الرئيسية / د.خديجة زتيلى / د. خديجة زتيلـي* تكتب: محمّد أركون و” نقد العقل الإسلامي”

د. خديجة زتيلـي* تكتب: محمّد أركون و” نقد العقل الإسلامي”

 

الذكرى السنويّة السادسة لوفاة الفيلسوف الجزائري محمد أركون

 

%d8%ae%d8%ae-2

 مقدّمة     

أحدثت هزيمة 1967 التاريخية خيبة أمل كبيرة في العالم العربي، وكشفتْ عن إخفاق الأنظمة السياسيّة في تحقيق تطلّعات شعوبها، وعن انتكاسة مشروع التنوير العربي الذي راهنت عليه النخب العربية الطلائعيّة وجيل المثقّفين الأوائل. إذْ لم تكن الهزيمة عسكريّة، أو سياسيّة، أو اقتصاديّة وحسب، بل كانت ثقافيّة أيضاً، فالمبادئ التي راهن عليها العرب طويلاً من أجل نهضتهم وتقدّمهم، أصبحت محض أكذوبة بعد مواجهتهم العسكريّة الخاسرة مع قوّة إسرائيل، وتمكّن هذه الأخيرة من نَسف أحلامهم. كما فاقَم خطاب الثورة الرناّن هذه الأزمة، ذلك الخطاب الذي أطنب في الحديث عن مُنجزاته في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، والذي كان يزعم أن العرب أصبحوا يملكون زمام أمورهم بأيديهم. وفي هذه المتون التاريخيّة عادت الأسئلة النهضويّة، التي طرحها جيل الروّاد الأوائل إلى الساحة: أسئلة من قبيل تخلّف المجتمع العربي وعدم مجاراته للحضارة الحديثة وللأمم المتطوّرة، والأنكى من ذلك أن الفرد العربي أصبح متّهما بالتواطؤ في أزمته إن بشكل أو بآخر، صحيح أن لأزمته أسبابها الداخليّة والخارجيّة ولكنّه وحده من يتحمل، الآن، نتائجها الكارثيّة على أكثر من صعيد. كانت الهزيمة إذن حدثاً ثقافيّا وضربة موجعة للمشروع الحداثي النهضوي العربي، لا شكّ في ذلك.

في خضمّ هذا الجدال التاريخي المكاشِف للذات، بين فريق يحاول أن يفهم ما جرى وآخر يتطلع إلى المستقبل أملاً في إيجاد البدائل الناجعة للواقع المأزوم والمهزوم، نشأتْ حركة فكريّة جديدة اجتهدت في قراءة المشاريع النهضويّة السابقة، ومراجعة اليقينيّات التي آمنت بها تلك المشاريع، وإعادة النظر في أسئلة الماضي والراهن بوعي جديد يتطلّع إلى إضفاء مضامين جديدة على مفاهيم: التُراث – المعاصرة – العقلانيّة – الحريّة – العدالة – المواطنة – الديمقراطيّة – الحداثة – الدولة الوطنيّة – التسامح – وغيرها من المفاهيم التي تندرج في هذا السياق. ويمكن القول أنّ ما كُتب منذ سبعينيات القرن الماضي، يختلف في طريقة التناول والمعالجة مع ما كتب قبل الهزيمة، أو لنقل أنّه سيتمّ التدقيق في ما اعْتبر في الماضي محض يقينيّات تعلو على مستوى النقد، ومراجعة المنظومات الفكريّة المغلقة المنتجة لها. ويمثّل هذا النشاط دلالة بالغة على ظهور وعي جديد أحرجته الأزمة وصاغتْ توجّهاته اللاحقة، ودفعتهُ لإنتاج فكر جديد عقب هزيمة 1967.

%d8%ae3

يحاول هذا المقال الوقوف عند الحيثيات التاريخيّة لتلك الهزيمة -من منظور فكري وليس كرونولوجي -وأثرها في إنتاج الوعي العربيّ الشقيّ، كما يُحاجج في الوقت نفسه في كيفيّة طرح موضوع ” نقد العقل العربي” في مقاربة تتوسّل بمنهجيّات علميّة جديدة، فضلاً عن إعادة قراءة التراث بعقل نقدي. وسيجري التعاطي-في هذا المقال -مع مشروع المفكّر الجزائري (محمد أركون) في نقده للعقل الإسلامي، كنموذج من مشاريع كثيرة ظهرت بعد الهزيمة التاريخيّة، حاولتْ توطين الفكر النقدي ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. إنّ المواجهة التاريخيّة بين العرب وإسرائيل صنعتْ مُنعطفاً تاريخيّاً هامّاً في العالم العربي وفرصة لمراجعة الذات ولحصر الأضرار البليغة التي لا نزال نُعانيها إلى يومنا هذا.

أوّلا -هزيمة 67 الفوات التاريخي ووهم الثورة

أعادتْ المشاريع الفكريّة العربيّة -بعد هزيمة 1967 -صياغة سؤال النهضة من جديد، بعد أن اكتشف العرب تأخّرهم عن ركب الحضارة والحداثة وتخلّفهم على جميع الأصعدة، ففي أعقاب تلك الهزيمة التاريخيّة المريرة استأنفَ خطاب النهضة العربية الثانية ” – (المصطلح لعبد الله العروي) – مساره الجديد مستنفراً كلّ أدواته المعرفيّة بُغية تحصيل آفاق جديدة، وكان ذلك بوعيٍ مهجوسٍ يحاول قدر الإمكان تفادي التظليلات الإيديولوجيّة السابقة. لقد شكّلت الهزيمة تلك لحظة مفصليّة كاشفة للذات، وأبانتْ عن فواتٍ تاريخي وفشل في مشروع التنوير العربي راهنت عليه أجيال فذهبت أحلامهم أدراج الرياح. إنّ تراجع مشروع التنوير عن أهدافه ومنطلقاته، وولوجه في نفق مظلم قد عبّرت عنه، بكل وضوح، هزيمة 67 ومآلاتها المعروفة. وفي إبّان ذلك كانت المسؤوليّات مُلقاة على السياسات الاستبداديّة في الوطن العربي وعلى كلّ أشكال قمع الدولة وأجهزتها البوليسيّة، وعلى المنظومة الدينيّة التي تحوّلت هي الأخرى لشكل من أشكال القمع والهيمنة والتسلّط، وعلى فشل المنظومات التعليميّة في الوطن العربي واجترارها لأساليب تربويّة عتيقة أدّت إلى مزيد من التخلّف والتأخر في مجال التنميّة ومواكبة الحضارة الحديثة. لقد أحال زمن الهزيمة إلى مراجعة المسلّمات واليقينيّات، التي أدّت إلى بؤس الوعي العربي، التي تشدّق بها أصحابها طويلاً، وفي المحصّلة لم يعد الاطمئنان إلى تلك اليقينيّات من الأهميّة بمكان، فقد بات بلوغ نهضة عربيّة جديدة والتأسيس لفضاء فكري نقدي معاصر وجادّ من أهم أولويات المرحلة.

