الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام أصلان *يكتب :الجزائر ..المدينة المخلصة للنهار
الروائى المصرى هشام أصلان

هشام أصلان *يكتب :الجزائر ..المدينة المخلصة للنهار

7763

1
مارس ـ 2012:
“خذوني معكم”، قالها موظف الاستقبال في أحد فنادق العاصمة الجزائرية، عندما سمعني أودع صديقاً: إلى اللقاء في القاهرة.
2
أكتوبر ـ 2016:
الثانية صباحًا. أوقفتُ السيارة أمام عربة الكبدة والسجق الشهيرة في وسط القاهرة، بالقرب من مقهى زهرة البستان في نهاية سهرة.

كان صديقنا الكاتب الجزائري سمير قصيمي قضى بضعة أيام، لم أره خلالها إلا في الليلة السابقة لعودته إلى الجزائر. في طريق إيصال سمير إلى مكان إقامته، اقترح طارق إمام أن نأكل شيئًا يسد جوع ما بعد الشراب. لاحظ البائع لهجة سمير غير المصرية وهو يسأل عن مكونات الطعام،فأنقذني من صعوبة الشرح عندما أخبر صديقنا، بعدما عرف جنسيته، عن اسم ما نأكل بالجزائري.

3

كانوا يتحدثون، طارق وسمير وصاحب عربة الكبدة، بينما سرحت في ما صدمني به سمير قبل النزول من السيارة.

كنت في صدد إخبارهما عن إصراري على التقاط صورة مع تمثال الأمير عبد القادر في وسط العاصمة الجزائرية، لدرجة أنني تركت الرفاق وذهبت خصيصًا لالتقاطها. أردت توثيق رحلتي بصورة خاصة مع أحد مكونات النوستالجيا. ذلك أن اسم “عبد القادر” كان من الكلمات القليلة التي استطاع المصريون من أبناء جيلي تبينها من المصطلحات الغريبة لأغاني “الراي”. كنا نردد بداية الأغنية “عبد القادر يا بوعلم ضاق الحال علي.. داوي حالي يا بوعلم”، ثم نكمل بقيتها بدندنة الموسيقى فقط.

قبل أن أكمل حكاية الصورة، قاطعني سمير موضحًا أن عبد القادر الذي ذكره الشاب خالد في الأغنية الشهيرة هو شخص آخر غير الأمير عبد القادر الجالس فوق حصانه رافعًا السيف وسط أكبر شوارع الجزائر، والذي حرصت على التقاط صورتي إلى جانبه.
4
كانت ثلاث سنوات قد مرّت على أزمة مباراة كرة القدم الشهيرة، بين منتخبي مصر والجزائر في أم درمان السودانية.

نحن في 2012، والنار بين البلدين على مشارف الانطفاء. وكنت قضيت ستة أيام برفقة الشاعر المصري شعبان يوسف في العاصمة الجزائرية، لحضور مؤتمر بمناسبة مرور 50 عامًا على استشهاد الكاتب والمناضل مولود فرعون.monument_alger-527-600-450-80-c-rd-245-245-245

في الشوارع المحيطة بساحة الشهداء، رحب بنا الباعة والمارة، الذين التقطت آذانهم اللهجة المصرية، وراحوا يؤكدون أن ما حدث تسبب فيه الإعلام من الطرفين.

بعض الإعلام الجزائري اشتغل على تذكير السودانيين بأن الأفلام المصرية القديمة تعمدت إعطاء سُمر البشرة أدوار “السُّفرَجية” وحراس البنايات. في المقابل، بالغ إعلاميون مصريون في التحريض، والتعامل مع المباراة بطريقة ثأرية جنونية. ويبقى التسريب الذي شاهدناه للمطرب محمد فؤاد هو الأبقى في الذاكرة والأكثر إثارة للسخرية. رآه مئات من زوار “يوتيوب” في مكان ما، يتحدث تليفونيًا مع الإعلامي عمرو أديب مؤديًا دور المرعوب ويصرخ: “إحنا بنموت”.

