الرئيسية / أخبار ثقافيه / د‏.‏ نادية جمال الدين* تكتب :حول مجانية التعليم
د.نادية جمال الدين

د‏.‏ نادية جمال الدين* تكتب :حول مجانية التعليم

  

كان محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر أول من ربط بين التعليم العالي الحديث وبناء جيش حديث في مصر الحديثة لتحقيق طموحاته العسكرية فتم ارسال البعثات المتنوعة للخارج الي جانب انشاء مؤسسات للتعليم العالي علي النمط الأوروبي كي تخدم بخريجيها الجيش والأسطول والمصانع اللازمة للحرب أساسا‏.‏

وتحقق له ما أراد, إلا أن تدخل القوي الأجنبية, كما هو مشهور, كان من نتائجه تقليص اعداد الجيش المصري, من حيث البشر والعتاد ونتيجة لهذا ايضا تراجعت أهميه التعليم بالنسبة للحاكم وتراجعت الاعداد المتعلمة وغلقت مؤسساته الحديثة او تراجعت اعدادها وأعداد من فيها. وجاء الاحتلال البريطاني وتناوبت علي مصر كثير من التيارات الفكرية بشان التعليم حتي اطلق طه حسين رؤيته بأن يكون التعليم كالماء والهواء والشمس لكل المصريين. وتركت الفكرة اثرها وكانت البداية في تطبيقها علي يد نجيب الهلالي باشا وزير التعليم في منتصف الاربعينيات من القرن العشرين فصدر القرار المتضمن لمجانية التعليم الابتدائي كي يتاح هذا التعليم لأبناء جميع الفئات الراغبة في مصر. تلي هذا في مطلع الخمسينيات إعلان مجانية التعليم الثانوي ثم مع بداية الستينيات كانت مجانية التعليم الجامعي والعالي. وبهذا اتيحت الفرصة أمام أعداد أكبر من أبناء مصر للالتحاق بمؤسسات التعليم والاستمرار فيها ماداموا يقدرون ويرغبون بعد إزالة الحاجز المادي الذي قد يحول بين كثير منهم وبين التعليم. وتأكد الحق في التعليم العالي من خلال مكتب التنسيق للجامعات الذي كانت بدايته في منتصف الخمسينيات ليضمن للجميع الفرصة المتساوية للحصول علي الحق في مقعد بالجامعة دون تحيز. ولضمان تحقيق العدالة في توزيع الفرص امام الناجحين في الشهادة الثانوية, وكان هذا نتيجة لزيادة الطلب علي التعليم الجامعي وقله الاماكن المعروضة مقارنه بهذه الاعداد المتدافعة نحو الجامعة وكلياتها المتنوعة. من هنا أتيحت الفرصة لمصر لتكوين ثروة بشرية متعلمة تعليما عاليا قادرة علي تلبية احتياجات الوطن من المتخصصين والمتميزين علميا, علي اعتبار أن التعليم هو المفتاح الحقيقي لتحقيق التنمية للمجتمع ولتحسين نوعية الانسان.
ولما كان الفكر السائد في الستينيات من ان الأمن هو جوهر التنمية, والمجتمعات التي لا تنمو لا تستطيع في الحقيقة أن تبقي أمنة, وبدهي انه من الصعب ان تتحقق التنمية بدون العنصر البشري المتعلم جيدا ومن هنا كان اعتبار التعليم منذ التسعينيات هو امن مصر القومي علي اعتبار انه لا تنميه دون انسان متعلم, ولا أمن بالتالي دون تنميه عمادها الانسان المتعلم القادر علي حماية الوطن. ربما هذا كله من الدوافع التي دفعت الي هذه الرؤية هنا اي الربط بين المجانية ونصر اكتوبر فنوعيه المقاتل المصري الذي بهر العالم بقدراته وإبداعاته في ساحة القتال تؤكد علي أن نوعية الانسان هي الأساس في أي انجاز. وهذه النوعية لا تتحقق في زمننا إلا اذا صقلها التعليم الجيد في مؤسساته, خاصة الجامعة بما تقدمه من تخصصات علميه وفرص لتنميه الشخصية.
وربما يتأكد هذا إذا تذكرنا ان الفريق محمد فوزي هو من اشار إلي ان يكون التجنيد لخريجي الجامعة منذ عام1968. فبعد الهزيمة في حرب الأيام الستة كان لابد من إعادة بناء القوات المسلحة علي اسس علمية تتلاءم مع متطلبات العصر ونوعيه السلاح المستخدم في ميدان القتال. وكان المصري المتعلم تعليما عاليا الذي ألحق بالخدمة العسكرية ونال شرف الجندية بالجيش المصري وظل في الخدمة كجزء من القوات المسلحة المصرية مجندا حتي انتهت الحاجة اليه في منتصف السبعينيات بعد تحقيق النصر وعبور هزيمة ما سمي حرب الأيام الستة في ست ساعات. ولولا مجانية التعليم التي ازالت الحاجز المادي الذي قد يحول بين بعض فئات المجتمع المصري وبين التعليم بكل مراحله خاصة الجامعي والعالي, لما أمكن توافر هذه الثروة البشرية المتعلمة تعليما عاليا التي حين استدعيت لأداء واجب الجندية وأتيح لها تتويج تعليمها بالتدريب علي استخدام السلاح المتقدم في كل افرع الجيش لما تحققت هذه النتائج المبهرة في الحرب. فنوعية المقاتل المصري المتعلم تعليما عاليا والذي تم صقله بالتدريب المناسب وما توفر له من روح معنوية عالية كانت هي كلمة السر في الانتصار. وبدهي ان الذي أتاح هذه النوعية المتميزة من الجند بالأعداد اللازمة هي الجامعات والمعاهد العليا التي كانت الاعداد المتخرجة منها سنويا بمثابة المنجم المتجدد للثروة البشرية عالية الجودة المؤمنة بالقدرة علي تحقيق الانتصار.
وزماننا هذا يطلق عليه عصر المعرفة ويرتبط بهذا النمو المتزايد للمعلومات وتكنولوجيا الاتصال, التي ينظر اليها علي انها الوسيلة الأساسية للتعليم الآن ومستقبلا. وتستخدم هذه التكنولوجيا في المدارس ويري البعض انها وسيلة من وسائل التجديد في التعليم ذاته وفي العملية التعليمية التي ستحل جميع مشكلات التعليم. وهذا ينقلنا لنقلة ابعد من مجانية التعليم وإتاحته للجميع لنؤكد ضرورة النظر الي ما يعرف الآن بالفجوة الرقمية في المجتمع الواحد وبين مصر ودول العالم لينتج عنها اللامساواة الرقمية والتي تعتبر مشكلة من المشكلات التعليمية المعاصرة وتتطلب حشد جميع الجهود لمواجهتها, إذا أردنا البقاء في هذا العالم. ومن المؤكد أن المجانية وحدها لا تكفي بل لابد من سياسات اجتماعية مساندة تدعمها كي نربح المستقبل………...

*****************************

أستاذ أصول التربية -جامعة القاهرة

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...