استفاق جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي على ”وهم الثورة ”، ذلك أنّ الثورات التي كانوا قد راهنوا عليها لإحلال قيّم سياسيّة جديدة والتخلّص من قوى الاستبداد الداخلي والخارجي لم تف بالغرض المطلوب، فالواقع المرير كان أبلغ من أي وصف يُذكر، لقد كان حجم الدمار كبيراً للبلاد والعباد واستشرى الحزن العميق في النفوس. و« إنّ حدثا مثل الهزيمة لا يمكن أن يكون في عداد التفاصيل التي يترفّع عليها وعي، فكيف بوعي حسب نفسه جزءاً من المشروع الذي تعرّض لذلك القدر الهائل من الشروخ. بهذا المعنى كانت الهزيمة حدثاً ثقافيّاً، وليس مجرّد حدث في الثقافة .. بهذا المعنى تبدو مفصليّة في وعي جيل الثورة من المثقّفين والمفكّرين» (1). لقد كانت الثورات في مُنتصف القرن العشرين بمثابة الحامل الاجتماعي لأفكار الناس من أجل الاستقلال الوطني وإحلال قيّم العدالة، الحرية، الديمقراطية، والمساواة في فرص العمل والتعلّم، وكذا تبوّء المناصب المختلفة، فاستمات الناس -من أجل ذلك -في الانخراط فيها والنضال من أجل مبادئها، مستفيدين في هذا المسعى من التغيّرات التي كانت تحصل في العالم في مجال العلوم والمعارف، و«كان كلّ شيء يجري في ساحة الأفكار وحوادث السياسة شديد الاتّصال بظاهرة الثورة» (2). فصناعة المستقبل المشرق كان هدف الثورات، ولكن يبدو أنّ الهزيمة أجهضت كلّ تلك الآمال.

 

ثانيا -الوعي العربي الشقيّ: نحو عقلانية نقدية جديدة

لكّن بقدر ما انهار الوعي العربي بانهيار القيّم التي راهن عليها، وآلت فكرة الثورة عنده إلى نوع من الرهان الخاسر، بقدر ما صقلت الأحداث المأساويّة هذا الوعي فـ «قلّصت منسوب الإيديولوجيا فيه، ورفعت معدّل الروح النقديّة في نظرته إلى الأشياء» (3). ولعلّ هذا الأمر يندرج في المفهوم الفلسفي للثورة وكيف يعمل الوعي الشقيّ على إنتاج مسارات جديدة له، لأنه لم يعد يطمئنّ إلى يقينياته السابقة. ففي فصل يحمل عنوان ((البحث عن الحقيقة))، من كتابه الذي يتناول هزيمة 67 يقول محمّد حسنين هيكل، أحد أهم الكتاّب الذين عاصروا تلك الهزيمة وكتبوا عنها بإسهاب، ما نصّه: «كان لابدّ أن تكون أوّل خطوة في المراجعة هي المعرفة اليقينيّة لما جرى؟ وكيف جرى؟ ولماذا جرى؟ وكانت هناك حقيقة أوليّة تفرض نفسها على أي محاولة للمراجعة، وهي أنّ الحرب مع إسرائيل كان يجب أن تكون حرب الأمة العربيّة كلّها وليس حرب جزء منها فقط» (4). ولنصّ هيكل في هذا السياق دلالة واضحة وبالغة، فالعرب أمام عدوّ تاريخي يتربّص بهم، وقد تمكّن منهم هذه المرّة وأحدثت ضرباته جرحاً غائراً لا يُنسى، ولذلك تعدّ مخاطبة أسباب وحيثيّات ما جرى وتحديد المسؤوليّات هو من الأهميّة بمكان في نظر هيكل. والأهمّ من كلّ ذلك لماذا تُعيدنا هذه الهزيمة إلى نقطة البداية! فيعاني مشروع النهضة العربيّة من جديد من الإخفاقات الثقيلة، إذْ «كيف تُهزم فكرة قوميّة مُتسلّحة بالشرعيّة الشعبيّة العارمة في وجه دويلة صغيرة يفتقرُ مشروعها إلى الشرعيّة التاريخية ؟! »(5).

قد تكون إحدى الإجابات على هذا السؤال: أن البيت العربي لم يكن هيكله منيعاً، وأنّه لم يكن محصّنا بالشكل الكافي فتداعى بسهولة جرّاء ذلك، فهناك فجوة واسعة، في المجتمع العربي، بين المبادئ والأهداف بسبب ظاهرة الاستقطاب الإيديولوجي، أضف إلى ذلك كلّه الاستخدام الانتهازي للدين والسياسة، فلم تنتصر-جراء ذلك -الأفكار التي نُودِي بها في مجتمعاتها وكانت الاتّهامات تُكال مراراً وتكراراً إلى المشاريع الفكريّة النهضويّة السابقة التي ادّعت أنّها عصيّة على الاستهداف والاختراق. ونتيجة لذلك كلّه تهيأت الأرضيّة لظهور مشاريع نقدية معاصرة بعد هزيمة 67 التاريخيّة، تحاول تقديم قراءة نقديّة جديدة للعقل العربي أو الإسلامي بتعبير المفكّر الجزائري محمّد أركون. وسأحاول في هذا المقال أن أستعرض المشروع الفكري لمحمّد أركون في خطوطه العريضة – على سبيل المثال لا الحصر – بوصفه من إنجازات مرحلة ما بعد الهزيمة وكيفيّة تصوّره للتراث والحداثة، هذا وسأقف في هذه الدراسة  عند عناصر التجديد فيه، وكيفيّة تصورّه لانطلاقة حضاريّة جديدة تبدأ أساساً من قراءة تاريخيّة للأصول تكون عقلانيّة ونقديّة، ومن فهم عميق وصحيح للتراث يخلع عنه كلّ صفات التقديس والتنزيه، بُغية الوصول بالذات العربيّة إلى الانخراط في العصر وفي الحداثة والتنوير برؤى مُتبصّرة مقدّرة لمسؤولياتها التاريخيّة أحسن تقدير وحريصة أشدّ الحرص على التجاوز.

