الرئيسية / غير مصنف / د.منوبي غبّاش* يكتب :الجمهور ضدّ الإمبراطورية .. نحو عولمة أخرى

د.منوبي غبّاش* يكتب :الجمهور ضدّ الإمبراطورية .. نحو عولمة أخرى

الجمهور ضدّ الإمبراطورية
نحو عولمة أخرى

في نهاية القرن العشرين وبعد تفكك الإتحاد السوفييتي ودخول دول أوروبا الشرقية نطاق الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق طُرح مفهوم “نهاية التاريخ” مقترنا بمفهوم آخر راج في أدبيّات الفكر السياسي والفلسفة السياسية هو”النظام العالمي الجديد” وقد استعمل منظرو “الليبرالية الجديدة” هذا المفهوم الذي لم يكن مجرّد ابتكار نظري، بل كان في نظرهم دليلا على صحة رؤيتهم للعالم وللإنسان. الحقيقة الوحيدة التي تصمد أمام كل نقد جذريّ هي أن التأليف بين الديمقراطية السياسية واقتصاد السوق يمثّل السبيل الوحيد أمام الشعوب لتحقيق التقدم بمعنى الحرية والرفاهية للجميع. كل ما عدا ذلك ليس إلاّ يوطوبيا حالمة أو وهم لا قيمة له. بالفعل كان ثمّة تغيّرات طالت أنماط الوجود الإجتماعي وأشكال العمل والإنتاج وبُـنى السلطة كما مسّت الأفكار والتصوّرات سواء في المستوى المحلّي أو العالمي وقد اقترن كل ذلك، وربّما كان نتيجة له، بالثورة الصناعية والتكنولوجية التي شملت مجال العمل والإنتاج والإبداع وخاصّة مجال الاتصال والتواصل والمعرفة الفكر والانفعالات. هل يتعلّق الأمر حقّا بنهاية التاريخ؟ ألا تكون مجرّد مرحلة من مراحله أو هي بدايته؟ لقد أدّت التحولات الجذرية على مستوى الممارسات والقيم إلى تبلوُر محاولات نظرية تروم تفسير وفهم ما حدث ويحدث وفي إطارها تمّ نحت مفاهيم وصوغ نظريّات. في خضمّ هذه التحوّلات التاريخيّة الكبرى والتجارب الفكرية المختلفة ظهرت محاولة طوني نيغري ومايكل هاردت لتأخذ مكانها بينها. وهي محاولة لا تكمن أهميّتها في كونها تحليل نظريّ لتحوّلات عالم « ما بعد الحداثة » و« ما بعد الإستعمار» بل في كونها تقترح بدائل نظرية(مفاهيم جديدة) وعملية(بلورة إمكانيّات التحرّر الفعلية المتاحة أمام الفقراء والمستغلّين والمستضعفين في العالم أي أمام «الجمهور»). لا يدافع الباحثان عن مقولة «نهاية التاريخ» كما لا يُنظّران لبداية له مُفترضة على غرار الماركسية الأرثوذكسية ولكنهما يتابعان اللّحظات الفارقة في صيرورة تشكّل “الإمبراطورية” ويوضّحان التمظهرات المختلفة التي تتبدّى من خلالها كما أنهما يقترحان البديل وهو إمكانية مواجهة الإمبراطورية من داخلها. هناك إمكانيّات واسعة للتحرّر أمام الجمهور وذلك بواسطة التكتّل وتفعيل كل القوى وتحريك المقاومات التي من شأنها خلق عالم آخر أو بلغة الكتاب “إمبراطورية مضادّة” لا هيمنة فيها ولا استغلال ولا تسلّط، إمبراطورية الجمهور.
يهدف الكاتبان إلى بناء نظرية سياسية في السيادة الإمبراطورية وقد لجآ في سبيل ذلك إلى استحداث وابتكار مفاهيم جديدة كما استعملوا مفاهيم قديمة أعطوها دلالات جديدة مثل الجمهور(أو الحشد)، البروليتاريا، الذات الثورية، الإمبراطورية، البيوسلطة (السلطة الحيوية)…إلخ. توسّل الكاتبان منهجية يتزاوج فيها النظري والعملي، التأملي والتاريخي بحيث أن المفاهيم المستخدمة لبلورة النظرية تُدعم بوقائع وأحداث وتستند إلى صيرورات تاريخية.
