الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. خديجة زتيلـي* تكتب: الحبّ في مُحاورتي المأدبة وفايدروس
د.خديجة زتيلى

د. خديجة زتيلـي* تكتب: الحبّ في مُحاورتي المأدبة وفايدروس

 

 مقدّمة   

أودع أفلاطون محاورتي المأدبة وفايدروس خلاصة آرائه في الحبّ، وهما من أشهر النصوص الأفلاطونيّة التي تناولت هذا الموضوع بإسهاب شديد وبوضوح تامّ، مع تنوّع أسلوب الطرح لفكرة الحبّ في المحاورتين. ففلسفة الحبّ في محاورة المأدبة تحاول أن ترصد نوعين له: النوع الأوّل ويطلق عليه أفلاطون اسم الحبّ ”النبيل” أماّ الثاني فيسميه بالحبّ ”الوضيع” مع إعطاء تبريرات لهذا التقسيم وهذا التوصيف. أما فلسفة الحبّ في محاورة فايدروس فتغوص في أجواء روحانيّة سماويّة تجعل الحبّ هوساً وإلهاماً من الآلهة، وعليه يجب أن يسمو إلى أعلى الدرجات، إلى المعرفة الفلسفيّة ذات الحقيقة الخالدة، فمحبة الحقيقة الفلسفيّة هي أرقى درجات الحبّ في محاورة فايدروس. يتناول هذا المقال هذه الأفكار بشيء من التفصيل باستحضار السياق التاريخي والاجتماعي والميثولوجيا الإغريقيّة، ولفت الانتباه إلى تأثير كل هذه العوامل في أفكار أفلاطون، مع التأكيد أنّ مواقف أفلاطون السياسيّة والاجتماعية هي على صلة وثيقة بنظريته في المعرفة وبأفكاره النظرية بشكل عام.

1-مفهوم الحبّ ”الوضيع” والحب ”النبيل”

يتحدث أفلاطون في محاورة المأدبة قائلاً: «فلو أنّ للحبّ طبيعة واحدة وحبّنا واحد لرضينا أن نجعلها كذلك فهو ذو طباع مختلفة، ومن أجناس متعدّدة، فيحمل بنا من الآن أن نتّفق على النوع الذي نمنحه وأنا بدوري أفعل هذا الآن وأذكر أي أنواع الحبّ ينبغي أن يكون موضوعاً لحديثنا قبل أن نمضي في مدح الحبّ بما هو أهل له. تعلمون أنّ أفروديت مرتبطة بالحبّ، فلو كان ثمة أفروديت واحدة لجاز أن يكون ثمّة جنس واحد للحبّ، ولكن ثمّة أفرودايتين، فلابدّ أن يكون ثمّة نوعين من الحبّ فمن هما الأفروديتان؟ هناك أفروديت السماويّة، وأفروديت الصغرى وهي ابنة زيوس ونسميها أفروديت العامية، والحبّ الذي يرتبط بها نسميه الحبّ الوضيع» (1). يترجم هذا النصّ آراء أفلاطون في الحبّ، فوفقاً لما ورد فيه ثمّة نوعان من الحبّ: حبّ نبيل يرتبط بالجانب العقلي وبأفروديت الكبرى أو السماويّة، وحبّ وضيع ودنيء يتعلّق بالجانب الحسي تمثله أفروديت الصغرى، ففي مراتب الحبّ عند أفلاطون يتفق الحبّ الوضيع مع الحسّي والحبّ النبيل مع الروحي والعقلي. وانسجاماً مع هذا الطرح كان اتّجاه الذكر للأنثى يعدّ من أحطّ أنواع الحبّ في المأدبة فهو إشباع للرغبة الحسّية المستهجنة، في حين كان حبّ الذكر للذكر من أرقى أنواع الحبّ لأنّه يعبّر عن صداقة عقليّة وتسامي روحي، ونظراً لانتشار هذه المفاهيم ساد النوع الثاني من الحبّ، أو ما يسمى بـــــــالمثليّة الجنسيّة (2)، وهي أرقى أنواع الحبّ عند أفلاطون وهي تعتمد على محبّة الرجال وليس على محبّة النساء.

