الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. خديجة زتيلـي* تكتب: الدكتور حسن حنفي في الجزائر: عندما تعتقـلُ الصورة لحظات الزمن الهاربة

د. خديجة زتيلـي* تكتب: الدكتور حسن حنفي في الجزائر: عندما تعتقـلُ الصورة لحظات الزمن الهاربة

 

في عام 2001 زار الدكتور حسن حنفي الجزائر ضيفاً عزيزاً ومثقفاً كبيراً، وفيلسوفا عربيّا معاصراً، فقد حطّت طائرته القادمة من القاهرة على مطار (هواري بومدين) بالجزائر العاصمة، ثم انتقل بعدها مُباشرة بطائرة ثانية متوجهة إلى مدينة قسنطينة -شرق الجزائر-مع مجموعة من الزملاء الباحثين، كانت قسنطينة عروس الشرق الجزائري ومدينة الجسور المعلقة والصخر العتيق تنتظره وتنتظرُ ضيوفها الكرام بشوق كبير يلمسهُ الزائر فور وصوله إليها، تُترجمهُ حفاوة الاستقبال، التي لا نظير لها، وكرم الضيافة ولطف العبارة وهي تمسّ شغاف القلب. كان ذلك عشيّة انطلاق أعمال الملتقى الدولي الثاني في الفلسفة بمدينة قسنطينة، والموسوم بــ: ((أرسطو وامتداداته الفكريّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة)) أيام 12 – 13 – 14 فيفري 2001، من تنظيم مخبر الدراسات التاريخيّة والفلسفيّة. وقد قُدمت في هذا الملتقى   37 مداخلة مُهمّة لأساتذة من الجزائر ومن الدول العربيّة الشقيقة التي شاركت بباحثيها في هذه الفعاليّة الفلسفيّة المهمّة.

ومن الصدف الجميلة، التي لا أزال أذكرها ويذكرها كل من حضر الملتقى، تزامن عيد ميلاد الدكتور حنفي واليوم الأول من أشغال الملتقى حول فلسفة أرسطو، يومها لم يفوّت الدكتور إسماعيل زروخي رئيس قسم الفلسفة هذه المناسبة دون القيام باحتفالية بسيطة وعميقة، بمعيّة الدكتور عبد الكريم بوصفصاف مدير مخبر الدراسات التاريخيّة والفلسفيّة، والدكتور الزواوي بغورة منسّق أعمال الملتقى، والزملاء الكرام في مدينة قسنطينة، شاركهم فيه الحضور والزوّار الذين تفاعلوا أيّما تفاعل مع المناسبة. ولا شكّ أنّ تلك الالتفاتة الإنسانيّة كان لها وقعها الكبير على نفسيّة الدكتور حنفي.

 

 

هذا ونلفت عناية القارئ بأن مداخلة الدكتور حسن حنفي جاءت بعنوان ((أرسطو في علوم الحكمة: ملحمة البداية والنهاية)) وهذا مقطع منها:

أرسطو عند المؤرخّين:

((.. وتتراوح صورة أرسطو في علوم الحكمة في الثقافة العربيّة الاسلاميّة بين صورته عند المؤرّخين، وعند المترجمين، وعند الشرّاح، وعند الحكماء، وعند المبدعين إلى صورته عند النقاّد في مراحل متتاليّة من النقل إلى الابداع، ومن القبول إلى الرفض. فالمؤرّخون ليسوا مجرّد راصدين ومجمعين لتواريخ الحكماء، بل هم قراء لها. يؤوّلون ويبنون ويجدون الدلالات ويركبون.. يدوّنون تاريخا ”ذاتياً” وليس تاريخا ”موضوعيّا” أو على أقصى تقدير الموضوع من خلال الذات كما هو الحال في الفينومينولجيا المعاصرة.

     فمن تواريخ الحضارات العامّة والخاصّة ابن جلجل (298 ه) في ” طبقات الأطباء والحكمة”. وهو أول أندلسي دوّن تاريخ الحكمة قبل صاعد. يظهر أرسطاطليس في المرتبة الرابعة بعد جالينوس واسقليبوس وحنين بن إسحاق ويذكر شيخه ومعلمه أفلاطون. وعند صاعد الأندلسي (462ه) في ” طبقات الأمم ” يذكر أرسطو داخل الحضارة اليونانيّة ليس بشخصيّته بل بانتمائه إلى حضارة. فالفيلسوف كائن حضاري ويذكر بن أبي أصيبعة أرسطو في المرتبة الثانية بعد جالينوس في ”عيون الأنبياء في طبقات الأطباء”. وبالرغم من ذكر البيروني (440ه) لعديد من فلاسفة اليونان كإطار مرجعي لتاريخه عن الهند ” تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ” إلاّ أنّه لا يذكر أرسطو ممّا يدّل على أنّ أرسطو لم يكن بؤرة لتدوين التاريخ. فغياب أرسطو له نفس الدلالة التي لحضوره، بين هامشيّته ومركزيّته في تاريخ التدوين.

