالمعنى السارتري.

لا مجال في اعتقادي للاستمرار في التأصيل لنظرية حول الفن الإسلامي[15]، بل ينبغي استبدال هذا الكلام بإيجاد نظرية في الفن تكون أعمق مما هو مطروح كونيا.ليس في الأمر اندماج أعمى في المنظومة العالمية، لأنه لا وجود لنظرية المؤامرة إلا عندما تكون الأجوبة المقدمة ضعيفة وغير مقنعة.

صحيح أن الورطة اليوم والوتر حاصل لدى الجميع،التوتر عابر للقوميات مخلخل لكل الهويات.لا ننسى أن الفن يعاني بأوروبا -كما في غيرها- بعد تحوّله إلى صناعة تقنية فصلت بدورها بين الإنسان وإنسانيته بين وجوده الأصلي والموجود المحددة على المقاس. لنقلها بشكل أوضح الأزمة شاملة، وليس هناك ما يمنع هذا القول، لأن الفصل الذي تحدثنا عليه وإن استبدلت مسبّباته بالنسبة للعالم الغربي إلا أنه قائم.إن استبعاد الفكر الديني عن مجال الفعل الإنساني العام وتمجيد الإنتاج حلّ محله فكر أكثر وثنية ودوغمائية وهو الفكر العلمي،وهذه خاصية العالم اليوم.إن أشكال المعْيرة هاته هي ما جعل الفينومينولوجيا تجد مكانا مريحا داخل الفكر الفلسفي في بداية القرن العشرين.لقد أفرز الدّين الجديد -أي العلم- التصاقا غير مسبوقا بفكرة الضرورة والحتمية تم بعد ذلك فتح النسق الفني كما فتح النسق العلمي وفقد معناه.يبدو أن كل قرن يعكس بنية الأشكال الفنية والحرية والتخلص من التقنوية كما يرى العلم ذلك أو كما ترى الثقافة المعاصرة الواقع[16].

العودة إلى الذات مطلب كوني إذن، ولا بأس أن نذكر بالفلاسفة الكلاسيكيين عندما درسوا الفنون الرمزية، و أكدو على قوة العنصر الذاتي في تأويل العمل الفني.حيث التفاعل يكون بالمواجهة المباشرة بين قيم الجمال الكونية وكما تدركها الذات أمام عمل فني يعلم صاحبه أنه لن يكتمل أبدا، إلا بحضور هذا التأويل الذاتي.فلا وجود لعمل كامل وفق استراتيجيات مسبقة ومعايير محددة.هذا هو التنسيب الذي أفصح عنه أفلاطون –مثلا- حينما لاحظ أن الرسام  ينجز عمله محترما زاوية نظر المتلقي.

لذلك كله، لا يمكن أن نلغي الذات -بهذه الطريقة الساذجة -خاصة عندما نستسلم ونخضع لسلطة الدين، الذي لا يقبل انطباعاتنا الذاتية حول العالم إلا إذا كانت مؤسلمة.

عندما بدأنا ننظر للكون من وجهة نظر “كوبرنك” انتهت إلى الأبد فكرة المركزية والثنائيات المجحفة.فليس هناك تصور وحيد مثالي ومعياري للكون.بل هناك ما يمكن أن نسميه كشوفات دائمة لعوالم جديدة، بدون تقييدات سابقة. لكن هل معنى هذا أننا سننحدر إلى حالة الفوضى؟ و بالمثل هل يعني عدم قدرتنا على تحديد أنماط سلوك الجسيم في الفيزياء المعاصرة يعني فوضى الطبيعة؟

قد يتعلق الأمر بما تسميه الفينومينولوجيا الالتباسات الإدراكية.يقول هوسرل:

“كل حالة من الحالات الوعي تتضمن وجود أفق،يتغير بتغير صلته مع غيره من الحالات…وفي كل حالة ومرحلة يحمل معنى جديد يرتبط بالاحتمالات الإدراكية الأخرى …”[17]