نظر أفلاطون إلى هذا الحبّ بعين الاهتمام، واستهجن حبّ النساء واعتبر هذا الأخير وسيلة لإنجاب النسل وحفظ البقاء فحسب، فالجنس في أحطّ صوره هو الذي يربط الرجل بالمرأة، في حين أثنى على الجنس الذي يربط الرجل بالرجل وباركه، ولعلّ هذا ما شجّع العلاقات المثليّة بين الرجال في عصره. ويرتبط الطرح الأفلاطوني للحبّ في محاورة المأدبة بفلسفته بشكل عام، تلك الفلسفة التي تحتقر الجسد والحواس وتُعلي من قيمة العقل، ولعلّه من أجل هذا يرتقي بالحبّ إلى عالم الروح عالم المثل والحقائق الأبديّة، ويعتقد أنّ الحبّ لا يمكنه تحقيق التسامي المنشود ما لم يترفّع عن عالم المحسوسات الفاسد إلى عالم المثل المطلق. وحتى لو انجذب الرجل إلى المرأة فإنّ هذا يُصنّف في خانة الحبّ الوضيع.

أفروديت عند الإغريق
أفروديت عند الإغريق

وهكـــــــــذا ترتبط آراء أفلاطون في كلّ مرّة بتصوّره الفلسفي والسياسي للمجتمع والدولة. فالحبّ النبيل الحقيقي لا أثر للمرأة فيه، ويتّضح هذا الكلام في حديثه عن أفروديت الكبرى التي ينسب إليها النوع الراقي من الحبّ، إنّنا لا نعثر على أيّ أثر للأنثى فيها، فهي بنت أورانوس (3) (الذكر) ولا أمّ لها، إنّها قادمة من الذكر فقط ولذلك فهي نبيلة وسماوية. أمّا أفروديت العامية التي تمثل الخسّة والدناءة في الحبّ فالحبّ النابع منها «يؤثّر في الناس تأثيرا وقتيّا عابراً يعتمد على المصادفة وحدها وهو الحبّ الذي يُعمّر قلوب السفلة والعامة، ومن علاماته أن يتّجه إلى النساء وإلى الغلمان، فهو حبّ حسيّ لا روحي،، يسعى لإشباع شهوته – البهيميّة ولا يعنيه كيف يشبعها، ومن هنا في الغالب-وهذا الضرب من الحبّ يشارك طبيعة الربّة التي ينسب إليها ويرتبط بها وهي أفروديت العامية، التي جاءت إلى الوجود باتّصال ذكر بأنثى» (4).

من الأهميّة بمكان التنبيه، في هذا السياق، إلى أن آراء أفلاطون في الحبّ موصولة بفلسفة المعرفة وبمفاهيم الخير والشر والفساد، فالمحب الدنيء حسيّ والمحب النبيل عقلي وعظيم ومخلص، والأول فاسد لأنه يقع تحت تأثير الجسد أما الثاني فلا تشغله إلاّ الروح ومعها العقل، ولذلك يضفي أفلاطون صفات الذكورة على أفروديت الكبرى لأنّها تمثل الجانب الرفيع من الإنسان. ولا شكّ أنّ العودة إلى التاريخ الكلاسيكي يؤكّد ذلك، «صحيح أنّ التراث اليوناني يصوّر وجود إلهات من الإناث لهنّ قوة ومركز وكرامة، إلاّ أنّه بنبغي علينا أن نتذكّر أنّ كلمة ” إلهة” لا تدلّ بالضرورة على جميع الخصائص التي تلحق بالأنثى البشريّة» (5)، فخصائص الذكورة التي يضيفها أفلاطون على أفروديت السماويّة تعني القوّة والعفة والفضيلة، وكان هذا الأمر أقصى ما ينشده أفلاطون في مدينته المثالية العادلة.