يطرح طوني نيغري وميكل هاردت في المقدّمة الإشكالية الرئيسيّة التي سيستغلان عليها في ثنايا فصول الكتاب الذي يحمل عنوانا مثيرا هو:«الإمبراطورية». والعنوان هو أول كلمة يفتتح بها النصّ:«الإمبراطورية تأخذ أمام أعيُننا شكلا ماديّا»، غير أن هذا العنوان لا يُحيل الى دراسة تاريخ الإمبراطوريات ولا إلى البحث في تاريخ الأفكار السياسيّة التي اقترنت بالإمبراطوريات التي عُرفت على مرّ التاريخ. الإمبراطورية هي المفهوم المركزي في الإشكالية الفلسفية التي يطرحها الكاتبان نيغري وهاردت: هل يمكن اليوم فهم وتفسير العالم المعاصر بكلّ ما فيه من أنماط إنتاج وعلاقات إنتاج وعلاقات اجتماعية وصراعات سلطويّة بالعودة إلى مفهوم السيادة وتحديدا مفهوم سيادة الدولة الوطنية الأوروبية على وجه الخصوص؟ ثمّة «شكلا جديدا وإمبراطوريّا للسيادة قد ظهر». يتعلّق الأمر بسيادة تتجاوز سيادة الدولة/الأمّة. لقد حصل انتقال من الإمبرياليّة إلى الإمبراطوريّة وهذا الأمر بالذات هو الذي يجعل مفهوم السيادة السياسية للدولة عاجزا عن تفسير عالمنا المعاصر ما بعد الكولونيالي وما بعد الإمبريالي.«فرضيّتنا الأساسية هي أنّ السيادة قد اتّخذت شكلا جديدا مركّبا من مجموعة من الأجهزة الوطنيّة والعالميّة التي يوحّدها منطق واحد للحكم. هذا الشكل الجديد العالمي للسيادة نسمّيه «الإمبراطوريّة» . تستند الإمبراطورية إلى قوى هائلة للقمع والإكراه والضغط. وما يحرّك القوى الإمبراطورية هو الرغبة في التحكّم والهيمنة بهدف خلق المصالح وحمايتها ولئن تخفّت الإمبراطورية وراء العولمة باعتبارها نظام إنتاج وتبادل على الصعيد العالمي فإن ذلك لا يخفي الوجه الحقيقي للقوى المتصارعة. إن الإمبراطورية حسب نيغري وهاردت تخوض صراعات ضدّ أعدائها وخصومها أي ضدّ القوى المضادّة لها: لا يفتأ الكاتبان يؤكّدان على أنه بجانب الإمبراطورية ثمّة قوى أخرى إبداعيّة يسمّيانها “الجمهور” la multitude والجمهور عبارة عن ذات جماعيّة أو كليّة لا مجال أماها إلاّ العمل من أجل خلق “إمبراطورية مضادّة” أي تنظيما سياسيا للتبادلات والحركات العالميّة.
كيف نفكّر ونقاوم من داخل الإمبراطورية؟ أو كيف يمكننا أن نفهم ميكانيزمات الشكل العالمي الجديد للسيادة المغايرة لسيادة الدولة الأمة وامتداداتها الامبرياليّة التي عُرفت خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين،السيادة المستندة إلى عولمة الاقتصاد والسياسة والفكر والقيم؟كيف نستطيع مقاومة الإمبراطورية بما هي هيمنة سياسية وآليّات استغلال اقتصادي وتفكيك اجتماعي؟ يسمح لنا مفهوم “الجمهور” بالتفكير في إمكانيّات ووسائل مقاومة قوى الإمبراطورية ومفاعيلها. إنّ قوى “الجمهور الإبداعية” التي تنبني أو تقوم عليها الإمبراطورية هي التي من شأنها أن تمكّن من بناء إمبراطورية مضادّة أو مغايرة لإمبراطورية الهيمنة. الإمبراطورية والجمهور مفهومان متلازمان وهما قاعدة«الإطار النظري العام» الذي يقترحه نيغري وهاردت بهدف «التنظير والفعل، في نفس الوقت، في وضدّ الإمبراطورية» (ص.21).
يقول لنا المؤلفان إنّ هذا الكتاب يمكن قراءته بطرق مختلفة، من أول صفحة إلى آخر صفحة أو العكس. وقد قُسّم إلى أربعة أجزاء: تعلق الجزء الأول بالإشكالية العامة للإمبراطورية وأما في الجزء الثاني فقد بحث الكاتبان في جينالوجيا مفهوم «السيادة» أي في أصولها وتحوّلاتها التي اقترنت بتشكّل «الإمبراطورية». في الجزء الثالث تمّ تناول الإمبرياليّة المعاصرة وذلك بدراسة مظاهرها ومفاعيلها وحدودها. وأما الجزء الرابع فقد تضمّن تفكيرا في الإشكاليات التي تثيرها الإمبراطورية وبحثا في بدائلها الممكنة أي بحثا في إمكانيّات الحركة المُقاوِمة التي من شأنها تجاوز الإمبراطورية وخلق عالم بديل خال من الاستغلال الاقتصادي والاغتراب السياسي، عالم إنساني بلا هيمنة. ولعل الفصل الأخير من هذا الجزء يحمل عنوانا بالغ الدلالة:« الجمهور ضدّ الإمبراطورية ».