ويطرح ميرلوبونتي سؤالا دقيقا بهذا الشأن حينما يقول:كيف يمكن لشيء لا يكتمل تركيبه أبدا أن يتجلى لنا؟ تم كيف لي أن أكتسب الخبرة بالعالم كفرد يدفع وجوده في وقت لا يمكن فيه للرؤى والمفاهيم التي أحملها أن تستوعبه وتبقي الأفق فيه مفتوحا دائما؟[18]

هذا التساؤل هو رصد لحالة التنسيب الذي يطبع إدراكنا للعالم، وضرورة تجاوز الضرورة والحتمية والتي يبدو أنها ضد الطبيعة.انطلاقا من هذه الرؤية، الدّين لا يقدم للذات إلا إدراكها هي، لما تعتقد أنه دينا ومطلقا، وإذا اعتبرته كذلك، عبرت عن إدراك محدود للعالم وللطبيعة وللاحتمالات ونسيت ذاتها.

ليس هناك مجال للامعنى بهذا المعنى،فالأمر يمكن تشبيهه بقاموس يقدم لنا آلاف الكلمات التي يمكن أن نستخدمها بحرية لنظم الشعر[19]،وبطرق غير متوقعة.وبذلك فالقاموس مفتوح بوضوح أمام تركيب مادته الخام بالصورة التي تراها الذات المعالجة.وطبعا هذا التصور لا يمنع من وجود هوية للخطاب المنتج في كل المجالات، مادام ينطلق من الإدراكات الوقعية والتي تخبرنا بالمعاني الموجودة سلفا.

 

     وكخريج عام، يمكن القول أن الفينومينولوجيا تعد بديلا مهما لما يمكن أن يفرضه التصور الديني من توجيه وتحكم، يتنافى مع الطبيعة الإنسانية التي تشرئب للحرية والانفتاح وعدم التقييد الذي يصر الإسلام السياسي ومعه الفكر الإسلامي عموما، أن يرتكب حماقة التحكم في اللامتحكم.لا مجال للفصل بين الجسم والروح بين الظاهر والباطن ليس تمة تباعد بين هذه الثنائيات بل ليس من المرجح إدراكها إلا بالوصل بينها.

    إنها الفلسفة، حيث الخطاب المنفتح وحيث لا يمكن الجزم بالنهائية والواحدية التي مست بالدين وخاصة الإسلام.الخطاب الفلسفي دائما ما يتوقع وجود خطابات مختلفة وهو قابل لدمج التغيرات التي تفرضها السيرورة دون تحديدات سابقة على الفعل.

    إن تعدد الخطاب الفلسفي واستعداده الدائم للهدم، هو ما يجعله البديل الأكثر أمانا للخطاب الديني المنغلق.الفلسفة ولنقلها بكل ثقة أفضل ما يعوّض الإسلام السياسي.

[1] – ميشيل فوكو “تاريخ الجنسانية” ترجمة محمد هشام منشورات إفريقيا والشرق الأوسط2004الصفحة 7.

[2] -يؤسس طه عبد الرحمان للنظرية الأخلاقية الإسلامية و مبدا التعقل والتخلق من خلال مختلف أعماله ،حيث يعمد طه عبد الرحمان إلى الربط بين هذين المبدأين التعقل والتخلق لوصل الإنسان بمرتبة العبادة، فمتى وصل العقل إلى مرتبة التعبد طمع في تحصيل المعية الإلهية أثناء سعيه من أجل ترسيخ الذات الإنسانية وتصير بذلك حركة الإنسان في الكون – بفضل العبادة- امتدادا لتأمله في العلم الحسي الطبيعي وصارت الحسيات عنده معاير للعقليات، فالعبادة همزة وصل بين النظر والفعل وبالتعبير الطاهائي “مجال الاعتبار” فنقتضى الاعتبار إذن هو العبور من أحكام النظر إلى أسرار العبر، فيكون المعتبر هو من يرى الظواهر على أنها آيات، وبنسب السيادة على الكون إلى صاحب هذه الآيات.”