إنّها المضامين ذاتها نجدها في محاورة فايدروس التي تعدّ عملاً أدبيّا وفلسفيّاً غاية في الأهميّة فهي فضلا عن كونها تناقش آراء أفلاطون في الفنّ السائد في عصره والفنّ المنشود، ترصد أيضاً جملة من القضايا الفلسفيّة يهمّنا منها، في هذا المقال، تصوّر أفلاطون للحبّ والمحبّ ولفلسفة الحبّ بوجه عام. إنّ الحبّ الحقيقي في فايدروس هو حبّ الفتية أيضاً إذ أنّ «هؤلاء الذين يتبعون زيوس يجتهدون بأن تكون نفوس محبوبيهم أشبه بزيوس فهم يبحثون عما إذا كان محبوبهم بطبيعته فيلسوفا وعاقلاً، فإذا اكتشفوا فيه هذا الخلق فإنّهم يتيمون في حبّه» (6). ومن جديد يعود أفلاطون في هذه المحاورة إلى إدانة الجنس ”المغاير” ومباركة الجنس ”المثلي” بوصف هذا الأخير يجلب السعادة ويخلّص النفس من عذاباتها، فقد اتفقت وجهة نظر أفلاطون في فايدروس مع وجهة نظره في المأدبة في مسائل الحبّ وفي كون الجنس المثلي هو المثالي الذي كان قد انتشر في المجتمع اليوناني وخاصّة في أوساط الطبقة الأرستقراطيّة وطبقة المحاربين، في حين كان الجنس المغاير يقتصر على تحقيق وظيفة اجتماعية فلا يعدو أن يكون وسيلة لإنجاب النسل الجيّد للدولة.

تمثال الإله زيوس
تمثال الإله زيوس

ولنمرّ إلى تصوّر أفلاطون للولادة الجسديّة والولادة الروحيّة وماهي مسوغات القول عنده؟ لاشكّ أنّه يستقي هذين المفهومين من فكرته عن أفروديت السماوية وأفروديت العامية. تقول ديوتيما (7) مخاطبة سقراط في محاورة المأدبة: «تعلّم يا سقراط أن الناس جميعا يحملون بالجسد أو بالروح، وعندما يصلون إلى زمن النضج يشعرون برغبة طبيعيّة في الولادة، ولكن لا يستطيعون ذلك إلاّ في الجمال لا في القبح، فثمّة شيء إلهي في تلك العمليّة» (8). ويذهب أفلاطون في المأدبة إلى أنّ أرقى أنواع الولادات هي الولادة الروحيّة التي تحصل بين عقلين وهي من جنس مثلي ولذلك فهي نبيلة وتعد من أرفع أنواع الولادات، أمّا أحطّها شأنا فهي الولادة الجسديّة التي تحصل من اتّصال ذكر بأنثى أي من جنس مغاير، وتعطي الولادة الأولى الأفكار الثابتة الخالدة الحاصلة من احتكاك العقول الخلاقّة، وتنتج الثانية الأطفال، وتعتبر ولادة الافكار الولادة الحقيقيّة والحدث الهامّ الذي يستحقّ الاهتمام والتبجيل.