     وعند المؤرّخين الذين دوّنوا علوم الحكمة بطريقة الوافد والموروث، علوم العجم وعلوم العرب، حضارة الآخر وحضارة الأنا مثل ” مفاتيح العلوم” للخوارزمي (387ه) يذكر الوافد الفارسي أكثر من الوافد اليوناني. ويأتي أرسطو في المرتبة الثانيّة مع فرفوريوس بعد إقليدس وهرمس. وفي ”صوان الحكمة” لأبي سليمان السجستاني (391ه) يأتي أرسطو في مقدّمة حكماء اليونان، وصلته بالإسكندر التي ألهبت خيال المسلمين، النبي القائد، والفيلسوف الملك. ويتوالد حكماء اليونان بعضهم مع بعض، أرسطو من أفلاطون، وأفلاطون من سقراط، وسقراط من فيثاغورس في سلسلة من الرواة أو الطبقات أو الأنبياء. وقد لقب أرسطو معلمه باسم العقل أو الروحاني. أسّس أرسطو اللوقيوم كما أسّس أفلاطون الأكاديميّة. واعتمد في فلسفته على أوميروس الشاعر، فالأسطورةmythos   كانت قبل العقل logos  . تتوزّع مؤلّفاته بين المنطقيّة والطبيعيّة والإلهية. ويعتمد أبو سليمان على الفارابي كأحد مصادره لمعرفة أرسطو. وأكمل البيهقي تاريخ أبي سليمان بالتتمة أو ”تاريخ حكماء الإسلام” ضامّا الموروث إلى الوافد فتاريخ الآخر جزء من تاريخ الأنا. ويذكر ردود النصارى على أرسطو. فلم يكن أرسطو فقط موطن القبول. وفي ”نزهة الأرواح وروضة الأفراح” للشهرزوردي (687 ه) يأتي أرسطو في المرتبة الخامسة بعد الإسكندر وسقراط وفيثاغورس وهرمس الهرامسة وأفلاطون. 

     ويتصدّر أرسطو أعلام اليونان في ”الملل والنحل ” للشهرستاني (548 ه) كجزء من تاريخ الفرق. ويقسّم ابن النديم في ” الفهرست” (385 ه) كتب أرسطو قسمة رباعية: منطقيات وطبيعيات وإلهيات وخلقيات. ويتوارى أرسطو تدريجيّا في كتب التاريخ مثل ”مفتاح السعادة ومصباح السيادة ” لطاش كبرى زاده (968 ه) نظرا لتواري الوافد كله لصالح الموروث. فقد بعد العهد عليه. بل إنّ أرسطو لا يذكر على الاطلاق. وفي ” إخبار العلماء بأخبار الحكماء ” للقفطي (464 ه) يتمّ تصنيف أرسطو أبجديّا دون أن تكون له أهميّة خاصّة. وفي ”وفيات الأعيان” لابن خلكان (681 ه) يتصدّر أرسطو ثم أقليسدس ثم أغسطس من مجموع 4369 علماً. والخلاصة أنّ أرسطو يذكر عن المؤرخين بين مشايخه وتلاميذه، كما تذكر ألقابه، وعلاقته بالإسكندر. وقد ردّ النصارى عليه قبل أن يردّ عليه المسلمون. وهو أول من رتب المنطق عند القفطي. وهو شارح لأرسطو عند ابن خلدون. وهو أيضا فيلسوف أخلاق وإلهيات أكثر منه فيلسوف منطق وطبيعيات…)) (1)    

********************************

(1) النصّ جزء من المداخلة التي قدّمها الدكتور حسن حنفي وهي منشوره في كتاب يضم أعمال الملتقى الدولي الثاني في الفلسفة (قسنطينة/ الجزائر)، أنظر : أرسطو وامتداداته الفكرية في الفلسفة العربية الإسلامية، (مطبوعات جامعة منتوري قسنطينة ومخبر الدراسات التاريخية والفلسفية)، ص ص 30 – 31.

*******************************************

*أكاديميّة وكاتبة من الجزائر   

khadidjazetili@hotmail.fr

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...