الرئيسية / أخبار ثقافيه / د داليا عصفور* تكتب :حواديت

د داليا عصفور* تكتب :حواديت

للحكي سحر خاص منذ رسم الانسان خطوط تحكي قصص الصيد والحيوانات والحياة والموت علي جدران الكهوف ومنذ  تجمع الناس  حول النار ليلا يستمعون الي حكيم القبيلة وهو يحكي حكايات نشأة الأرض والسماء وقصة الخلق وحتي الأن عندما تتسع عيون الاطفال حماسا ويصمتون عن صخبهم بمجرد أن يعرض عليهم أحد الكبار أن يحكي لهم حدوتة. ولجيلي مع الحكايات حكاية بدأت مع مجلات ميكي وماجد بعد المدرسة كل يوم خميس ومع رجل المستحيل وملف المستقبل وفلاش في اجازتي نصف العام والصيف وحتي صدرت مكتبة الأسرة  والتي  فتحت لنا عالم  المراية السحري  حيث قرأنا فيها لنجيب محفوظ وحارته وفتواته وطه حسين  وعالمه الفلسفي بالغ العمق والسحر ويوسف ادريس والريف وحكايا المهمشين والعقاد وعبقرياته وشكسبيرومسرحه الشعري وتشارلز ديكنز وأطفاله المعذبين ومارك توين وسخريته  وشخصيات الجنوب الامريكي وعلاقاته المتشابكة  والأعمال الضخمة مثل قصة الحضارة وموسوعه مصر القديمه وترجمات دريني خشبة للميثولوجيا اليونانية وغير ذلك الكثير والكثير  وأظن أنه لم يوجد مشروع ثقافي في مصر فاق في ضخامته مكتبة الأسرة وكان القائمين عليه شديدي الوعي والتذوق بحيث قدموا لنا بلا مبالغة العالم كله بين صفحات الكتب, في وقت كانت الكتب غالية الثمن فعلا ودور النشر قليلة ومعظم الكتب مستوردة من دور نشر لبنانية   والمؤكد أن الطفرة التي حققتها صناعة الكتب في مصر من حيث عدد دور النشر والكتاب والمدونين ومعظمهم من مواليد الثمانينات قد تاثرت  بشكل مباشر بتلك التجربة . ولذلك فالقول بأن المطبوعات الورقية ستنتهي بإنتشار الكتب الإلكترونية ومع سهولة الوصول إلي أي معلومة عن طريق الإنترنت وأن الاجيال الجديدة ليس لها صبر علي القراءة في عالم شديد السرعة والتغير لا أظنها  صحيحة, فتصفح الإنترنت بالغ الاهمية وقد يسر الحياه فعليا علي كل من يريد أن يتعلم  أو يبحث  وبالنسبة لطلبة الدراسات العليا فجوجل  بالنسبة لهم يعتبر الأخ والصديق والإنترنت هو الفارس والمنقذ في غياهب ظلمات تحضير الرساله , و لكن بالرغم من سرعة الحصول علي المعلومة من الإنترنت   تبقي  عادة القراءة هي الطريق الوحيد لأن  تكون عقلا تحليليا قادر علي تصنيف المعلومات وتكوين رأي شخصي  ووجهة نظر خاصة وبالإضافة لذلك لا أعتقد أن متعة الحصول علي كتاب تذهب به الي البيت وتقرأه وأنت في الفراش وتعيش مع أحداثه حتي تنتهي  قد تعادلها أي متعة  فالكتاب لا يقتصر علي   كونه ورق مطبوع له محتوي معين ولكنه تجربة كاملة تحفر في الوعي . فأنا  كمثال  يرتبط عندي شهري يناير واغسطس بإصدرات د أحمد خالد توفيق حيث أذهب الي المكتبة وأسال بائع الكتب بلهفة وأحزن حين يقول لي أن الكتب لم تصل بعد. ولما أحصل  أخيرا علي كنزي الصغير أحاول أن أتمهل حتي لا أنهي جميع الكتب في يوم واحد, وعند القرأه طقوس من الوحدة والشيكولاتة والشاي والإبتسامة التي لا تنتهي إلا بانتهاء اخر صفحة في اخر كتاب والشعور بالأسف حين أنتهي من القراءة كأنني اودع صديقا كانت صداقتة خفيفة علي القلب  . والحقيقة بأن ما أحس به وأنا أقرأ  هو نفس الشعور الذي كنت أحسه وأنا طالبة صغيرة اجلس في الدرج قبل الاخير وأخبئ قصة النداهة في كتاب العلوم وأقرأ في الفسحة والحصص الإحتياطي ولا أستطيع النوم لمدة أسبوع من الخوف بعد كل قصة . وأنظر لنفسي وأراها كبرت وأتذكر اصدقائي ممن كانوا يبدلون معي الكتب ومشاجراتنا الصغيرة عندما يتأخرون في الرد او أتاخر أنا وأراهم  قد كبروا أيضا .وأقول لنفسي  نعم كبرنا ولكن تبقي ساعلت نقضيها مع الحواديت قادرة أن تخطفنا من الزمن وتعيدنا صغارا مرة اخري.

 

****************

*أخصائى الطب النفسى.

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي/ المنهج الجينالوجي عند نيتشه

    التاريخ بالنسبة للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900م) ليس موضوعًا للقراءة، ودراسته ...