لقد كان الطرح الأفلاطوني جريئاً بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، وكان تعبيراً عن تصوّر فكري لمنظومة اجتماعيّة وسياسيّة مطلوب تحصيلها، ومن أجل هذا تتحرّك مفاهيم فلسفة الحبّ ضمن سياقات أفلاطون المعرفيّة وتصوّراته الفلسفيّة، فالأهميّة القصوى هي لولادة الأفكار الناتجة عن الزواج الروحي، وفي هذا الموضوع يستطرد الفيلسوف قائلاً: «كلّما ارتقى الانسان زاد حبّه للخلود، وقوى الدافع إليه، أمّا أولئك الذين تتّجه غريزتهم الخلاّقة اتّجاها جنسيّاً يجعلون همّهم النساء، ويكون حبّهم جنسيّا محضاً، وتراهم يحسبون أنّهم يضمنون لأنفسهم الخلود بإنجاب الأطفال، ولكن هناك غيرهم تكون ميولهم الخلاّقة روحيّة، ويحملون بالروح لا بالجسد، ويخلقون ذريّة روحيّة. وأزيدك أنّ هذه الذريّة هي الحكمة والفضيلة عامّة» (9). فالأفكار هي التي تخلّد أصحابها ورغم أنّ أطفال الولادة الروحيّة ليسوا من لحم ودم، هم أطفال روحانيون إلاّ أنّهم خالدون لأنّهم نتاج للاتصال بالمطلق والجمال. لقد كان تقدير أفلاطون للأفكار لا يضاهيه أيّ تقدير لأنّها حدث عالمي خالد، يترجمه قوله على لسان ديوتيما: «فمن لا يغبط هوميروس وهزيود وغيرهما من فحول الشعراء على ما خلفوه من أطفال؟» (10).

2-الحبّ الحقيقي إلهام إلهي وإدراك للحقيقة الفلسفيّة

يفضي الحبّ الحقيقي إلى نوع من أنواع الهوس، وهو حالة إلهيّة مستغرقة في روحانيتها، ويشرح أفلاطون الهوس الإلهي على لسان سقراط قائلاً: «أمّا فيما يتعلّق بالهوس الإلهي فقد قسمناه إلى أربعة أقسام تصدر عن آلهة أربعة، فإلهام النبوءة يرجع إلى أبوللون، والكشف الصوفي إلى ديونيسيوس، وإلهام الشعر إلى ربّات الشعر والنوع الرابع يرجع إلى أفروديت والحبّ (إيروس) (11) وهذا هو هوس الحبّ

الذي قلنا أنّه خير أنواع الهوس» (12). فأنواع الهوس عند أفلاطون تصدر عن الآلهة المعطاءة للإبداع والتميّز، ولكن أعظمها على الإطلاق ما يصدر عن أفروديت السماويّة التي تهمل موجودات الأرض وتسعى محلّقة كالطائر في السماء، تنشد الحقيقة الإلهيّة الخالدة. والخلاصة أنّ «هذا النوع من أنواع الهوس يصدر عن أفضل المصادر سواء لمن حدث له أو من شارك فيه، فمن يشارك في هذا الهوس ويتم بجمال الفتية يقال عنه إنّه مهوس بالحبّ» (13).  هذا ويعدّ الحبّ (الإيروس) تأمل في الجمال الروحي، وهو مرتبة تتجسّد عند الحكماء والفلاسفة والشعراء، يدركون من خلاله الحبّ المطلق والجمال المطلق.

 إيروس إله الحب والرغبة
إيروس إله الحب والرغبة

يذكّرنا هذا بالإلهي الخالد الذي يدركه الرجال فقط من دون النساء، لذلك تسعى ديوتيما في المحاورة إلى مخاطبة سقراط في أكثر من سياق لكي تذكّره أنّ الحياة الحقيقيّة التي ينبغي على المرء أن ينفقها هي في البحث المتواصل والتأمل المستمر في الجمال المطلق، الذي لا تشوبه أية شائبة ولا يدنّسه أيّ شيء لأنّه نقي خالص. ومن يستطيع أن يصل إلى هذه المرتبة يحوز على الكمال و«يستطيع أن يدرك الجمال الإلهي حيث يوجد بمعزل كل شيء، وحيداً فريداً! أتجيب أنّ حياته تدعو إلى الشفقة والرثاء؟ ألا ترى، [تقول ديوتيما مخاطبة سقراط]، أنّه في ذلك المكان وحده الذي يرى الجمال المطلق ،، لأنّه لا يتّصل بظل الحقيقة ولكن بالحقيقة ذاتها؟ وإذا ما جاء بالخير ورباه أصبح أهلاً لحبّ الله ويتحقق له الخلود وإن كان من الممكن أن يظفر آدمي بالخلود» (14).