الأطروحة الأساسية في كتاب «الإمبراطورية» هي أنه مع ظهور العولمة وأزمة الدولة-الأمة ظهرت أشكال جديدة للسيادة كما تشكّل نظام اجتماعي وقانوني على الصعيد العالمي غير مسبوق وهو ما يطلق عليه الكاتبان اسم « الإمبراطورية » غير أن الإمبراطورية في الوقت الذي أنتجت فيه عناصر قوّتها وامتدادها أنتجت كذلك نقيضها المتمثّل في « الجمهور ». يسعى نيغري وهاردت إلى دراسة مسارات تشكّل الإمبراطورية باعتبارها «آلة بيوسياسيّة معولمة» ويهدف الكتاب إلى بناء نظرية سياسية للإمبراطورية من شانها تفسير مظاهر عولمة الإنتاج والتبادل الرأسمالي ما بعد الامبريالي وكذلك الأشكال الجديدة للهيمنة ما بعد الكولونياليّة التي لم تعد قابلة للتفسير بمقولات السيادة التقليدية.
يعود مفهوم الإمبراطورية إلى تقليد أوروبي ضارب في القدم وخاصة إلى روما القديمة. تتميّز الإمبراطورية في القانون الروماني بكونها تدفع غالى أقصى حدّ بتطابق وكونيّة الأخلاقي والقانوني. يقوم مفهوم الإمبراطورية على سلطة مُوحّدة تحافظ على السلام الاجتماعي وتُنتج حقائقها الإيطيقيّة(ص.34). بماذا يُفسّر إحياء هذا المفهوم القديم؟ ثمّة ظواهر وأعراض جديدة مميّزة لعالمنا الراهن ومن بينها بروز فكرة ونجاعة “الحرب العادلة” bellum justum : « يرتبط هذا المفهوم عضويّا بالأنظمة الإمبرياليّة القديمة إذ يعود أصله الثريّ والمعقّد إلى التقليد الإنجيلي» غير أنه ظهر حديثا في سياق النقاشات السياسيّة عقب حرب الخليج الأولي (1991). يقوم هذا المفهوم على فكرة أنه عندما تواجه دولة ما خطرا يُهدّد وحدتها الترابيّة واستقلالها السياسي يكون لها الحق في خوض الحرب،حرب عادلة تستند إلى الحق في الدفاع عن النفس وحماية الذوات. ولكن «الحرب العادلة اليوم لم تعد حربا دفاعيّة أو نشاطا مقاوما مثلما كانت في الماضي ومثلما نجد ذلك في التقليد المسيحي، من القدّيس أغسطين Saint Augustin حتى منظّري الإصلاح المضادّ المدرسيّين، الذي يعتبرها ضرورة لحماية المدينة الأرضيّة»( ص.36 ). لقد أصبحت الحرب العادلة « ممارسة تجد تبريرها في ذاتها ». إحياء مفهوم الحرب العادلة مظهر من مظاهر العصر الإمبراطوري.