[3] -أشرف منصور “اسبينوزا ونقد العقل الخالص دراسة لنظرية كانط في المعرفة والميتافيزيقا في ضوء فلسفة اسبينوزا” رؤية للنشر والتوزيع الطبعة 2013 الصفحة 92 وما بعدها.

[4] -الفاروقي إسماعيل “التوحيد ومقتضياته في الفكر والحياة”للتوسع في الموضوع يمكن الضطلاع على مقال بلال التليدي ” النموذج المعرفي لنقد الأديان عند الفاروقي”بمجلة الفكر الإسلامي المعاصر 2013 العدد 74.

[5] – تهذيب الأخلاق هو دليل للسلوك العملي كتبه الموسوعي الإيراني الشهير ابن مسكويه (توفي عام 1030). يُعد هذا العمل مساهمة أساسية في مجال علم الأخلاق, وتترسخ جذوره بقوة في الفلسفة اليونانية بدلاً من النصوص والتقاليد الإسلامية. يقدم ابن مسكويه في كتاباته الفلسفية حججاً منطقية بدلاً من الحجج الدينية. وكثيراً ما يَذْكر المؤلف أرسطو، وذلك في تناوله للطبيعة البشرية ومتطلبات السعادة والحياة الفاضلة، على الرغم من أن العلماء غالباً ما يربطون ابن مسكويه بالطرق الأفلاطونية المحدثة. يُصنَّف ابن مسكويه في بعض الأحيان ضمن فلاسفة العصور الوسطى الشيعة، ولكنه اشتهر على أمتداد العالم الإسلامي، وتقف هذه النسخة التي نقحها المحرِّر المصري عبد العليم صالح شاهداً على ذلك، وقد أهدى المحرر العمل إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والحاكم المصري عباس حلمي باشا (1874- 1944). كذلك تحتوي هذه النسخة على مقدمة كتبها أحد فقهاء الأزهر البارزين، مما يُعد شهادة أخرى على مدى تأثير ابن مسكويه في العالم الإسلامي. نُشر العمل في القاهرة في مطبعة الترقي. هذه الطبعة لا تُعد مهمةً من ناحية تناولها للعمل الأصلي, وإنما تعطي انطباعاً بأنها كانت جهداً شخصياً، وأنها ربما نُشرت للتقرب إلى البلاط المصري. كان ابن مسكويه رجلاً متعدد الإنجازات — فقد كان أمين مكتبة وموظفاً بالبلاط ونديماً للأمراء ومؤرخاً وطبيباً وفيلسوفاً. كذلك راسَل ابن مسكويه أو رافق فكرياً العديد من المفكرين العظماء في ذلك الوقت، مثل أبو حيان التوحيدي (توفي عام 1023). وقد عاش ببغداد عاصمة الدولة العباسية وأحياناً أخرى في كنف أمراء آخرين بالمدن الفارسية، وذلك وفقاً لتقلبات السياسة وحظوظ مهنته. يُعرف كتاب تهذيب الأخلاق أيضاً بعنوانه الفرعي تطهير الأعراق. وقد نالت كتابات مسكويه التاريخية والفلسفية الكثير من الاهتمام من قِبل علماء العصر الحديث.

[6] – من بين القواعد الأصولية الهامة التي توقف عندها علماء الأصول مليا قاعدة ” يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الفُجُورِ ” [ هذه القاعدة مشهورة ومتداولة في كتب الفقهاء وبعض الأصوليين ، وخاصة لدى فقهاء المالكية ، انظر في ذلك : متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ص 131، المنتقى شرح الموطأ للباجي 6/46 ، البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (1/130- 131) ، تحقيق محمد محمد تامر، البهجة في شرح التحفة لأبي الحسن التسولي1/324 ضبطه وصححه محمد عبد القادر شاهين ، شرح الموطأ للزرقاني 2/204] ويعتقد أنها تنسب للخليفة عمر بن عبد العزيز.وتتعرض لأنتقادات واسعة خاصة أنها تعكس تحامل الفقه على الفعل الإنساني بوصفه فعلا قاصرا على الإطلاق.