%d8%ae3

 

     ثالثا -العقلانيّة النقديّة المعاصرة: ”نقد العقل الإسلامي” عند محمّد أركون

1 – من الإسلامياّت الكلاسيكيّة إلى الإسلاميّات التطبيقيّة

         يهدف مشروع أركون في نقده للعقل الإسلامي إلى تأسيس علم للإسلام Islamologie أو ما يُسمّى الإسلاميات التطبيقية، وإذْ يفعل ذلك فمن أجل تأسيس علم للإسلام يستقّل عن باقي العلوم الإنسانيّة، ويؤكّد أركون أنّه يقترح مفهوم الإسلاميّات التطبيقيّة ليكون بديلاً علميّاً ومنهجّياً ناجعاً في مقابل الإسلاميات الكلاسيكية، هذه الأخيرة التي تجنّت -حسب رأيه -على الدراسات الإسلاميّة وشوّهتها ولم تنفذ إلى أعماقها البتّة. ويُفصح في مقدّمة كتابه نحو نقد العقل الإسلامي عن غرضه من هذا المشروع العلمي قائلاً: «في عام 1973 رُحت أرسم لأوّل مرّة الخطوط العريضة للمهامّ الفكريّة والاستراتيجيّات المعرفيّة لما كنت قد دعوته باسم: علم الإسلاميّات التطبيقيّة. وفرّقته عن علم الإسلاميّات الكلاسيكيّة أو ما يُدعى عموماً الاستشراق» (6). ولكن لماذا يتحدّث أركون عن نقد العقل الإسلامي وليس عن نقد العقل العربي كما هو وارد عند محمد عابد الجابري مثلاً؟ في هذا السياق يَشرح أركون مفهومه للعقل الإسلامي قائلاً: «نقصد بالعقل هنا العقل الديني بالطبع وبالتالي العقل الإسلامي كما العقل اليهودي أو العقل المسيحي. فعلى الرغم من الاختلافات العقائديّة والطقوسيّة الشعائريّة بين الأديان الثلاثة إلاّ أنّ نمط العقل السائد فيها يبقى واحداً أو متشابهاً. إنّه عقل دينيّ لاهوتي تمييزاً له عن العقل العلمي الفلسفي الحديث» (7).

سيجري التركيز في العقل الإسلامي -كما يفصح عن ذلك مشروع أركون -على نقد الأفكار الدينيّة والحفر فيها عميقاً وكذا تحليلها ونقدها والرجوع إلى سياقاتها التاريخيّة وهذا بالاستعانة بالمنهج التاريخي. إنّها النظرة التي سيلقيها على العقل والتي «تتفحّص بطريقة ملحّة جدّا محلاّت التبلور لما سيصبح لاحقاً الاعتقاد الدوغمائي، أي الأرثوذكسيّة (8) بصفتها تعبيراً عن الأغلبيّات السوسيولوجيّة أو العدديّة الموحّدة المتراصّة بغية ترسيخ أنظمتها في الاعتقاد واللاعتقاد» (9). فهل تكمن جرأة الرجل في الاقتراب من هذا العقل؟ ومن تسمية الأشياء بأسمائها والذهاب إلى المشكلات مباشرة دون لفّ ودوران؟ وما مدى صحّة التعقيب الذي يسوقه هاشم صالح في هذا السياق عندما يقول: «قناعتي هي أنّ الجابري لم يتجرأ على مواجهة المشكلة اللاهوتيّة وجهاً لوجه فقرّر خوض المعركة مع العقل العربي لا العقل الإسلامي. وهذا تحايل على الموضوع في نهاية المطاف أو تهرّب من المواجهة.. ثم إنّه مع احترامي له، لا يمتلك التكوين المنهجي الكافي ولا العدّة المفهوميّة والمصطلحيّة للقيام بنقد العقل الديني في الإسلام. وحده أركون من بين كلّ المثقفين المسلمين والعرب يمتلك ذلك الآن» (10).

%d8%ae4

%d8%ae5

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لنْ أُجادل، في هذا المقام، في مدى صحّة موقف هاشم صالح من عدمه، ولكن سأقول أنّ أركون كان، بالفعل، جريئاً في أطروحاته تلك على جَبهتين: الجبهة الأولى أنه تجرّأ على القول رغم سطوة النظرة السلفيّة للتراث الديني في أيامنا هذه على امتداد الشارع العربي، والجبهة الثانيّة أنّه طرح إسلامياته التطبيقيّة وبدائله المنهجيّة في بيئة ثقافيّة غربيّة لم تؤمن يوماً إلاّ بالإسلاميات الكلاسيكيّة وقيّم الاستشراق التقليدي. ويمكن القول بهذا الصدد أنّ فكره -بسبب طرافته -انتقل يجوب الدوائر العلميّة في كلّ أنحاء العالم، ولقد حضي باستماع الغرب في أكثر من مؤتمر علمي عالمي وحلقة دراسيّة وندوة، فخطابه الفكري بقدر ما كان موجّها بالدرجة الأولى إلى العقل العربي والإسلامي، كان موجّها أيضاً إلى العقل الغربي ضدّ الإسلاميّات الكلاسيكيّة والاستشراق، قد يكون الغرب فهم رسالة أركون، في الآونة الأخيرة، فأقبل على قراءة فكره والتوقّف مليّا عند عناصر التجديد فيه.

نشر أركون أطروحته للدكتوراه سنة 1970 بعنوان: النزعة الإنسانية والعقلانيّة العربيّة في القرن الرابع الهجري، ويمكن القول أنّ مشروعه الفكري والفلسفي بدأ بالتبلور منذ سبعينيات القرن الماضي حيث حاول تشخيص المرض في العالم الإسلامي وحالة التخلّف والضياع التي يعاني منها، واضعاً نصب عينيه فكرة البحث عن حلول عمليّة لإخراجه من حالة الضياع تلك، وستستمرّ هذه الأطروحة في كتابه الهام: نقد العقل الإسلامي، بل إنّ الكتاب قد وضع لهذا الهدف، ويستخدم فيه أركون أساليب نقديّة جديدة تتفحّص بنيته الداخليّة لغربلته ودراسته دراسة تاريخيّة لا تكون فوق النقد أبداً. ويؤكّد كلامه بقوله: «أنا لا أفصل التنظير عن التطبيق من هنا عنوان العلم الذي أحاول بلورته لفهم التراث العربي الإسلامي وتشخيص مشاكل المجتمعات العربيّة والإسلاميّة: إنّه علم الإسلاميات التطبيقية» (11).