يدرس نغري وهاردت مسار تكوّن الإمبراطورية انطلاقا من بروز مفهوم “الحق الإمبراطـوري” الذي يتجاوز وينزع إلى الغاء القانون الخـاص بالدول الوطنيّة. لقد تجلّى تشكّل هذا الحق في التحوّل الذي عرفه القـانون الدولي الذي لم يعد يعني مجموعة القواعد المحدّدة للعـلاقات بين الدول استنادا إلى اتفاقيّات ومعاهـدات بل أصبح يعني “الحقّ في التـدخّل” droit d’ingérence أي حقّ القوى المُمثّلة للنظام العالمي بالتدخّل في الدول الأخرى بهدف حماية الحقوق الإنسانيّة أو بهدف فرض السلم وضمان الإستقرار العالمي وهو الحقّ الذي يُعترفُ به للأمم المتّحدة(قرارات مجلس الأمن الدولي). لم يعُد التدخّل في شؤون دولة ما يتمّ نتيجة خرق طرف من الأطراف التي تقيم فيما بينها معاهدات واتفاقات بصورة حرّة بل بسبب كلّ الحالات المستعجلة وأيضا بالنظر إلى مبادئ أخلاقية عليا. لا يمكن أن يُفسّر تكوّن الإمبراطورية حسب حدُود النموذج القانوني«فالإمبراطورية لا تتكوّن على قاعدة آليّة تعاقديّة وليست مؤسّسة على معاهدة ولا بواسطة أيّ مصدر فدرالي. مصدر المعياريّة الإمبراطوريّة هو آلة جديدة، هي في نفس الوقت، تجاريّة وصناعيّة واتصاليّة وباختصار آلة بيوسياسيّة مُعولمة». يمكن تحديد الإمبراطورية كمركز يُسند عولمة شبكات الإنتاج ويُدمج علاقات السلطة في نظام واحد موحّد ولكنّ الإمبراطورية تعمل على تطوير وظيفة البوليس لمواجهة البرابرة الجُدد ومجابهة العبيد المتمرّدين الذين يُهدّدون النظام العالمي. في نفس الوقت الذي خلقت فيه الإمبراطورية قواها وميكانزمات هيمنتها الإقتصادية والسياسية والقانونية، أنتجت أيضا نقيضها وهو ما يسمح لنا بالحديث عن بعدها الإيجابي والمحمود. لقد أدّى تشكّل الإمبراطورية، بما هي آلة سلطويّة مُعولمة، دواليبها الإقتصاد والقوّة العسكرية والإتصال، إلى تشكّل نقيضها أي القوى الإجتماعيّة المناهضة لها وهو ما يسميه نيغري وهاردت ب”الجمهور. يمكننا أن نقول أيضا إن بناء الإمبراطورية وشبكتها العالمية كان بمثابة ردّة فعل على النضالات المختلفة ضدّ الآلات الحديثة للسلطة وتحديدا على الصراع الطبقي الذي تغذّيه رغبة الجمهور في التحرّر.
إن تحديد مفهوم الإمبراطورية استنادا إلى مقولة الهيمنة لا ينفي إمكانيّات التحرّر الثاوية داخلها. كيف يمكن مقاومة الامبراطورية من داخل الامبراطورية ذاتها؟ يرى الكاتبان أنه لا يمكن مقاومة عولمة رأس المال وشبكاته بالتحصّن بالمحلّي والتمسّك بالهويّات القومية والثقافية والسياسيّة وذلك لأنه من الخطأ الاعتقاد بأننا نستطيع إقامة هويّات محليّة تكون خارج الأدفاق flux العالميّة لرأس المال والإمبراطوريّة ومُحصّنة ضدّها.
يقول الكاتبان:« يقوم تحليلنا على مقاربتين منهجيّتين ترومان أن تكونا غير جدليّتين ومُحايثتين. الأولى نقديّة وتفكيكيّة ترمي إلى قلب اللغات والبنى الإجتماعيّة المهيمنة وتكشف بذلك عن قاعدة أنطولوجيّة للمقاومة كامنة في الممارسات الإبداعيّة والإنتاجيّة للجمهور، والثانية بنائيّة وأخلاقيّة سياسيّة تريد توجيه مسارات إنتاج الذاتيّة نحو إيجاد حلّ اجتماعي وسياسي فعلي أي سلطة جديدة مُكوِّنة».
يبدو من هذا القول أن مقاربة نغري وهاردت الفلسفية ببُعديها المنهجيّين تقطع مع كل فلسفة للتاريخ من حيث إنها« ترفض كلّ تصوّر حتمي للتطوّر التاريخي وكلّ احتفاء عقلاني بالمُحصّلة. إنها تبرهن على العكس كيف أن الحدث التاريخي يحلّ في الكُمُون ». في هكذا سياق يُقدّم الكاتبان تعريفا جميلا وطريفا للفلسفة:« الفلسفة ليست بومة أثينا التي تبدأ طيــرانها بعد اكتمال التاريخ من أجل أن تحتفي بنهايته السعيـدة، بل هي قضيّة ذاتيّة، رغبة وبراكسيس مُطبّقة على الحدث ».