يربط أفلاطون في فلسفته بين مفاهيم الحبّ والخير والجمال، وهذه القيّم الخالدة لا يمكن أن يُحَصلها إلاّ النخبة من البشر كالفلاسفة والمبدعين، لذلك كانت دراسة الفلسفة مشروعاً كبيراً، لا يمكن أن يتاح لغير العقول الكبيرة التي تكون على استعداد وقدرة لرحلة الفلسفة الشاقة والممتعة، في اشتهاء إلهي، وفي سعي دؤوب نحو المعشوق الأكبر الحقيقة الفلسفيّة، وهذا السعي لا يضاهيه في الحياة سعي آخر. إنّ الحبّ هو حبّ الجمال، وتؤكّد المأدبة بشكل جليّ هذا المبدأ (15) الذي ينبغي أن يلهم الرجال خلال حياتهم، وليس الثراء ولا الشهرة، ولكن أقصى من ذلك هو الحبّ. فمن الرغبة القاتلة للشاعر (لوكريتيوس) إلى عاطفة الحبّ العمياء الموصوفة من طرف معاصريه، يطرح أفلاطون مسبّقا فكرة الرغبة الجامحة، النور الواضح، الخصوبة الروحيّة للحبّ.  ومادام الحبّ عنده يهدف إلى السعادةـ، فهو لا يكمن في إشباع غريزة جسديّة لفترة قصيرة، ولكن في تجديد الرغبة على الدوام نحو الأعلى (16)، ما يعني بالنتيجة استبعاد البعد الفيزيقي الذي لا يجب أن يتربّع على صدارة الاهتمامات فللحبّ بعد روحي يفضي حسب أفلاطون إلى السعادة الروحيّة. ولا يعدّ هذا الموقف غريباً إذا وضع في سياقه التاريخي والفكري، بل إنّه يبدو مع كلّ المبالغات التي توجد فيه منسجماً مع نفسه نابعاً من ظروف المجتمع والعصر ومن طموحات الرجل السياسيّة في محاولة للاستجابة لأسس المدينة الأفلاطونية التي وضع أسس بنيانها في كتاب الجمهوريّة والقوانين وفي محاورات أخرى.

3-إدانة الطبيعة البشريّة للأنثى

إنّها المدينة الأفلاطونيّة العقليّة، المدينة – الفكرة، التي تضمّ رجالاً أفكاراً ونفوساً متماثلة ومتطابقة مع الأفكار (17)، وقد ترتّب عن هذا التصوّر جملة مفاهيم اجتماعيّة سايرت الطرح الأساسي وعبّرت عنه اجتماعيّا من خلال مواقف مختلفة من أهمّها مكانة المرأة في هذه المدينة، فقد قرّر أفلاطون معالجة المواضيع الاجتماعيّة لدولته على نفس الشاكلة التي صنّف بها أفكاره فلا تتبوأ المرأة في فلسفة أفلاطون مكانة الرجال لأنّها أقلّ منهم علماً ودراية وهو بذلك يربط بين الذكورة والعقل والأنوثة والحسّ. ووفقاً لذلك تصبح الذكورة وضعية إيجابيّة في المجتمع وتعدّ الأنوثة وضعيّة سلبيّة، فالمرأة ترمز إلى الحسّ والجسد وكان أفلاطون قد أبعدهما وجعلهما خارج نطاق المعرفة وفي مرتبة دونيّة مقارنة بالعقل الذي جعله يحتل الصدارة، ويفضي هذا النقاش في نهاية المطاف إلى اعتبار الفلسفة وممارسة السياسة شأن رجالي. لقد قسم أفلاطون المجتمع وفق تراتبية هرميّة وجنسيّة ولا شكّ أنّ هذا التقسيم التعسّفي قد انعكس بشكل كبير على المجتمع وعزّز من فكرة إدانة الأنثى.

