الرئيسية / ترجمات / من ترجمة د.جواد رشدى :محمد شكري كاتب الواقعية الحافية
د.حواد رشدى

من ترجمة د.جواد رشدى :محمد شكري كاتب الواقعية الحافية

محمد شكري كاتب الواقعية الحافية

 ذاك الملعون الذي يعيش في سلام مع نفسه()

 بقلم : أنَا برييطو نَضَال  Ana Prieto Nadal

ترجمة : جواد رشدي(**)

******

المغربى محمد شكرى
المغربى محمد شكرى

*****************

تحدث محمد شكري(1935ـ2003) في إحدى كتاباته عن كونه  يتوفر على  ذاكرتين: ذاكرة الأمي وذاكرة  رجل تعلم القراءة والكتابة بعدما تجاوز سن العشرين. ففي هذا السن وجد الكاتب نفسه أمام اختيار صعب يتمثل في تحديد مسار مستقبله إما كمهرب سلع أو كمقبل على تعلم اللغة العربية والإسبانية. وعندما وجد نفسه مسلحا بعدة أدبية ـ عادة يكتب من أجل تسلق الهرم الإجتماعي ـ فَهِمَ بأنه قادر على مواجهة أولائك اللذين سرقوا منه طفولته.

في مؤلفه الأول الذي ترجم إلى الإسبانية تحت عنوان “الخبز العاري”(El pan desnudo)  ومؤخرا تحت عنوان “الخبز الحافي”(El pan a secas) تحدث الكاتب ضمن بعض شذرات الحكي عن العنف والبؤس اللذين عاش في خضمهما زمن الإستعمار ولقد سرد ذلك ضمن كتابة سيرذاتية  ابتدأ فيها بالحديث عن هروبه من العنف الأبوي عندما كان سنه إحدى عشرة سنة إلى الفترة التي قاوم فيها ظروف الحياة الصعبة في الشارع وفي أكواخ ومقابر طنجة بين مهربي السجائر، بائعي الكِيف، اللصوص والعاهرات، كاشفا بذلك عن الوجه المعتم لمدينة تعكس من جهة أخرى أسطورة الكونية والتي ظلت مرتعا للمستشرقين، الكتاب ومحبي الجمال ـ نحيل بهذا الخصوص على جون جوني في طنجة و بول باولز، حبيس طنجة، فأعمال شكري هاته نشرت من طرف كباري فولتير حيث نجد ضمن صفحاتها ليس فقط باولز وجوني بل أيضا كتابا آخرين مثل وليام بوروغ، ألين جولسبورغ و ترومان كابوت ضمن قائمة طويلة ـ.

كتب شكري أكثر من عشرة مؤلفات بالعربية الدارجة(1) ولقد عرف أكثر بثلاثيته السيرذاتية التي من ضمنها: “الخبز الحافي”(1973) التي منعت في الدول العربية والتي لم تنشر في المغرب إلا في سنة2000، جاء بعد ذلك عمله الأدبي “زمن الأخطاء”(1992) الذي تطرق لفترة تكوينه ـ في المدرسة و بالأخص في الشارع ـ و في النهاية عمله “وجوه، غراميات و لعنات”(1996) الذي استمر الكاتب فيه متحدثا عن حياته الليلية المتمردة حيث قدم لنا كذلك من خلالها تشكيلة من النماذج المهمشة والمؤثرة جدا. تحدث شكري عن الواقع اليومي بصراحة وقساوة، دون لف أو تصنع لكن كذلك بنوع من الدقة في وصف الأحاسيس والنفاذ إلى الأعماق،  فالنماذج التي تحدث عنها هي شخوص تقاسمه نفس الظروف، شخوص من الحياة الواقعية تتمتع بالشجاعة والمرح الشرس ورسوخ الإحساس لديها برغبة البقاء.%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d9%83%d8%b1%d9%89

تخترق هذا السرد المتقد وغير المنظم شخوص مثل فاطمة ولالة شفيقة العاهرتين المتعلمتين الخبيرتين بفن الحكي، وفريد المحترز القاهر، منصف الذي يذيع أخبار الموت والموتى، “نذير الموت بلا منازع”(ص155)، حمادي الحامل للقب اللاعب والمولع بالفوز في أية مراهنة من تلك الأكثر عبثية إلى تلك الأكثر سموا، علال الذي يعاني مع أبيه المقطوع اليدين والذي لا يريده أن يتزوج من جديد، ماكدالينا التي ” تعيش أوج مجدها كعاهرة جميلة في أحضان الإسبان و جنودهم”(ص90) والتي تعيش الآن منعزلة دون إحساس بالندم، بابا دادي الملاكم السابق الذي يمتلك مطعما مشهورا في بوردو وهناك ريكاردو الطنجي التبني والذي يعرف كيف يعتذر بطريقة أو أخرى حتى لا يعبر الجسر الصغير الذي يؤدي نحو مكان صعود الركاب.