إن السلطة الإمبراطورية هي بالأساس سلطة حيويّة ترتبط بالحياة ومساراتها البيولوجية والطبيعيّة ومن هنا يأتي مفهوم «السياسة الحيويّة» Biopolitique وهو مفهوم نجده لدى فوكو في كتاب« أقوال وكتابات» Dits et Ecrits وتحديدا في نص « مولد الطب الإجتماعي »:
« Le contrôle de la société sur les individus ne s’effectue pas seulement à travers la conscience ou l’idéologie, mais aussi dans le corps et avec le corps. Pour la société capitaliste, c’est la biopolitique qui compte le plus, le biologique, le somatique, le corporel. »
تُبيّـن كتابات فوكو أمرين اثنين: أوّلا، الإنتقال التاريخي من المجتمع الإنضباطي إلى مجتمع المراقبة. فقد اهتم فوكو بكيفيّة انتقال المجتمع الغربي من مجتمع انضباطي société disciplinaire إلى مجتمع مراقبة société de contrôle. المجتمع الانضباطي هو الذي يتمّ التحكّم فيه من خلال شبكة متفرّعة إلى أجهزة وأدوات تُنتج وتتحكّم في الأعراف والعادات والقوانين والممارسات، بينما يتميّز مجتمع المراقبة ما بعد الحديث بكون ميكانزمات التحكّم فيه تكون ديمقراطيّة ومُحايثة للمجال الاجتماعي ومُثبّتة في عقول وأجساد المواطنين.« تُمارَسُ السلطة اليوم بآلات تُنظّم مباشرة الأدمغة (بواسطة أنساق التواصل وشبكات الإعلاميّة…) والأجساد ( بواسطة أنظمة المنافع الإجتماعية والأنشطة المؤطّرة…إلخ ) وذلك باتجاه حالة اغتراب مستقلّة، وانطلاقا من معنى الحياة والرغبة في النشاط الإبداعي » (ص.49). ثانيا، يسمح عمل فوكو بالتعرّف إلى الطبيعة البيوسياسيّة لهذا البراديغم الجديد للسلطة. يعرّف نيغري وهاردت البيـوسلطة biopouvoir أو السلطة الحيويّة كالتالي : البيـوسلطة هي شكل السلطة التي تتحكّم وتُقنّن الحياة الاجتماعية من الداخل وذلك بمتابعتها وتأويلها واختزالها وإعادة صياغتها. فالسلطة لا تتمكّن من السيطرة الفعليّة على حياة كاملة لمجموعة من السكان إلاّ بالتحوّل إلى وظيفة شاملة وحيويّة يعتنقها كل فرد ويُحييها من تلقاء نفسه. تُحيل البـيُوسلطة إذن إلى وضعيّة يكون فيها رهان السلطة (وموضوعها) هو إنتاج وإعادة إنتاج الحياة ذاتها. عندما تصبح السلطة بـيُوسلطة تماما فإنها تعبّر عن نفسها كمراقبة تكتسح أعماق وعي وأجساد السكان وتمتدّ، في نفس الوقت، خلال جملة العلاقات الإجتماعيّة.
تشتمل الإمبراطورية على إمكانيّات هائلة للتحرّر من كل أشكال الهيمنة وصنوف الاستغلال. هذه هي الأطروحة التي يسعى الكاتبان إلى البرهنة عليها وهما يعترفان بأنهما، بتمسّكهما بها، إنما يسبحان ضدّ التيّار، تيّار رفاق اليسار. إنّ مجابهة الإمبراطورية يتطلب البحث في القوى الذاتية الفاعلة في السياق التاريخي وهي عبارة عن أُفُق للأنشطة والمقاومات والإرادات والرغبات الرافضة لنظام الهيمنة والتي تقترح خطوط هروب وتشقّ مسارات لبدائل جديدة. وفي إطار التفكير في البدائل الممكنة للهيمنة الإمبراطوريّة يقوم الكاتبان بنقد جذريّ للقوميّة (القومية الإشتراكية أو الإشتراكية القومية) باعتبارها مفهوما متعاليا يتجاوز ويُلغي الصراع الطبقي ويخنق إمكانيّات التحرّر لدى الجمهور. في هذا السياق يبيّن الكاتبان الوشائج القويّة بين النزعة القومية والاستغلال الرأسمالي في إطار الدولة_ الأمة. صحيح أن زمن الأمميّة البروليتاريّة قد ولّى ومع ذلك فإن هذا المفهوم لم يفقد أهميّته وراهنيّته فالأمميّة البروليتاريّة تتجلّى في النضالات الجماهيريّة على المستوى الدولي. يعطي الكاتبان لمفهوم البروليتاريا معنى جديدا مغايرا للمعنى الشائع الذي اقترن بها والذي يتمحور حول الطبقة العاملة الصناعيّة. فنتيجة التطوّر التقني والتحوّلات البنيويّة في الاقتصاد واتساع نطاق العمل اللاّماديّ اختفت هذه الطبقة أو كادت. يستعمل الكاتبان المفهوم باعتبار شحنته الدلاليّة النقديّة والثوريّة والتحرّريّة: « نعني بالبروليتاريا مقولة واسعة تشمل كلّ الذين يكون عملهم مستغَلاّ بصورة مباشرة أو غير مباشرة (وذلك) حسب معايير رأسماليّة للإنتاج وإعادة الإنتاج»(ص.83) و نقرأ أيضا: » نقصد بمقولة البروليتاريا كل من هم مُستغلّون وخاضعون للهيمنة الرأسماليّة «.
