الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندى * يكتب :رسالة من القلب
د.سعيد اللاوندي

د.سعيد اللاوندى * يكتب :رسالة من القلب

 

فى إحدى المرات كنت فى زيارة إلى “تونس”العربية ،وكتبت مقاله فى السياسيتين الدولية والمصرية ،وأعطيتها لأحدى المجلات التى تصدر إسبوعياً بها ،وإنتظرت أن يسألنى عامل المطبعة عن معنى بعض الكلمات التى قد تكون غَمضت عليه ،أو أن يسألنى رئيس التحرير عما أقصده من بعض العبارات ..

وكانت دهشتى أن المقالة قد نُشرت بكلمات صحيحة لا لبس فيها ولا غموض ،وبطريقة نشر جيدة ،وبعد أن شكرت الأخوة فى إدارة المجلة على ذلك ،شعرت بنشوة أن لغتنا العربية كانت الرباط الذى يجمعنا فقربتنى من عامة الشعب العربى التونسى ،وجعلتنى أشعر أنى فى بلدى الثانى ..

أقول الحق لقد جعلتنى أفكر فى دول أوروبا التى تتكلم لغات عدة ،وتكاد “اللغة ” تحُول دون أن يفكر الجميع بطريقة واحدة ،فبين الفرنسية والأسبانية والألمانية والأيطالية ضاعت أو ضعفت أو إختفت معان كثيرة !

الشئ نفسه أشعر به مع مجلة “هوامش _تنوير “الثقافية ،إذ تأتينا مقالات أو دراسات من الجزائر –بلد المليون شهيد- ومن تونس الحبيبة ومن العراق –بلد الصمود- ومن اليمن السعيد ،ومن كل بقاع الأمة العربية ،فنعدها  على الفور للنشر ،لأنها مكتوبة باللغة العربية الفصحى التى تقربنا ولا نشعر –نحن فى مصر- بأى غموض ،وهذا بعنى أن اللغة العبية هى الحصن الكبير الذى يضمنا ويجمعنا ويجعلنا نشعر بأننا إخوة نتكلم لغة واحدة ،ونعبر بأحرف واحدة عن مشاعرنا العربية الخالصة !

ولاأدرى لماذا قفزت أمام عينى صورة عميد الأدب العربى إستاذنا طه حسين وهو يقول :”أ اللغه العربية ..لغتنا الجميلة ولنا أن نجدد فيها ما شئنا “،وعن استقباله ذات يوم فى تونس كان يردد :”لقد شعرت أننى لم أغادر مصر ،فاللغة العربية  هى الرباط الذى يجمعنا ،ناهيك عن القضايا الأدبية التى كنا نقطع فيها سحابات نهارنا ،هى ذاتها التى كنا نتحدث فيها وعنها فى تونس” .

وما أزال أذكر جادة بورقيبة وتمثال عالم الإجتماع الشهير ابن خلدون ،وهو يقف شامخا فى الشارع الكبير بحرس المحال والمارة على السواء . وفى نهاية الشارع توجد مكتبة عربية عثرتُ فيها على كتب لعباس العقاد –عملاق الأدب العربى – لم أكن قد وجدتها فى مصر ،أما مؤلفات الروائى العالمى نجيب محفوظ فكانت بالجملة ،إلى جانب  شرائط  غناء كوكب الشرق أم كلثوم  ثم فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ..

قلت فى نفسى بعد أن حملت من هذه الكتب وتلك الشرائط ما إستطعت ..ليست فقط اللغه العربية ولكن أيضا أهل الفكر هنا هم أهل الفكر هناك ،والعادات والتقاليد فى اللهو البرئ والغناء والطرب رباط آخر يجمع بعضنا بعض .

وكما نقول :الصحة تاج على رؤس الأصحاء لا يعرفها الا المرضى ،فإن اللغه والفلسفة والغناء والطرب ..كلها روابط تضمنا وتجمعنا وتحتضننا وتقربنا إلى بعضنا البعض .

ولست أنكر أن هوامش ثقافية تهدف إلى أن تكون جسرا يربط الشامى والمغربى ،والشرق أوسطى ،وأبناء الجزيرة العربية وتضمهم إلى بعضهم البعض …تلك الأمنية التى كانت تدغدغ مشاعرنا طويلا ،فكلنا نفكر بطريقة واحدة ونعتز بعروبتنا التى هى أول من يعبث بها الأعداء .

وفى تونس وتحديدا فى سوسة ،تعمدت أن أذهب فى ساعة الأصيل وتناولت طعام أهلها على أحد شواطئها …وهتفت كما قال إبنها أبو القاسم الشابى :

                                                     “أرأيت سوسة والأصيل يلفها **فى حلة نُسجت من الأضواء

وكنت سعيدا أن تقمستنى المشاعر ذاتها التى ربما تقسمت أبى القاسم الشابى وربما أكثر …

والحق لولا اللغه العربية لضاعت منى هذه المشاعر ،وضاع منى الشاعر العربى الكبير أبو القاسم الشابى .

ورغم أن المجلة (هوامش )تقتسم معنا طعامنا اليومى الا أننا سعداء أن حفرت لنفسها مكانا ورقيا والكترونيا ،وكانت سببا مباشرا فى أن نعرف عددا من العقول التنويرية العربية التى لم نكن نعرفها فى الجزائر والعراق واليمن والمغربوسوريا …ووطدت علاقتنا بالكتاب والشعراء فى مصر والسودان وموروتانيا .

لقد حز فى نفسى أن أجد بعض حكام العرب أعطى لجرحى عدونا الأسرائيلى عدة ملايين من الدولارات ليبرأوا ويقووا ،ثم يحاربوننا ويقتلون فلذات الأكباد بعد ذلك ..أما هوامش “التى تناضل من أجل البقاء وتربط القاصى بالدانى فى أمتنا العربية وتعيد أمجاد اللغة وتكشف عن قرائح حاول الغرب طمسها فلها ولنا الله …

بكم أيتها العقول العربية فى كل مكان ،وياحاملى لواء لغتنا وأصحاب الفكر المستنير ،نستمد العون ..أهلا بما تكتبون ،مصر أم الدنيا ترحب بإسهاماتكم ،مع وعد بالصمود وقبول التحدى وإنا – بإذن الله – لموجودون …

*************************

*مفكر مصرى

شاهد أيضاً

معرض القاهرة الدولي للكتاب يناقش كتاب “تهافت المثقفين” للمفكر د.سعيد اللاوندي

      من المنتظر مناقشة كتاب “تهافت المثقفين “للمفكر المصري د.سعيد اللاوندي بقاعة المقهى ...