5
البيوت بيضاء في كل مكان. لها نوافذ زرقاء. كثير منها ينحدر على واجهات مرتفعات صخرية. يقولون إن الاستعمار الفرنسي طوّع الجبل ليضع مبانيه. البعض يرى أن الاستعمار شيء، والاحتلال شيء. المعنى ليس واحدًا بالتأكيد. الأول آثاره أكثر امتدادًا في الزمن.

في قاعة المكتبة الوطنية، كنا جميعاً من العرب، رغم ذلك وجدتني مضطرًا لوضع سمّاعات الترجمة على أذنيَّ حتى أفهم ما تقوله المنصة. في سهرتي مع سمير، عرفت أن هناك ترجمة من الجزائرية الدارجة، المخلوطة بالفرنسية، إلى العربية.

يقول محمود درويش إنه فوجئ، عندما جاء إلى القاهرة، بمدينة عربية لا يتحدث سكانها بغير العربية. عرفتُ هذا مع بعض السفر، لكن الجزائر كانت الأكثر صعوبة. على أي حال، كانوا رأفة بحالنا، يتكلمون بلغة نفهمها.

بعد قليل ستلمس ببساطة عبئاً يحمله عدد من المثقفين الجزائريين للملمة الهُوية، وحماس بعضهم لفكرة أن الأجيال الجديدة نفضت عنها سطوة اللغة الفرنسية، والدليل فى رأى رشيد بوجدرة، هو أن توزيع الصحف المكتوبة بالعربية بدأ يفوق توزيع مثيلاتها بالفرنسية.

6
على بعد ساعتين أو أكثر من العاصمة، رأيت بلدة “تيزي وزو”، وشاهدت على مدى البصر جبالاً عالية غطى الثلج قممها، رغم درجة الحرارة المرتفعة! قالوا إنك تستطيع ممارسة رياضات الصيف والشتاء في وقت واحد. نعم، أنت تستطيع التزحلق على جليد جبال “جورجوا”، أو في اليوم نفسه، تذهب إلى الشاطئ للسباحة!

الطرقات الضيقة الصاعدة بين المرتفعات الصخرية، في “تيزي وزو”، سمّاها مولود فرعون، في إحدى رواياته “الدروب الوعرة”.

دُعينا إلى الغداء في المدرسة التي تعلم فيها فرعون. الجميع يتحدث الأمازيغية. قالت مرافقة بالعربية، إن أهل البلدة صنعوا الطعام في بيوتهم وأتوا به ترحيبًا بالضيوف. وقالت، أيضًا، إن قبائل الأمازيغ، بين الجبال، يعيشون بالتكافل الاجتماعي. مرافقتنا التي تعرف العربية وصفت نفسها بـ”ابنة الفقير” نسبة إلى أحد عناوين مولود فرعون.
7
عليك إنهاء كل شيء قبل الساعة الخامسة. بعد ذلك لا يوجد في الشوارع إلا الصمت. المقاهي والمطاعم والمحال مغلقة. يقولون إن هذا هو أثر أيام الإرهاب وحظر التجوال. بعد سنوات، ستقع القاهرة تحت حظر التجوال أيضًا، لكن المصريون لا يهتمون بالقرارات الرسمية كثيرًا.

ربما يستطيع صديق أن يجد لك “باراً” صغيراً منزوياً. المؤكد أن هذا استثناء. الأصعب هو اضطرار صديقك أن يأتي لاصطحابك بسيارته، حيث لا وجود لوسيلة مواصلات.

في الجزائر، عليك ألا تطمئن لسهولة المواصلات حتى قبل الخامسة. أنت لا تستطيع أن توقف سيارة “تاكسي” لتذهب بك أينما تريد. السائق سيوافق على توصيلك فقط إذا كنت ذاهبًا إلى مكان يقع في خط سيره. المدهش، أنك ستتأقلم، وربما تحب النهار، رغم أنك من أبناء الليل. المدينة تفرض شروطها.

يقول درويش: “كل مدينة لا تُعرَف من رائحتها، لا يُعوّل على ذكراها”. وأنا ما زلت أتذكر رائحة تلك المدينة المخلصة للنهار.
———-

*كاتب من مصر
عن: almodon.com

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...