يفهم هاردت ونيغري أزمة البراديغم التقليدي للسيادة ( سيادة الدولة-الأمة ) القائمة على التناقض بين الحكّام والمحكومين، بين السلطة السياسية والشعب في إطار أزمة الحداثة. وهما يخلصان إلى أن المظهر الأبرز لأزمة الحداثة هو أزمة السيادة الحديثة التي أفضت إلى التشكّل الراهن للإمبراطورية. تُفهم الحداثة لدى الكاتبين بمعنيـين: الحداثة بما هي مُحايثة، مسار ثوريٌّ وجذريٌّ، خلق نموذج حديث للعالم وللحياة والرغبة والحداثة بما هي تعال، مسار هيمنة وإخضاع الرغبة للنظام. إن هذه الإزدواجية التي تسم الحداثة الأوروبيّة هي التي تسمح بتحديد الحداثة كأزمة:«تتحدّد الحداثة بأزمة وصراع بين القوى المحايثة الإبداعيّة والبنّاءة والسلطة المتعالية الهادفة إلى فرض النظام»( ص.109).
يتطابق نقد الحداثة مع نقد التعالي transcendance ومع نقد السيادة باعتبارها سلطة مطلقة أي تحكم في الأفراد وهيمنة على المجتمع وهو أيضا نقد جذريّ للنزعة الإنسانية باعتبارها لا تفهم ولا تدرك إلاّ في مستوى التعالي(إنسان النزعة الإنسانية هو كائن مطلق، وعي جوهريّ، ذات مجرّدة). يستعيد الباحثان تصوّر فوكو المعروف حول “موت الإنسان” ويطرحان نفس السؤال الذي طرحه: ما هي النزعة الإنسانيّة بعد موت الإنسان؟ أو ما هي النزعة الإنسانيّة المضادّة للإنسانيّة ( أي ما بعد الإنسانيّة)؟ النزعة الإنسانيّة ما بعد الإنسانيّة هي رفضٌ لكلّ أشكال التعالي، رفض لفكرة الإنسان المتعالي وقبول بالإنسان ككائن حيّ، منغرس في الحياة بما هو جزء منها. هي إنسانيّة الجسد والروح، إنسانيّة الإنسان ككائن بيولوجي وزمني. النزعة الإنسانيّة المضادّة هي إذن اكتشاف دائم لمستوى المُحايثة وإنكار للتعالي الذي تقوم عليه النزعة الإنسانيّة الميتافيزيقيّة.
إن كل نظرية تريد تفسير الانتقال من الإمبريالية إلى الإمبراطورية ومن الدولة-الأمة إلى التنظيم السياسي للسوق العالمي لا يجب أن تكتفي فقط بالتركيز على نقد ديناميكية رأس المال أي نزوع رأس المال إلى التوسّع وما ينجرّ عن ذلك من تناقضات ولكن ينبغي أن تهتمّ بالمحرّك الأساس لتطوّر رأس المال أي « حركات وصراعات البروليتاريا » أي الذات الجماعية الثورية التي تمثّل نقيضا للامبراطورية .
لئن كانت العولمة بأبعادها الإقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية هي الشكل الماديّ للإمبراطورية التي تتميّز بسلطة مطلقة لا حدود لها لأنها بلا مركز ولا تتحدّد بمكان، فإن لها جانبا إيجابيّا يتعلّق بتطلع الجمهور الى التحرّر من كل أشكال الهيمنة وإقامة عالم بديل. لقد انتشرت على الصعيد العالمي القيمُ الخاصّة بالفكر الثوري للنهضة الإنسانويّة الأوروبيّة ( الإيمان بالحرية والمساواة بين البشر، حب الإختلاف، التسامح…) ولئن كان هذا الأمر يُمثّل « البُعد الطوباوي للعولمة » فإنه ليس بلا أهميّة لأنه يسمح ببناء « مشروع عولمة مضادّة » un projet de contre mondialisation و« امبراطوريّة مضادّة ».
لإبراز أهمية هذا التوجّه الطوباوي للعولمة يستند الكاتبان إلى ثلاثة نماذج لمفكرين أوروبيين حاولوا بناء تصوّراتهم عن الإنسان الكـوني بالقطع مع المركزية الإثنيّة الأوروبـية: لقد أقرّ القسّ برتوليمي دو لاس كازاس Bartolomé de Las Casas بأن «الإنسانية واحدة وهي ذاتها بالنسبة للجميع» وهو بذلك يواجه بربرية الغزاة الأوروبيّين الباحثين عن الذهب والنفوذ في العالم الجديد. ولكن هذه المساواة بين البشر التي يدعو إليها الأسقف تستند إلى أساس دينيّ، فالسكان الأصليّون لأمريكا مساوون للأوروبيّين فقط من جهة كونهم مؤهّلين للدخول في المسيحيّة. نعم رأى لاس كازاس أن الإنسانيّة واحدة ولكنّه لم يتصوّر أنها في نفس الوقت متعدّدة.
