الرئيسية / أخبار ثقافيه / ا.د. عبد الله محمود سليمان* يكتب :الحب والسياسة
د.عبد الله سليمان

ا.د. عبد الله محمود سليمان* يكتب :الحب والسياسة

 

 

 

     الحب والسياسة لفظان يبدوان متناقضين. فالسياسة تبدوا أحياناً قنابل تسقط على الأبرياء وسجون تعتقل الشرفاء ، وطرد وتشريد، وإحلال للقوة فوق الحق.

أما الحب فهو الجنة الموعودة ، تمتلئ بالأزهار والورود ، تبعث فى الحياة بعطر أخاذ يسكر الإنسان عن شرور الحياة ، ويثير فى عقول وقلوب البشر  وسائر أحاسيسهم نشوة أبدية . السياسة هى دائماً ملعونة حين تؤدى إلى شقاء الإنسان والحب دائماً مُرحب به حتى حين يكون فيه عذاب الإنسان.

لكن علاقة السياسة بالحب هى أخطر من ذلك ، ولا يتبين خطرها إلا بالمعالجة العلمية الهادئة . ويُقصد بالسياسة “الأساليب والتقنيات التى تُستخدم فى إدارة الحكومة والدولة” . لكن هذا مفهوم قاصر. فالسياسة مثل الحب تنساب فى خلايا عقولنا ، وأوعية دمائنا ، فى إستنشاق الهواء الذى يصيبنا بالمرض أو يبعث فينا الحيوية ، ويفعل قوى النمو فى ذواتنا

السياسة ترتبط بالسلطة والضبط . وأى مظهر من مظاهر حياتنا لا يرتبط بالسلطة والضبط .

ومن ثم تكتسب السياسة معنى شاملاً . الا نتحدث عن “سياسة الأسرة ، سياسة التعليم ” والسلطة  والضبط فى الزواج ، وفى مجال العمل ، وغيره من مجالات الحياة . السياسة تتمثل فى سلطة أفراد (أو جماعات) يؤثرون وآخرين يتأثرون . وترتبط السياسة بالإستراتيجيات والتقنيات ، متعمدة أو غير متعمدة ، يسعى الفرد بواستطها إلى إكتساب السلطة والتحكم فى حياته نفسه أو حياة الآخرين

تُكتسب للفرد او تكون موضوع مشاركة الجماعة . ومن المحاور الأساسية فى السياسة سلطة إتخاذ القرار . والسياسى هو من يتخذ القرار ، وينظم ويتحكم شعورياً أو لا شعورياً فى أفكار ومشاعر وتصرفات الآخرين . ويبرز السياسى القائد فى صورة رب الأسرة و ناظر المدرسة ، ومدير العمل وكل رئيس وكل قائد لأية منظمة من منظمات  المجتمع .

وماذا عن الحب؟ لنستمع إلى المنظرين الذين درسوا الحب وتأملوه . يقول إريك فروم فى كتابه الكلاسيكى “فن الحب” : “الحب هو الإهتمام الإيجابى بحياة ونمو من تحب”، كما يوضح أن الحب هو أن تبذل الجهد من أجل شئ ما … أن تجعل شيئاً ما ينمو ”  ويؤكد الأنثربولوجى أشلى مونتاجيو أن “الحب هو علاقة بين أفراد تسهم فى نمو ورفاهية كل منهم” ، ويضيف ” الحب هو أن توفر فوائد نمائية لمن تحب”.

هدف الحب إذن هو العمل على نمو الإنسان وتنمية إمكاناته وإسعاده . والذى يحقق هذا الهدف هو المحب ، كل من يحب إنساناًآخر ، الأم والأب والطفل والمعلم والتلميذ ، ومدير العمل والعاملين ، ورئيس الدولة وأبنائها . والحب يولد الحب ” وكيف لا أحب من يعمل على تنميتى وتحقيق رفاهيتى ؟! من هنا تتحقق “التبادلية” فاذا أحبنى فرد وعمل على تنميتى وإسعادى ، فلابدأن أحبه وأعمل بدورى على تنميته وإسعاده . لذلك نجد منظَراً نقول :” الحب والصداقة هما نسيج المجتمع ودثاره ، وهما لا يربطان أفراد المجتمع فحسب ، بل يقدما لنا المؤازرة الوجدانية ، ويحمياننا من الضغوط ويحفظان علينا صحتنا الجسمية والنفسية  ” .

ما هى علاقة الحب بالسياسة ؟ للإجابة على هذا السؤال يقدم لنا إيريك فروم صورة تحليلية تستحق التأمل والتفكير . وتبدأ الإجابة على هذا السؤال بتأمل طبيعية الإنسان . من هو الإنسان، ما الذى يميزه عن غيره من الكائنات ، ويجعل قلبه ينبض بالحب وعقله يسعى إلى تحقيقه ؟ يجيبنا إريك فروم بأن  أهم ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات هو وعيه بذاته ، بانه منفصل عن الطبيعة وعن غيره من الكائنات ، وبان قوته محدودة ، وانه يتميز بالعجز أمام قوى الطبيعة ، ومن ثم فإنه يعيش سجين شعور قاتل بالوحده . ولذلك لابد وأن يتغلب على أسوار سجنه ويحطم جدران قوقعته إن أراد الحياة والنمو ، وإذا لم يستطع ذلك فليس له من مصير إلا الإنهيار والجنون .