[7] – الإسلام في العصر الحديث لمؤلفه ولفرد كانتول سميث مدير معهد الدراسات الإسلامية وأستاذ الدين المقارن في جامعة ماكجيل بكندا، حصل على الدكتوراه من جامعة برنستون سنة 1948م تحت إشراف المستشرق هـ. أ.ر. جب الذي تتلمذ عليه في جامعة كمبريدج وهذا الكتاب يدعو إلى التحررية Liberalism والعلمانية Secularism وإلى فصل الدين(*) عن الدولة.

[8] -حسني إيناس “أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة” بيروت دار الجبل للطباعة والنشر 2005 الصفحة 12.

[9] -إدهام محمد حنش “نظرية الفن الإسلامي عند المفكر اسماعيل الفاروقي” مقال منشور في مجلة الفكر الإسلامي المعاصر الطبعة الأولى العدد74 الصفحة 119.

[10] -إسماعيل راجي الفاروقي (1921 – 1986م) هو باحث ومفكر فلسطيني تخصص في الأديان المقارنة، من أوائل من نظروا لمشروع إسلامية المعرفة، وقد انتخب أول رئيس للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقد قتل برفقة زوجته لمياء الفاروقي ليلة 18 رمضان 1406 هـ الموافق 27 مايو عام 1986م بالولايات المتحدة الأمريكية طعنًا بالسكاكين. خلال إقامته في الولايات المتحدة عبّر من خلالها عن تواصله مع قضايا العالم الإسلامي وبخاصة المعرفية منها، وبرهن على أن الارتحال عن الوطن لا يعني انفصالا وانقطاعا عن متابعة قضاياه والعمل لأجلها، وفي هذا الصدد نذكر أنه قد أسس مع مجموعة من أعضاء اتحاد الطلاب المسلمين “جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين” عام 1972م وتولى رئاستها منذ تأسيسها وحتى عام 1978م، ومن خلال الجمعية ونقاشاتها تبلورت لديه رؤية محددة حول “إسلامية المعرفة” وهي الفكرة الأم التي تأسس حولها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة عام (1981م)…

[11] -من أهم الأعمال التي قدمها في هذا الإطار “مساجد القاهرة ومدارسها”حيث حاول تجاوز التشويش الاستشراقي على فشل الإسلام في تأسيس نظرية واضحة حول الفن متجاوزا بذلكمقولات من قبل:

أن الإِسلام لم يترك في نفس المسلم مكانًا للفن على الإِطلاق.

وبأن الإِسلام حين حرم التصوير جفف ينابيع فني الرسم والنحت.

وبأن الخوف من اليوم الآخر أورث تضادًا بين الفن والإِسلام.

وبأن فشل العرب في فن الرسم يعزى إلى ذكائهم المحدود…

[12] – لحسن الحميدي “ما الإسلام” مقال منشور في جريدة المساء الصادرة ب 22 فبراير 2016

[13] -لحسن الحميدي” الإسلام في أعين أوروبا مقاربة قانونية وحقوقية لسؤال الهوية الدينية “http://www.marocdroit.com

[14] -نجد عند الفيلسوف الكندي ( 803 م – 873 م ) في مؤلفة عن الموسيقى، محاولة وضع تعميقاً عن التذوق الجمالي للألحان والألوان والروائح. فالألوان المختلفة برأيه مثل الألحان تستطيع أن تعبر عن هذا الشعور أو ذلك وتثيره، كما يوجد بين أنواع معينة من الألوان والألحان من حيث تأثيرها النفسي تشابه معين. وكذلك الحال بالنسبة للروائح التي يعتبرها موسيقى صامته. والموسيقى عند الفارابي(873 م -953 م) تعطي الإنسان السعادة والسرور، المترعرعين في تلك الحدود التي تنمو فيها ثقته وفهمه، وعبر فهمه يكتشف في نفسه الجمال والكمال. وكما يقول ” إن علم الموسيقى ذو فائدة من حيث إنه يرجع توازن التفكير لذلك الذي فقده، ويجعل الذين لم يبلغوا الكمال أكثر كمالاً، ويحافظ على التوازن العقلي عند هؤلاء الذين هم في حالة توازن فكري …”، ويقول أيضاً ” بأن صلة معينة توجد بين الفنانين والشعراء ويمكن القول أن مواد إنتاجهم الفني مختلفة، ولكن أشكال هذه المواد وتأثيرها وهدفها واحد أو على الأقل متشابه. وفن الشعر في الحقيقة يعتمد على نظم الكلمات أما فن الرسم فيعتمد على الشكل والألوان، وهنا يكمن الفرق بينهما إلا أن تأثير هذا وذلك هو واحد يعبر عنه في المحاكاة وهدفها واحد وهو التأثير على مشاعر الناس وحواسهم بمساعدة المحاكاة. “