بعد تركّز الهيمنة الأوروبية على أمريكا وترسّخ البنية الكولونيالية القائمة على الإحتكارات التجارية وتجارة العبيد على نطاق واسع ظهر في أواخر القرن الثامن عشر عبد أسود يدعى توسّان لوفرتير Toussaint Louverture قاد الكفـاح من أجـل التحرّر من العبودية الحديــثة في مقاطعة سان دومنغو Saint-Domingue الفرنسية (هاييتي الآن). أكد لوفارتير على كونية حقوق المواطن وعلى أن السّود والخُلاسيّين في المستعمرات جديرون بحقوق المواطنة كما البيض. لقد كان هذا العبد الثائر مستندا في مطالبته بالمساواة بين الناس تجاه السلطة الاستعمارية الفرنسية على “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الذي جاءت به ثورة 1789. تصوّر كارل ماركس الحرية الإنسانية على أنها مشروع كونيّ يتوجّب تحقيقه ولا ينبغي إقصاء أي مجموعة بشرية منه. ولكن المثير في موقف ماركس، الذي تبلـور من خلال مجموعة من المقـالات التي كتبـها سنة 1853 ونشـرت بجـريدة “منـبر نيـويورك اليــومي” New York Daily Tribune حول الحكم البريطاني في الهند، هو أنه متناقض مع التوجه التحرّري الكوني لفكره. الطريق الى التحرّر يبدأ بتحطيم المجتمع الآسيوي التقليدي وتحويله إلى مجتمع غربي وهنا تتجلّى نزعة المركزية الأوروبيّة لدى ماركس(ص.160).
لقد أخذت نزعة المركزية الأوروبية العنصرية شكلها النظري في علم الأنثروبولوجيا وعلم الإثنولوجيا وتجسّدت عمليا في حروب الإبادة الإستعمارية وهي تعدّ لذلك أقوى دليل على أزمة الحداثة وفشلها الذريع. إن التناقض بين التطلّع الطوباوي للحرية من جهة ونزعة الاستعباد والسيطرة من جهة أخرى هو التعبير الأوضح عن “أزمة الحداثة الأوروبية”. ولكن من منظور آخر، يبيّن نيغري وهاردت أن الاستعمار الأوروبي الحديث كان محاولة للخروج من أزمة الحداثة. لقد كان الاستعمار ضرورة اقتضاها رأس المال كما لم يكن للسيادة، سيادة الدولة-الأمة، أن تتوطّد في أوروبا وخارجها إلاّ بمراكمة وتوسيع قاعدة رأس المال بواسطة إنشاء أسواق جديدة ونهب الموادّ الأوليّة من المستعمرات. إن التوسّع الرأسمالي عبر الاستعمار هو توسّع امبريالي وبالتالي فهو مرحلة من مراحل تكوّن الإمبراطورية.
ما هو البديل للامبراطورية باعتبارها مجالا لامحدودا للهيمنة والتحكم والاستغلال؟ الجواب هو انه لا بديل عن الامبراطورية غير الامبراطورية ذاتها. داخل الفضاء الامبراطوري ثمّة نقيض الامبراطورية، ثمّة إمكانيّات للتحرّر وقوى متنوعة وابداعية يتميّز بها « الجمهور ». لئن استعمل فلاسفة العقد الاجتماعي مفهوم «الجمهور» كنقيض لمفهوم «الشعب» الذي هو مصدر السلطة فإن نيغري في كتابه حول اسبينوزا ( «Spinoza ,l’anomalie sauvage) أعطاه دلالة جديدة ومغايرة تماما لما هو متداول. نجد لدى هوبز تمييزا واضحا بين “الشعب” و”الجمهور”. الشعب واحد وله إرادة واحدة ويمكن أن ننسب إليه فعلا محدّدا ولا شيء من هذا يقال على الجمهور الذي هو مجموع أفراد، لعبة علاقات ليست متناغمة فيما بينها. إن الدولة لا تتكوّن إلا عندما يتحوّل جمهور، مجموعة من الأفراد (حشود) لا إرادة واحدة لهم، إلى شعب. الجمهور عند هوبز إذن، وعند فلاسفة العقد الاجتماعي، هو المجموع الإنساني الفوضوي وغير المتجانس والذي لم ينتظم بعدُ في مجموعة سياسيّة تنبثق عنها مؤسّسات قانونيّة ( دولة ). يقلب نيغري هذا المفهوم ويجعله أساسا لديمقراطية راديكاليّة، فهو يقصد به- وهو المعنى الذي نجده في كتاب الإمبراطورية- شكل الوجود الاجتماعي والسياسي للمجموع المنفتح أي لمن هم أكثر عددا وهو يُطرح كبديل للمُركَّب المفاهيمي: شعب- إرادة عامة- دولة . إنه ذاتٌ جماعية لسلطة مُكوِّنَة جديدة. إن الجمهور هو ذات جماعية معارضة للهيمنة والاستغلال المُميّزين للعصر الإمبراطوري ما بعد الحديث، إنه « عدوّ » الإمبراطورية الأساسي وعليه اكتشاف وابتداع الوسائل التي تمكّنه من المقاومة والانتصار على السلطة الإمبراطورية.