ولكى يتغلب الإنسان على شعوره بالوحدة ، يلجأ إلى الإتصال بالطبيعة وبالآخرين كى يشعر بأنه ليس وحيداً فى هذا العالم ، وأنه حين يعجز عن إشباع حاجاته وتحقيق أهدافه ، سيجد الآخر الذى يمد له يد العون ويشعره بالمودة والدفء .

ويعتمد أسلوب الإنسان فى الخروج من سجنه والإتصال بالآخرعلى درجة تفرد الإنسان وعلى وعلى مرحلة نموه . ففى مرحلة المهد لا يصل الطفل إلى درجة من التفرد والتمايز ، ومن ثمَ يرتبط بأمه إرتباطاً مادياً بجسمها ، وثديها ، وبشرتها وملامستها ، فمجرد الحضور المادى للأم يمنحه الشعوربالأمن . وبالمثل المجتمعات البشرية    فى مهدها ترتبط بالطبيعة ، وتشعر بالوحدة معها . ألم يعبد الإنسان النبات والحيوان  والشمس والكواكب . لقد منحه  ذلك الإرتباط الشعور بالأمن والقوة .

فى إتحاد الإنسان بالآخر رباط بينه وبين الأخر . ومن ثم تتكون المجتمعات ،ويبرز فيها التأثير والتأثر ، ومن ثم يكون الحب والسياسة .

ويلجأ الإنسان إلى أساليب عدة للتغلب على شعوره بالإنفصال والاتحاد مع الآخر :

  • الطقوس . وتتمثل فى ممارسة نشاط زائد مع الجماعة من شأنه أن يحدث نشوة لدى الأفراد . ومن أمثلة ذلك الطقوس التى تقوم بها القبائل البدائية ، والجلسات الجماعية لتعاطى الكحول والمخدرات . فى هذه الحالات من النشاط الزائد والنشوة المفرطة يختفى العالم الخارجى ويختفى معه الشعور بالانفصال . وتجعل الممارسة الجماعية لهذه الطقوس أساليب مقبولة تؤدى إلى التغلب على الشعور بالانفصال . أما إذا كانت هذه الممارسات غير مقبولة ، فإنها لا تؤدى إلى التغلب على الشعور بالانفصال ، مثل تعاطى الكحول والمخدرات الغير مقبولة إجتماعياً .
  • مسايرة الجماعة ، حيث يتوحد الفرد مع الجماعة ، ويؤمن بمعتقداتها ، ويتبنى أفكارها ، ويسلك طبقاً لعاداتها وتقاليدها فى ملبسه ومأكله ، وفى الطقوس الخاصة بالولادة والزواج والمرض فإذا كنت أفكر مثلما يفكر وأسلك كما يسلكون ، وألبس مثلما يلبسون ، وأطعم نفس طعامهم ، أكون أنا مثلهم ، وبذلك يختفى شعورى بالانفصال .
  • النشاط الإبتكارى . فى هذا النشاط يوحّد الفرد نفسه مع مواد عمله و التى تمثل المجتمع الخارجى أو العالم الخارجى . فالجواهرجى يتوحد مع المجوهرات التى يصوغها والفنان يتوحد مع الصورة التى يرسهما .

وهذه الأساليب غير فعالة . فالوحدة التى تنتج مع العمل الفنى هى وحدة   مع الأشياء وليست مع البشر ، والوحدة التى تنتج فى النشاط الزائد هى  عابرة ، وتلك التى تحدث فى مسايرة الجماعة هى وحدة زائفة . أما الوحدة التى تتحقق فى العلاقات بين الأفراد والتى تجيب على مشكلة الوجود ، التى تتحقق فى الإندماج مع شخص آخر أو أشخاص آخرين ، فهى الوحدة التى تتحقق فى الحب .

  • الحب هو الأسلوب الفعال للتغلب على وحدة الإنسان . هو رغبة الإنسان فى الإندماج مع الآخر ، ورعايته ، وإحترامه ، ومعرفته ، والتعامل معه بمسئولية عنه .

الحب هو أكثر خصائص الإنسان جوهرية ، هى القوة التى تحافظ على الجنس الإنسانى ، على العصبة والأسرة والمجتمع . والفشل فى تحقيق الحب يعنى الجنون والدمار ، تدمير الذات وتدمير الآخرين . وكما يقول فروم “بدون الحب لاتستطيع  الإنسانية أن تعيش يوماً واحداً ” . الحب الذى يكون حلاً لمشكلة الوجود الإنسانى ، لا نعزال الإنسان عن نفسه وعن المجتمع  هو الحب الناضج . لكن للحب صوراً غير ناضجة . وفى صور الحب الناضجة وصور الحب الغير الناضجة تتضح علاقة الحب بالسياسة.