2 -من المنهج الفيلولوجي إلى المنهج التاريخي

ينتقد أركون الإسلاميّات الكلاسيكيّة / التقليديّة أو الاستشراق ويحاول جاهداً تجاوز المنهج الفيلولوجي (12) إلى المنهج التاريخي (13) في تحليلاته ودراساته النقديّة للتراث العربي والإسلامي، مُستفيداً في ذلك من الفتوحات العلميّة والمنهجيّة للقرن العشرين، مُقترحاً قراءات مُتعدّدة للتراث الديني تستند على العلوم الإنسانيّة كافة: علم التاريخ، علم النفس، علم الاجتماع، علم اللسانيات، علم الدلالات اللغويّة، الأنثروبولوجيا، وعلم الأديان المقارن وغيرها.. ساعياً أنْ لا تنغلق القراءة النقديّة داخل المثال الغربي وتوجّهاته المنهجيّة، وكأنّه مصدر للكونيّة المطلقة (14). فهو في نظر أركون نموذجاً إنسانيّاً واحداً للمعرفة والتقصّي وليس النموذج الإنساني الوحيد. فهناك ثقافات عالميّة كثيرة ولا يجب أن تعدّ الثقافة الغربيّة هي وحدها الموجودة على الساحة الفكريّة وحسب، أو هي التي يجب أن يستند إليها المرء في كلّ الأحوال. إنّ الموقف الأركوني من المعرفة بشكلٍ عامٍ، ومن قراءة التراث بشكلٍ خاصٍ، هو الذي جعل الباحث كمال عبد اللطيف يقول: «من المؤكّد في تصوّرنا أنّ أعمال الجابري وأركون على وجه الخصوص (15)، قد ساهمت في بناء أطروحات مطوّرة لكفاءة التعقّل والتنظير في الفكر المعاصر، سواء في المستوى القومي أو في المستوى العالمي، وذلك بحكم مُنطلقاتها الأساسية في التعامل مع مفاهيم ومناهج الفكر الإنساني في أبعاده المختلفة، وبحكم النتائج التي ترتبتْ عن أعمالهما في مقاربة الظواهر التراثيّة» (16). ويأتي تعقيب كمال عبد اللطيف هذا، في سياق قراءته ونقده للعقلانيّة المعاصرة ولمنجزاتها.

إنّ أركون يُنبّهنا، دوماً، إلى ضرورة مُراعاة مختلف الثقافات وقيّمها الفكريّة إذا أردنا أن نفهم الوضع الإنساني في أبعادهِ المختلفة، وينسحب هذا الطرح على دراسة ونقد تاريخ الفكر الإسلامي، الذي أحاطت به تفاصيل ثقافيّة وعقائديّة مختلفة وديانات غير إسلاميّة في عصوره الأولى. ومن هنا تأتي ضرورة عدم الاعتماد على التاريخ الرسمي فحسب، أثناء نقد العقل الإسلامي، بل يجب الالتفات إلى مختلف الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة المواكبة لهذا التاريخ، ولفت الانتباه إلى الصراعات العديدة التي كانت تحصل بين المعارضين والأتباع في تلك الفترة التاريخيّة البعيدة. فالتُراث، بشكل عام، هو خُلاصة بشريّة وهو يخضع على الدوام لصيرورة تاريخيّة وثقافيّة واجتماعيّة تُساهم فيها مؤثّرات عديدة وهذا حال التُراث الإسلامي، ولعلّ هذا ما تجاهله الاستشراق عندما استخدم المنهج الفيلولوجي وركّز جُهوده على التُراث الرسمي والعقلي فحسب. من هنا تأتي أهميّة استحضار التراث بشكل علمي وموضوعي يُراعي المؤثرات السياقيّة التي واكبته، لا استحضاره بكيفيّة إيديولوجية للافتخار به في المناسبات، أو لكي يكون وسيلة لتعبئة الجماهير الشعبيّة في مرحلة تاريخية معيّنة ضدّ قناعات وسياسيات أخرى معارضة.

إنّ ما يعاب على الاستشراق أنّ أهدافه كانت استعماريّة وتوسّعية بحتة، فالاستشراق الذي ذاع صيته في القرن التاسع عشر وسخّرت له الجهود الكبيرة من طرف السياسيّين، والعلماء، ورجال الدين، والعسكريّين، وحتى المفكّرين، كان نزوعه عرقيّا وعنصريّا ولم تكن أهدافه هي معرفة الحقيقة. ولذلك ظلّت الإسلاميّات الكلاسيكيّة، في هذا السياق التاريخي، تحت وطأة النزعة الاستعماريّة التوسّعيّة والمفهوم السلبي للعقل الإسلامي وللمسلمين والعرب بوجه عامٍ. إذ يلاحظ أنّ الاستشراق التقليدي لم يوفّق في النظر بعين نقدية وموضوعية إلى التاريخ العربي وإلى التُراث الديني الإسلامي، وانطلاقاً من مبادئه وأهدافه ذات الأساس غير العلمي وغير الموضوعي وغير الإنساني، ظلّ فهم الغرب للإسلام ناقصاً مشوّشاً وغير سليم، ولم يتم التفاعل مع المضامين التراثيّة العربيّة بشكل موضوعي وإنساني.

استنجد أركون في بحوثه بالمنهج لتجاوز الإسلاميّات الكلاسيكيّة، وبهذا الصدد تقول نائلة أبي نادر معقّبة على هذه المسألة، مبرزة قوّة الرجل وعبقريّته: «المنهج هو الباب الذي أوصل أركون إلى الفضاء النقدي الواسع، وهو الذي أحاط عمله بهالة من المصداقيّة والجرأة. إنّ كيفيّة تعاطيه مع النصّ، القرآني أو التُراثي، أمر قد جعله يفرض نفسه بقوة على المنابر الأوروبيّة التي تضع مسألة المنهج في المحور في تقييم جدّية الأبحاث» (17). لقد تعامل أركون مع المنهج التاريخي باقتدار كبيرٍ -هذا المنهج الذي دشّنته مدرسة الحوليات الفرنسيّة -وتحامل في الوقت ذاته على المنهج الفيلولوجي الثابت والجامد في تعاطيه مع التاريخ، وهو المنهج الذي استخدمته الإسلاميّات الكلاسيكيّة على نطاقٍ واسعٍ. حاول أركون عن طريق استخدامه للمنهج التاريخي أن ينتقد منظومات الفقه القديم، وأن يجعل كلّ الحقائق موضوع نقاش وأن يرفع صفة المطلقيّة عنها، ولم يكن استخدامه لهذا المنهج من السهولة بمكان في سبعينيات القرن الماضي ولم يكن قبوله في الدوائر العلميّة الفرنسية وفي جامعة السوربون على وجه الخصوص بالسهولة التي نتصوّرها اليوم؟ فكيف بباحث أو بالأحرى بطالب في الدكتوراه يريد أن يقلب المواضيع رأساً على عقب وهو يَقترح منهجاً بديلاً عن ذلك الذي دَرَج عليه الفكر الغربي أو بالأحرى الفكر الفرنسي مند عقود، وقد لا نبالغ إذا قلنا أنّ المنهج الفيلولوجي كان في تلك الأيام بمثابة الدستور العلميّ الذي يَسْتعصى على المرء تغييره أو مُناهضته.