 

في هذا المؤلف الغسقي الذي يُحْدِثُ ذهابا و إيابا في الذاكرة، يصرح شكري بأنه يعيش في سلام مع نفسه: “أعرف بأن فرع حياتي شائك وبأنني لم أمنحه غير يد قاسية أو ـ لما لا؟ ـ يد قاسية لمن يريدها “(ص191). يلمح هنا إلى طفولته المدمرة بسبب الهجرة من أجل النزوح بعيدا عن المجاعة،  كما يلمح إلى ارتياحه بتعاطيه للقراءة و الكتابة بشكل احترافي متحررا بذلك من لعنة العمل الرسمي. وفي خريف عمره استمتع ـ عندما تهدأ القطط التي تتصارع في رأسه ـ بعبق الحياة اليومية، معبرا عن طموحه في غزو أجمل ما في الجمال المتوحش بالرغم من أن طنجة تبدو له بشكل أو آخر مدينة تفوح عبقا فهو يراها ك:” العجوز الواهنة، غليظة، كريهة، مليئة بالغائط(ص11). لقد صرح بأنه يعيش لنفسه وبأن الحب يريده أن يكون كالسراب حتى يختفي ويتحول إلى رغبة خالدة في ذاكرة الشعراء. لم يختر أحلامه لكنه كان سيد نفسه:

“لا أسجن نفسي قرب الأوراق التي سقطت من شجرة خريفي […]الكائن البشري لن يكون دائما كما ابتدأ ولا كما انتهى. نحن قدر أنفسها”(ص196)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ هوامش المقال:

ـ() ترجمنا العنوان بنوع من التصرف مع إضافة إسم الكاتب الذي يتحدث عنه المقال حتى يعرف القارئ من الوهلة الأولى بمن يتعلق الأمر. تجدر الإشارة إلى أن الكاتب  المغربي الراحل محمد شكرى كاتب دخل العالمية من بابها الواسع بعدما ترجم الكاتب الأمريكي روايته المثيرة للجدل ” الخبز الحافي”(1972) إلى الأنجليزية سنة1973 وبعد ترجمتها فيما بعد إلى الفرنسية من طرف الكاتب المغربي الفرنكفوني الطاهر بنجلون سنة1981. ترجمت الرواية لحد الآن إلى38 لغة.

ـ هناك أحيانا نوع من التصرف في ترجمة بعض العبارة حتى تكون أكثرا تناسقا مع السياق(المترجم).

ـ(1)ـ في واقع الأمر يكتب محمد شكري، الكاتب المغربي العالمي، بعربية فصيحة تتخللها من حين لآخر العربية المغربية الدارجة(المترجم).

ـ يوجد المقال بالإسبانية ضمن المجلة أسفله:

-« El maldito en paz consigo mismo » Ana Prieto Nadal in, Quimera Revista de Literatura « Dossier : Jaime Gil de Biedoma » collectif, España, Ediciones de Intervención Cultural S. L.,

N°379 junio, 2015, p. 54

ـ ترجمت المقال عن الإسبانية والمقال هو قراءة قامت بها أنَا برييطو نَضَال في مؤلف محمد شكري المترجم إلى الإسبانية “وجوه، غراميات و لعنات”:

“Mohammed Chukri Rostros, amores, maldiciones” Cabaret Voltaire : Madrid, 2014(Trads./H. Bouzalmane y M. Embarek Lopez).196 pags.

**********************************

(**) مترجم وأكاديمى وشاعر -المغرب

[email protected]

 

شاهد أيضاً

دار نشر غراب تعلن عن باكورة تعاونها مع د.سعيد اللاوندى

  ******* اعلن حسن غراب  عن باكورة تعاون دار النشر  الواعدة “غراب للنشر والتوزيع” مع  ...