من صور الحب غير الناضج “حب التعلق ” بصورتيه السلبية والإيجابية . والصورة السلبية هى الخضوع أو ما يسمى إكلينيكياً بالمازوكية . فالشخص المازوكى  يهرب من شعوره غير المحتمل بالإنعزال، بأن يجعل نفسه جزءاً من شخص آخر ، يقوم هذا الشخص  بتوجيهه و إدارته وحمايته ؛ ولايكون المحب شيئاً إلا بإعتباره جزءاً من محبوبه . والشخص  المازوكى لا يتخذ قرارات ولا يقوم بمبادرات ؛ إذ هو ليس بمستقل أو متكامل . وإنما الذى يوجهه ويسير حياته هوالشحص السادى الذى يمثل الصورة الإيجابية لحب التعلق . والشخص السادى يريد أن يهرب من وحدته وسجنه بأن يجعل شخصاً آخر جزءاً من نفسه . وهو يضخم من ذاته بأن يدمج فيها شخصاً أو أشخاصاً آخرين يخضعون له . والشخص السادى يعتمد على الشخص المازوكى مثلما يعتمد المازوكى على السادى . والفرق بينهما هو أن السادى يمنح الخير ويمنعه ، ويأمر ويستغل ويؤدى ، بينما المازوكى هو الذى يرضى بالفتات هو الذى يُؤمر ويُستغل ويُؤذى . ولك أن تتصور ماذا يمكن أن يكون حال أية مؤسسة أو منظمة إجتماعية أوسياسية يحتل قطباها السادى  والمازوكى ، ففى هذا العصر يحتاج الأفراد والمجتمعات إلى كل قدر من إمكانات العقل الإنسانى ، وكل جهد لكل فرد من أفراد المجتمع ، وذلك حتى تسير سفينة الجماعة فى إبحارها فى الحياة بفاعلية ؛ تتفادى جبال الثلج ، وتبتعد عن العواطف .

وتستطيع أن تتصور أن الجماعة التى تقوم دينامياتها على أساس حب التعلق بصورتيه السلبية والإيجابية  لايمكن أن تستمر . ومهما كانت الصورة مخففة ، فأنها ستنمو رويداً رويداً نحو مصيرها المحتوم . وتامل ما حدث لألمانيا النازية فى عهد هتلر .

لذلك يعتبر إريك فروم “الحب المنتج”هو نوع الحب الذى يحتاج اليه الإنسان كى يتغلب على انعزاله والإرتباط بالآخر إرتباطاً إيجابياً مثمراً . هو فعل منتج يفعّل القوى الإنسانية التى تمارس نتيجة الحرية لتعمل على إثراء حياة الإنسان وحياة مجتمعه . هو فعل إيجابى ، ومن ثم يرفض فروم عبارة ” الوقوع فى الحب ” ويستبدل بها ” الوقوف فى الحب ” مما يعنى فعلاً إيجابياً يتسم بالحرية والمساواة ، فالمواطنون  جميعاَ متساون فى مواطنتهم  ، وإذا ما شعر كل منهم بالحرية ، وأن دوره فى الجماعة مساو لدور كل مواطن آخر ، إذا ما تبوأ موقع القيادة يوماً قامت علاقته بأفراد جماعته على أساس المشاركة والمساواة ، وإعتبر نماذج السادية والمازوكية أمراضاً سياسية إجتماعية يحب محاربتها بكل القوى ، ووضع القوانين وترسيخ المبادئ والقيم التى تحاربها وتستأصلها من الحياة الإجتماعية الحياة السياسية  الصحيحة إذن هى الحياة الديمقراطية التى يُساهم  فيها كل فرد بمالديه من إمكانات فى عمل الجماعة على  تحقيق أهدافها التى تُصاغ بمشاركة أفرادها بالتنوير والحوار ودون قمع أو إرهاب ومن ثم يكون التعريف الصحيح للقائد “هو الذى يكتشف مصادر القوة فى أفراد جماعته  ويعمل على تنميتها ، ويضع تحت تصرف أفراد جماعته الإمكانات والمصادر التى تمكنهم من تفعيل إمكاناتهم لخير الجماعة ، وذلك  حتى تصير الحياة حباً “.

***********************************

أستاذ علم النفس الإرشادى جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

3 تعليقات

  1. استاذل الغالى قامة في لعلم والتربية والارشاد النفسي
    مقال رائع كعادتكم

  2. استاذي الغالي و معلمى قامه في العلم والخلق
    مقال رائع كعادتكم

  3. استاذي الغالى ومعلمة قامه في العلم والخلق
    مقال رائع كعادتكم