كان الخوض في مثل هذه المسائل، في نهاية الستينيات من القرن العشرين، ضرباً من ضروب المجازفة، ويذكر أركون في نُصوصه مدى القلق الكبير الذي كان يُعانيه جرّاء اختياراته العلميّة والمنهجيّة في أكبر وأعرق مؤسّسة علميّة وجامعيّة في فرنسا بل وفي أوروبا فيقول: «كان ينبغي عليّ أن أراعي وأجامل حتى أساتذتي في السوربون لماذا؟ لأنّهم كانوا قد بقوا تقليديّين من الناحيّة المنهجيّة. لقد ظلّوا بمنأى عن هذا الغليان الفكري والتجديد المنهجي لمدرسة الحوليّات وطفرة العلوم الإنسانيّة التي ذكرتها للتوّ. لقد ظلوا متشبّثين بالمنهجيّة الفيلولوجيّة القديمة للاستشراق الكلاسيكي» (18). ولهذا يمكن القول عطفاً على ما سبق أن الرجل كان له السبق العلمي، بلا منازع، في تطبيق المنهج التاريخي على تاريخ الفكر الإسلامي في مرحلة تاريخيّة حسّاسة كان فيها في ديار الغرب.

3 – نقد التراث الفكري والديني: نحو الخروج من الانغلاق الدوغمائي

في نقد العقل الإسلامي يُغوص أركون عميقاً في السياق الفلسفي والعلمي للتاريخ الإسلامي، محاولاً في الوقت نفسه تناول عصر الإيديولوجيّات التي أطنبتْ في الحديث عن التراث دون أن تقوم بتحليله أو النفاذ إلى عمقه، إنّه يحاول قراءة التراث قراءة جديدة تحفر في الفكر حفراً إبستيميّاً (19) كالذي قام به الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو في كتابه الشهير، الكلمات والأشياء وهو يتناول بالنقد تاريخ الحضارة الغربيّة. ينتقد أركون بصرامته المعهودة وبصراحته المباشرة الأفكار الدوغمائيّة والاتّجاهات المسيطرة من الشيعة والسنّة -على حدّ سواء -في التاريخ الإسلامي، تلك الاتّجاهات التي أغلقتْ باب الاجتهاد وزجّتْ بالعقل الإسلامي في مَنظومات فكريّة مُغلقة. ولذلك نجده في كتابه الهام: تحرير الوعي الإسلامي: نحو الخروج من السياجات الدوغمائيّة المغلقة (20)، يفكّك الانغلاقات الدينيّة والسياجات العقائديّة من خلال نقده للعقل اللاهوتي والتعصّب الفكري والديني وظاهرة الأصوليّة، وهذا بهدف إخراج العقل الإسلامي من النظرة الضيّقة ومن المذهبيّة والطائفيّة التي تعصف به في العقود الأخيرة. فهو يسعى إلى تفكيك التراث ونسف السياجات العقائدية المغلقة في الماضي والحاضر، والتي تظلّ نتائجها كارثيّة على الإنسان العربي ما لم يتمّ البحث، في كلّ مرّة، عن البدائل العقلانيّة الناجعة وإجراء مُراجعات نقديّة لكلّ الممارسات غير العقلانيّة في سبيل تحرير الوعي الإسلامي. إنّنا -يضيف أركون شارحاً مَقاصده إزاء هذه المسألة – مدعوون للتخلّص من عقائد القرون الوسطى وادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة من طرف أيّ طائفة أو فريق ما، واتّهامه للآخر بالظلال والكفر، ودون التخلّص من هذه العقد والأمراض «لن نستطيع تحقيق أي ّانفتاح فكري أو علمي على الخارج» (21) يؤكّد أركون.

بدأ الانسداد التاريخي عندما انتصر منطق الحنابلة على منطق المعتزلة قبل ألف عام، وتعدّ هذه الأطروحة من أهم الأطروحات التي انبرى أركون للبحث فيها بوعي عميق وبجرأة كبيرة، وهو هنا لا يخفي امتعاضه وتعجّبه من انهزام فكر المعتزلة – الفكر الأكثر عقلانية في تاريخ الفكر الإسلامي- أمام فكر الحنابلة الأرثوذكسي، الذي يتمظهر في الفكر المعاصر في التيارات السلفيّة و في الأصوليات الوليدة، فيعاني المسلمون اليوم من انقطاعهم عن ماضيهم المشرق – العصر الذهبي للفكر الإسلامي الذي تمثله المعتزلة – من جهة، وانقطاعهم عن مستجدّات العصر والحداثة من جهة ثانية. هذا ويركّز أركون جهوده في هذا السياق على إبراز الجانب الإنساني والعقلاني في التاريخ الإسلامي، لذلك نجده لا يخفي أبداً إعجابه الشديد بالخطاب المعتزلي العقلي. فالعقل الحديث كما يتصوّر «يتميّز عن كلّ تجليّاته السابقة بكونه اكتسب القدرات الفكريّة والعلميّة للخروج من الانغلاق الذي طالما استدرجته إليه انحرافاته الأسطوريّة التاريخيّة والأسطوريّة الإيديولوجيّة في اصطدامه بالواقع. هذا ويقال أنّ الحركة المتواصلة لتاريخ الغرب تكمن في قدرته على الخروج من الأزمات» (22).

لقد سعى الفكر الحداثي الغربي، حثيثاً، لمحاربة المنظومات التاريخيّة المغلقة للعصور الوسطى وظاهرة التعصّب الديني والمذهبي لكي يُعلي من مكانة الإنسان ومن شأن العقل، وقد تمكّن بالفعل من تجاوز انغلاقاته العقائدية وحرّر حتىّ الدين من صبغة التزمّت، فأعطى له أبعاداً إنسانيّة وروحيّة جديدة وتخلّص شيئاً فشيئاً من سطوة الإيديولوجيّات التي كانت لا تؤمن بشرعيّة الاختلاف. أما المشكلة الأساسيّة المطروحة على المسلمين اليوم في نقد العقل الإسلامي فهي: «في كيفيّة الانتقال من مرحلة العقل الديني إلى مرحلة العقل العلمي أو العلماني الفلسفي من دون التضحيّة بجوهر الدين أو مثله الأخلاقيّة العُليا وروحانيته. وهذا يعني أنّ نقد العقل الإسلامي لن يؤدي إلى الإلحاد أو العدميّة كما يخشى بعضهم وإنّما إلى إيمان جديد» (23). فتفكيك الرواسب التراثيّة، وكسر اليقينيات المطلقة، ومساءلة التاريخ الإسلامي بمناهج علميّة حديثة سيؤدي، لا محالة، إلى تديّن عقلاني مُستنير.