ففي مقطع من محاورة تيماوس يتحدّث أفلاطون عن الطبيعة البشريّة ويسترسل في الكلام شارحاً خصائصها منتهياً إلى تصنيفها إلى طبيعتين: طبيعة خاصّة بالرجل وأخرى خاصة بالمرأة وينتهي، بعد تحليله للطبيعتين، إلى إدانة ” الطبيعة” الأنثويّة وإلصاق كلّ الشرور والآثام بها بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يجعل الخلق على هيئة أنثى عقاباً للإنسان على أخطاء ارتكبها أو تكفيراً على خطيئة ما، فالمرء الذي يعيش حياة فاضلة ويدير ظهره للشهوات والنزوات عندما يُبعث من جديد فإلى الأعلى كالنجم حيث يعيش حياة خيّرة فاضلة، ولكن الذي يفشل في تحقيق ذلك سيتحوّل في ولادته الثانية إلى امرأة، وإذا لم يتوقّف عن ارتكاب الشرور فعندها سيتحوّل إلى حيوان يُشبه في طبيعته مصدر الشرّ القادم منه (18). وتعبر تيماوس أيضا، وهي من المحاورات المتأخرة، عن رأي أفلاطون في كون صناعة القرار في المجتمع هو صناعة ذكورية بامتياز وأنّ الفلسفة والتفكير العقلي حكرا على الرجال فقط. ولا شكّ أنّ أفلاطون وهو يتناول قضايا مجتمعه لم يكن باستطاعته تجاهل قيّم عصره فترتّبت عن ذلك آراءه في الحبّ والمرأة والزواج وقضايا أخرى مرتبطة بوجهة نظره المعرفيّة ومتّسقة مع آرائه النظريّة.

 

 

********************************

  هوامش المقال:

 (1) أفلاطون، المأدبة (فلسفة الحبّ)، تر: وليم الميري، (القاهرة: دار المعارف، 1970)، ص ص 43-44.

(2) كانت مثل هذه العلاقات منتشرة في المجتمع اليوناني حتّى قبل أفلاطون.

(3) أورانوس إله السماء في الميثولوجيا الإغريقية.

(4) أفلاطون، المأدبة، ص 34.

(5) سوزان موللر أوكين، النساء في الفكر السياسي الغربي، تر: إمام عبد الفتّاح إمام، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ط 1، 2002)، ص 26.

(6) أفلاطون، محاورة فايدروس أو عن الجمال، ترجمة وتقديم، أميرة حلمي مطر، (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص 72.

(7) ديوتيما Diotima، قد تكون شخصيّة أسطوريّة من نسيج خيال أفلاطون، ذكرها في محاورة المأدبة لتمرير آرائه.

(8) أفلاطون، المأدبة، ص 64.

(9) المرجع نفسه، ص 67.

(10) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(11) إيروس EROS هو إله الحبّ عند الإغريق، وتذهب الأسطورة اليونانيّة إلى أنّ الإيروس قد أثمر من زواج (البوس) الذكر، و(نوكس) الأنثى، وولد الإيروس ثم انطلق في الكون يحمل الحب والعشق. وللاطلاع أكثر أنظر: حسن عبد الغفّار، أشهر الأساطير الإغريقيّة، (القاهرة: دار مشارق للنشر والتوزيع، ط 1، 2008).

(12) أفلاطون، محاورة فايدروس، ص 93.

(13) المرجع نفسه، ص 68.

(14) أفلاطون، المأدبة، ص 70.

(15)  Aude lancelin , Marie Lemonnier, les philosophes et l’amour :   aimer de Socrate à Simone de Beauvoir , (Paris : Éditions, j’ai lu ,   2010) , p 28.

(16). Ibid

(17) Michel-Pierre Edmond, Le philosophe-roi : Platon et la politique, (Paris : Éditions Payot et Rivages , 2006), p 102.                  

(18) Platon, Timée, présentation et traduction par Luc Brisson, (Paris : 5 eme édition, 2001), pp 135-136.

 ********************************************

* أكاديميّة وكاتبة من الجزائر    

khadidjazetili@hotmail.fr

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...