بينما نجد عند التوحيدي (320-414 هـ) إشارات عن مفهوم الجمال. حيث يضع إصبعه على بدايات علم الجمال المتمثلة في الاستيحاء من الطبيعة التي يعتبرها المعلم الأول للإنسان. والإبداع الفني الكامن في الإنسان والمستنبط من الطبيعة في أصوله المتقادمة قد لا تكفي الطبيعة وحدها كمناخ حقيقي للخصب الفني إذ لابد من توفر ركائز أخرى تسند الطبيعة الأم وتكون متكأ لها، منها الخبرة والطرق العلمية، وتتبع أعمال الآخرين. والطبيعة لا تمثل الخط النهائي لطموح الفنان بل أن الطبيعة محتاجة بدورها إلى الفن، وعلى الرغم من أن الصناعة تحاكي الطبيعة فالطبيعة تتوقف في احتياجاتها إلى الصناعة، والموسيقي إذا صادف طبيعة قابلة ومادة مستجيبة وقريحة مواتية وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس وشاحاً مؤنقاً، وتأليفاً معجباً أعطاها صورة معشوقة، وحليّة مرموقة وقوة في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة، فمن هنا احتاجت الطبيعة إلى صناعة لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحادثة التي من شأنها إستملاء ما ليس لها، وإملاء ما يحصل فيها، استكمالا بما تأخذ، وكمالاً لما تعطي.

كما كان للأفكار الصوفية تأثير على مفهوم الجمال، حيث تقوم الفكرة الأساسية لدى الصوفية إن الإنسان يستطيع أن يتحد في ذات الله روحياً عن طريق الوجد والحياة المتقشفة والتنسك والعبادة الخالصة وتنقية الروح والنفس من جميع الرغبات والشهوات الدنيوية. ومتى ما يصبح في حضرة الذات الإلهية، يدرك أن الجمال الحقيقي هو فيما يرى من نور، وما جمال العالم إلا انعكاسا للجمال الإلهي.

حيث نجد عند الفقيه والمتصوف أبو حامد الغزالي كيف أنه قد جعل الجمال الظاهر من شأن الحواس، والجمال الباطن من شأن البصيرة. ويقول ” ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة. فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يتلذذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها…… ومن كانت عنده البصيرة غالبة على الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة، فشتان بين من يحب نقشاً مصوراً على الحائط بجمال صورته الظاهرة، وبين من يحب نبياً من الأنبياء لجمال صورته الباطنة. “

[15] -يمكن مراجعة في هذا الصدد توفيق سعيد “تهافت مفهوم علم الجمال الإسلامي” القاهرة دار الثقافة 1993.

[16] -أمبيرطو إيكو “جماليات العمل المفتوح”  ترجمة بدر السيد سليمان الرفاعي ،مقال منشور بمجلة عالم المعرفة  العدد 338 أبريل 2007 ص235.

[17] -Edmund Husserel. Méditations cartisiennes. Med.2.par.19 Paris :VARIN 1953.p 39.

[18] -M.Merlaeu-Ponty. Phénoménologie de la perception.Paris .Gallimard.1945 p 381-3

[19] -أمبيرطو إيكو المرجع السابق.

 *****************************

*باحث من المغرب

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...