%d8%ae7

%d8%ae6

تَنْصبّ الجهود العلميّة والفكرية لأركون في هذا الهدف: مقاومة الظاهرة الأصوليّة لا الظاهرة الدينيّة، كيف لا وهو من تجرّأ على نقد الظاهرة الدينيّة كما لم يفعل أحد من قبله من المفكرين بنفس أدواته المنهجيّة ومعارفه العلميّة، فأضاء على النصّ القرآني بشكل غير مسبوق فكان، في نظر الكثيرين، أكبر حفار أركيولوجي في تاريخنا الفكري (24). غاص أركون في تحليل الدين عميقاً بمناهج علميّة حديثة وأفضتْ تحليلاته في هذا المجال إلى التفريق بين: الظاهرة القرآنيّة والظاهرة الإسلاميّة، فالأولى تتعلّق بالنصّ المقدّس، أماّ الثانيّة فتتعلّق بالتراث الفقهي والتفسير، وكل كتب الشروح المتعلّقة بالعقائد والمذاهب الدينيّة التي تسعى جاهدة إلى الوصول إلى حقيقة النصّ القرآني. ويعدّ الحدث الإسلامي متأخّر عن الحدث القرآني، وهو مرتبط بعمليّة التدوين وفكر الفقهاء وكتّاب السيرة…(25). فنقد العقل الإسلامي (26) جعل أركون ينخرط انخراطاً عميقاً واعيّاً في بنيته الداخليّة، فيحلّل بشكل عميق الظاهرة القرآنيّة والظاهرة الإسلاميّة، وهذا من أجل تتبع المسارات التاريخيّة لهذا العقل وخاصّة خلال القرون الأولى منه.

وحسب تقدير أركون، ثمّة مسائل كثيرة تحتاج إلى نقد تاريخي وإلى حفر أركيولوجي في طبقات العصور المتراكمة، ويتعلّق الأمر بالقرون الستة الأولى من الإسلام التي لا تزال لاهوتيّة وأسطوريّة وفوق النقد. إذْ تقتضي الدراسة العلميّة والموضوعيّة تسليط النقد على تلك الفترة التاريخيّة، بُغية غربلتها والنظر إلى التراث الإسلامي نظرة تجديديّة له من شأنها أن تُضيء على جوانبه العقليّة والإنسانيّة، وتُنبّه في الوقت نفسه إلى زواياه المعتّمة والأسطوريّة التي يجب أن نَطرحها جانباً، لكي نتخلّص من إضفاء صبغة القداسة والتنزيه عليها. فبدون مواجهة الذات التاريخية، في تراثنا الفكري والديني، مواجهة حقيقية تطرح العناصر السلبيّة واللاعقلانيّة جانباً، لا يمكن بأي حال من الأحوال التحرّر من الماضي والانطلاق نحو المستقبل، بل ستتفاقم أزماتنا في علاقتنا مع ماضينا وتُراثنا ويستمرّ وعينا مأزوماً. واليوم بعدما تضخّمت مشاكلنا ووصل أفقنا إلى طريق مسدود بات، من الأهمية بمكان، أكثر من أي وقت مضى، مخاطبة تراثنا الديني والفكري خطاباً عقلانيّاً بأدوات علميّة ومنهجيّة حديثة، تحفر عميقاً في بنياتِه وطبقاتهِ التي لا تزال مُكلّسة ومُتحجّرة.

4 -الإشكاليّة الدينيّة بين التنوير وظاهرة الأصوليّة

       يقول المفكّر طيّب تيزيني في موضوع الإشكاليّة الدينيّة في الفكر العربي: أنّ «النظريّة الدينيّة (هنا الإسلاميّة) فتعيش ثنائية الوعي والتاريخ، والمطلق والنسبي، والمقدّس والعادي. حدث ذلك خصوصاً في مراحل متأخّرة من التاريخ العربي الإسلامي، أي في مراحل نزٌر فيها الاجتهاد وهيمن التقليد العقيم» (27). هذا ويٌقدم النصّ الفقهي -في هذا السياق -حسب الكاتب طيّب تيزيني على أنّه فوق النقد وفوق التاريخ رغم أنّ عصوراً طويلة من التخلّف والانحطاط والتفاسير السطحيّة قد اخترقته، وأعادت إنتاج منظوماتها الفقهيّة القديمة في اجترار ممّل لا طائل من ورائه. واليوم تتفاقم -بشكل مخيف -النظرة السلفيّة للتراث الديني ويزداد معها تصاعد الإيمان التقليدي والتعصّب المذهبي والطائفي، وتنمو بشكل سريع ظاهرة الأصوليّة الدينيّة، ويزداد خطرها، بوجه عام، على الفكر الحرّ وعلى تكريس النقد كآلية للتغيير، فالأصوليّة «نظام عقائدي مُغلق على ذاتهِ ومُسيّج بالأسوار الشائكة ويعتقد أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة» (28). وهنا تتعارض (النظرة الأصوليّة / اللاتاريخية) مع (النظرة التاريخيّة)، فالبحث التاريخي ينزع القداسة عن الأشياء والصور الأسطوريّة لها، ويتخلّى عن عبارات الفخر والتبجيل الجوفاء، وعن الصور المثاليّة النمطيّة الموروثة أبا عن جدّ، ليواجه الحقيقة عارية متسلّحا في هذه المهمّة بـ: المنهج التاريخي، وبالموضوعيّة العلميّة للوصول إلى الحقيقة.

إنّ مواجهة الأصوليّة يهدف إلى «تقديم صورة أخرى عن التراث الإسلامي» (29)، بالاعتماد على المنهج التاريخي الذي يَرصد التطوراّت التاريخية للشريعة وللمذاهب الدينيّة ولأصول الفقه والتفسير. وتلك هي النظرية التي تبنّاها أركون في تعاطيه مع التراث الديني ومع ظاهرة الأصوليّة، وهو لا يتوانى في كلّ مرّة من التذكير بضرورة عدم انتصار النظرة الأرثوذكسية المنغلقة على الذات في المنظومات الفكريّة والدينيّة الماضيّة والحديثة إذا أردنا تحرير الوعي الإسلامي. ثم أنّ هذا الأخير، في رأيه، لن يتحرّر أيضاً من دون النظر إلى الغرب والحداثة وما بعد الحداثة (30) نظرة تاريخيّة لا تتعصّب للرأي، ولا تُناصب الآخر العداء المجاني، لكي لا تخرج من دائرة التاريخ الإنساني. ويلتمس أركون للحركات الأصوليّة والسلفيّة المسيطرة على الشارع العربي والإسلامي اليوم بعض العذر، قائلاً: «هذه الحركات تعاني من فقر فكري مدقع لسببين: أولهما أنّها مقطوعة الصلة مع الفكر اللاهوتي الإسلامي الكلاسيكي الجادّ، وثانيهما أنّها مقطوعة الصلة أيضاً بالبحوث العلميّة والفلسفيّة الحديثة.. والواقع أنّ الجمود الفكري واللاهوتي يسيطر على عقليّة قادة هذه الحركات..إنّها وريثة عصور الانحطاط الاجتراريّة التي لم تبدع شيئاً » (31). ولا شّك أن الحركات تلك عبّرت في الماضي وتعبّر اليوم، بشكل واضح وصريح، عن فشل مشروع التنوير العربي وعن الانسداد التاريخي.

فمعركة التنويريين العرب اليوم هي العمل على جبهتين، أولاً: العودة إلى التراث العقلي في الحضارة الإسلاميّة والتركيز عليه بشكل كبير، وتعليمه لطلاب المدارس والجامعات والتشجيع على الإقبال عليه في البحوث والدراسات الجامعيّة. ثانيا: تمكين الناشئة من اللُغات الأجنبيّة وثقافاتها من أجل المقارنة بين التجارب الإنسانيّة المختلفة فهذا من شأنه أن يخلق روح المنافسة عندهم، وكذا الاهتمام الكبير والجادّ بحركة الترجمة، ونقل التراث الإنساني العالمي إلى اللغة العربيّة، فلن نخرج من ورطة التخلّف إلاّ بسياسات تعليمية رشيدة تتبنّى قيم النهضة والحداثة والتنوير. كما وأنّ الإصلاح الديني يجب أن يكون مواكباً للإصلاح السياسي، ودون ذلك لن تتقدّم المجتمعات العربيّة قيد أنملة في مشروع الاستنهاض المأمول. سوف لن يكون الطريق إلى الهدف طيّعا وسريعاً، ولن يظهر الوعي لدى الناس بالسهولة التي قد نتصورّها في لحظة تفاؤل، ففي الأثناء ينبّهنا أركون إلى أنّه: «ينبغي العلم بأنّ الفكر السياسي التحريري والقانوني النقدي يظلّ معطّلا أو معرقلاً عندنا من قبل الفُقهاء التقليديين حُراس الأرثوذكسيّة السنيّة كما الشيعيّة من جهة، ثم من قبل الأنظمة التي حكمت بلادنا بعد الاستقلال ورحيل الاستعمار من جهة أخرى. ومعلوم أنّ هذه الأنظمة الضعيفة الشرعيّة قد سطتْ على الدين وأمّمته لكي تخلع عليها بعض المشروعيّة في أعين الجماهير» (32).

هل نعيش اليوم المرحلة التي تسبق التنوير؟ فنقول أنّ الحركات الأصولية التي تتكاثر اليوم بشكل ملفت للعيان تجعل من التنوير ضرورة ملحة؟ هل يمكن أن نستفيد من الدرس الفلسفي الغربي الذي يعلّمنا أنّ بطش الأصوليّات الدينيّة في العصور الوسطى وهيمنتها على رقاب الناس زمناً طويلاً جعل من التنوير مخرجاً ضرورياً ومآلا حتمياً؟ هل التنوير قادم، لا محالة، في بُلداننا العربيّة والإسلاميّة بالنظر إلى واقع الحال؟ هل يمكننا، على المدى المنظور، استيعاب مشروع أركون الفلسفي في نقده للعقل الإسلامي وأطروحاته لتحريره من السياجات الدوغمائيّة المغلقة، نحو إسلام مُستنير يتحاور مع قيّم الحداثة الغربيّة بدون تشنّج ولا مزايدة؟ والشعور بحرقة الرجل ومرارته للمآلات الراهنة للفكر الإسلامي وللواقع العربي المأساوي؟ قد نحتاج إلى بعض الوقت لاستيعاب هذه الأسئلة الحائرة؟ ولكّن المهمّ في الأمر أن لا نضيّع أعمارنا في مُراوحة المكان وإعادة طرح السؤال التنويري؟

إنّ مفكّرا بقامة أركون لا تفيه هذه الدراسة حقّه وتحتاج نصوصه، التي تمتدّ على ما يزيد عن الأربعين عاماً، إلى المزيد من التمعّن والنظر، فقد حاول هذا المقال أن يقترب من فكره والتوقّف عند أطروحاته، غير المسبوقة، في تجديد العقل الإسلامي والصياغة المعرفيّة والمنهجيّة له بالكيفيّة التي كان يرومها الرجل الذي تجاسر على تناول الكثير من الأطروحات الحسّاسة في العقل الإسلامي ونأى بنفسه عن خطاب المبالغة والتقديس والتنزيه، ونَبشَ في البنيّة الداخليّة للعقل الإسلامي ليعلن بكلّ صراحة ودون مواربة أنّ تراثنا الديني لا تزال جوانب كثيرة منه مكلّسة متحجرّة منذ قرون طويلة من الزمن، وهو يحتاج اليوم إلى الحفر فيه عميقاً بأدوات معرفيّة ومنهجيّة جديدة.

لا مندوحة للذات العربية والإسلاميّة عن التصالح مع ماضيها لكي تعْبر بسلام إلى المستقبل، ولا يمكننا أن نحدّد موقعنا من الحداثة ومن العصر إذا لم نفصل في علاقتنا مع تُراثنا وماضينا ونحدّد كيف يجب التعاطي معه. لقد هزّ أركون اليقينيّات الكلاسيكيّة، واعتبر أنّ الحلّ الحضاري للعرب والمسلمين لا يكمن إلاّ في التديّن العقلي المستنير. ولعلّ مسلكيّة الرجل تأخذ أهمّيتها وفاعليّتها، في هذا السياق، من كونها تنحاز بوضوح إلى التمرّد على النظرة السلفيّة للتراث على الصعيد الأول وعلى النظرة المتطرّفة للحداثة على الصعيد الثاني، والدعوة إلى خطاب يعنيه بشكل كبير الانخراط في التراث وفي العصر في فضاء نقدي. لقد أسهمتْ كتابات أركون، بشكل جوهري، في تحريك السجال في قضايا هامّة ومتعدّدة بين الشرق والغرب والدعوة الملحّة إلى تجاوز” المركزيّة التراثية ” كما ” المركزية الغربية المعاصرة ” -إن جاز لنا هذا التوصيف –إلى خطاب يُصالح بين الاثنين.

********************************

هوامش المقال:

(1) عبد الإله بلقزيز، من النهضة إلى الحداثة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2009)، ص، 43.

(2) المرجع نفسه، ص، 21.

(3) المرجع نفسه، ص، 27.

(4) محمّد حسنين هيكل، حرب الثلاثين سنة: الانفجار 1967، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط 1، 1990)، ص، 796.

(5) عبد الإله بلقزيز، من النهضة إلى الحداثة، ص، 211.

(6) محمّد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، تر، هاشم صالح، (بيروت: دار الطليعة، ط 1، 2009)، ص ص 25 – 26.

(7)   المرجع نفسه، ص، 74.

(8) المؤمن الأرثوذكسي عند أركون هو، المؤمن التقليدي المسجون داخل سياجات عقائدية وفكريّة مُغلقة على ذاتها لا تقبل النقاش.

(9) محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، ص، 77.

(10) هاشم صالح في مقدّمة ترجمته لكتاب أركون، نقد العقل الإسلامي، ص، 7.

(11) محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، ص، 29.

(12) المنهج الفيلولوجي: يرفض أركون تطبيق هذا المنهج على دراسة التراث العربي، والإسلامي منه بشكل خاصّ، وفي هذا السياق يوجّه نقده إلى الاستشراق وعلى وجه التحديد إلى الاستشراق الألماني في القرن 19. من مقتضيات هذا المنهج دراسة معاني الكلمات وتتبّع منشأها وعلاقتها في الفضاء النصّي أو التناصي، وقد يلجأ أحياناَ إلى دراسة مقارنة بين النصوص أو بين اللُغات بحثاً عن أصل المعنى ومدى أصالة النصّ من حيث انتمائه إلى مُؤلفهِ. والدارس الفيلولوجي في سياق النص الأركوني ليس جزءا ممّا يدرس، فهو شيء والنصّ شيء آخر، ومن ثمّ لا يشكّل موضوعه همّا حضاريّا بل همّا أكاديميّا على أكثر تقدير، وهو في هذا المسعى يُسقط من اهتمامه البعد الاجتماعي التاريخي المعيش وتعقيداته.

(13) المنهج التاريخي: يحاول هذا المنهج أن يدرس النصوص في حركيّتها التاريخيّة من حيث تفاعل المتلقّي مع مُقتضيات النصّ، لذلك يكون هذا المنهج أكثر ملاءمة لدراسة التراث العربي الإسلامي وفهم حامل هذا التراث.

(14) محمد أركون، تحرير الوعي الإسلامي: نحو الخروج من السياجات الدوغمائيّة المغلقة، تر، هاشم صالح، (بيروت: دار الطليعة، ط 1، 2011)، ص، 60.

(15) التركيز مضاف إلى النصّ، بُغية لفت انتباه القارئ إلى أهميّة الموقف من أركون في الدرس النقدي المعاصر.

(16) كمال عبد اللطيف، «تيارات العقلانيّة والتنوير في الفكر العربي»، في: حصيلة العقلانيّة والتنوير في الفكر العربي المعاصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط1، 2005)، ص، 201.

(17) نايلة أبي نادر، «أركون والمنهج النقدي: محطّات ومصطلحات» في: محمّد أركون المفكّر والباحث والإنسان (حلقة نقاشيّة)، تحرير عبد الإله بلقزيز، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط 1، 2011)، ص، 114.

(18) محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، ص، 25.

(19) هناك مصطلح ” الإبستيميائي” و ”الإبستيمولوجي”، وهما لا يحملان نفس الدلالة عند أركون، ولكن لا ريب أنّهما يتكاملان لفكّ لغز الخطابات الاجتماعيّة القديمة .. وتعني الإبستيميّة: «مجمل العلاقات التي وجدت في فترة ما من فترات التاريخ بين مختلف مجالات العلم والمعارف ومختلف الخطابات التي قيلت في القطاعات العلميّة المتنوّعة التي تشكّل النظام المعرفي لتلك الفترة. وبالتالي فالإبستيميه تعني نظام الفكر أو النظام التحتي العمقي الذي يتحكّم بفكر فترة كاملة من فترات التاريخ». أنظر، بهذا الصدد، أركون، نقد العقل الإسلامي، ص، 310 وما يليها.

(20) هو القسم الثاني من كتابه: الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر، وقد صدر بعد بضعة أشهر من رحيله، ويذكر تلميذه ومُترجمه هاشم صالح، أنّ أركون كان قد اتّفق مع دار الطليعة ببيروت ومع مسؤول النشر فيها على طبع الكتاب، ولم يكتب لأركون أن يراه بعد صدوره.

(21) محمّد أركون، تحرير الوعي الإسلامي، ص، 208.

(22) محمّد أركون، الأنسنة والإسلام: مدخل تاريخي نقدي، تر، محمود عزب، (بيروت: دار الطليعة، ط 1، 2010)، ص، 163.

(23) هاشم صالح، في مقدّمته لكتاب أركون، الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر، (بيروت: دار الطليعة، ط 1، 2010)، ص، 10.

(24) أنظر المقدّمة المستفيضة والقيّمة التي كتبها هاشم صالح للترجمة العربيّة التي أنجزها لكتاب أركون، تحرير الوعي العربي.

(25) محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، ص ص، 276 – 277.

(26) يجب التنبيه في هذا السياق إلى مفهوم ” العقل الإسلامي الكلاسيكي” عند أركون، وهنا أريد أن أحيل القارئ إلى نص أركون مباشرة، وهو أفصح – في نظري – من أي شرح أو تعقيب. يقول أركون في توضيح هذه العبارة ما نصّه: «لا ينبغي الخلط هنا بين العقل الإسلامي الكلاسيكي والعقل الكلاسيكي في السياقات الإسلاميّة. فالأول دينيّ محض أمّا الثاني فيشمل الديني وغير الديني. ينبغي العلم بأنّ العقل الكلاسيكي يشمل مجمل ما ندعوه بالعلوم العقليّة…». أنظر، أركون، نقد العقل الإسلامي، ص، 85، وما يليها.

(27) طيّب تيزيني، الأصوليّة بين الظلاميّة والتنوير، (دمشق: الدار السوريّة اللبنانيّة للنشر ودمشق: دار جفرا للدراسات والنشر، ط 1، 2012)، ص، 20.

(28) هاشم صالح، معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا، (بيروت: دار الساقي، ط 1، 2010)، ص، 123.

(29) هاشم صالح، مخاضات الحداثة التنويريّة: القطيعة الإبستيمولوجية في الفكر والحياة، (بيروت: دار الطليعة، ط 1، 2008)، ص، 184.

(30) يستخدم أركون مصطلحا جديدا هو: ” العقل الجديد المنبثق الصاعد” قائلا: «لم أذعن للموضة العابرة ولم أعتمد مصطلح ما بعد الحداثة وإنّما اخترعت مكانه مصطلحا جديدا هو: العقل الجديد المنبثق الصاعد. وأعتقد أنّه الأفضل والأكثر تعبيرا عن حاجياتنا الفكريّة حاضرا ومستقبلا». راجع هذه الفكرة، وتصوّر أركون للمهام الملقاة على هذا العقل في كتابه: نقد العقل الإسلامي، ص، 32 وما يليها.

(31) محمد أركون، تحرير الوعي الإسلامي، ص، 46.

(32) محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، ص، 70.

********************************

* أكاديميّة وكاتبة من الجزائر    

[email protected]

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

تعليق واحد

  1. تتميز مقالات الدكتورة خديجة زتيلي بالتنوع والعمق.. نستمتع دوما ونستفيد من قراءة جديدها.. مع خالص التمنيات لها ولمجلة هوامش بالتوفيق ومواصلة الإبداع. .