لقد بيّن هاردت ونغري أن العولمة في جانبها الاقتصادي والاتصالي باعتبارها تشكّلا لنمط الإنتاج الرأسمالي اقترنت بظهور قوى وحركات اجتماعية ذات تطلّعات ورغبات ومصالح متناقضة مع النظام الرأسمالي. ولئن بدت هذه الحركات الاجتماعية الجديدة محليّة وخصوصيّة فإنها تشترك في خاصيّتين اثنتين تؤكّان طابعها النوعي: « أوّلا، كل نضال اجتماعي، وإن كان منغرسا في تربة محليّة، يمرّ مباشرة إلى المستوى العالمي ويهدّد بُنية الامبراطورية في كلّيتها. ثانا، هذه النضالات تُلغي التمييز التقليدي بين الصراعات ذات الطابع الاقتصادي والصراعات السياسية لأنها في نفس الوقت سياسية واقتصادية وثقافية، إنها صراعات بيوسياسية، صراعات حول شكل الحياة» (ص.87). يهدف النضال ضدّ الإمبراطورية إلى إقامة إمبراطورية مضادّة Contre-Empire تمثّل « رؤية شموليّة للعالم وطريقة للعيش فيه »(ص.267).
يرى نغري أننا نعيش اليوم مرحلة تتميّز بخلوّها من سلطة سياسيّة مشروعة « interrègne » وهذه المرحلة تتمثل تحديدا في المرور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة أو في الإنتقال من نظـام الدولة-الأمة إلى النظام الإمبراطوري. وهذا الإنتقال، في نظره، يصعب فهمه بالنسبة للجميع سواء تعلق الأمر بالنخب أو بالسادة الكبار (الأرستقراطية الإمبراطورية). لا شكّ في أن نغري وهاردت ينتميان إلى الخط الفكري الموسوم بمراجعة الماركسية حيث يلتقيان بكثير من المفكرين وخاصة بفوكو الذي يقول عنه نغري إنه “مُـراجع ماركسي” ينتمي إلى « ما بعد الحداثة الشيوعية » .
في كتاب الإمبراطورية ثمة محاولة متأنّية ومُعمّقة لتفسير وفهم هذه التحوّلات الكبرى التي تعصف بالعالم المعاصر والتي تتجاوز مجالات الاقتصاد والسياسة والقانون إلى مجالات القيم والمعايير والأذواق وأنماط العيش. نحن إذن إزاء أشكال جديدة للهيمنة تُقابلها أنماط جديدة للمقاومة يقوم بها جمهور عالمي يصبو إلى العيش في عالم خال من القهر والحرمان والاستغلال.
يقول نغري: « إنّ المقاومة اليوم ليست فقط هامة من وجهة نظر سياسية باعتبارها محرّكا للتغيير، إنها هامة أيضا بالنسبة لرأس المال نفسه من وجهة نظر إنتاجيّة (وذلك) لأنّ رأس المال يوجد في الوضعيّة التالية: كي ينمو هو بحاجة إلى الابتكار والى حرية العمال والعمل الفكري وعلاقات اجتماعية جديدة وعلاقات لغوية…إلخ، إنه إذن مُنحصر بين إلزام المحافظة على هذه الحريّات (إلزام يسمح بتحديد القيمة اليوم) والخطر الناجم عن العجز عن مراقبة مسار المقاومة هذا. لسنا، هاردت وأنا، متفائلين ولا متشائمين. نحن نقول، ببساطة، إنه ينبغي الآن بناء هذه الذات الثوريّة التي هي الجمهور ونحن نقدّم بعض الرسوم التخطيطية للبحث نريد لها أن تكون مخطّطات للفعل » .
ليس للكتاب رهان نظري فحسب وإن كان البعد النظري والتأملي حاضرا في ثناياه ولكن رهانه الأساسي، كما هو واضح في قول نغري السابق، هو إقامة جمهورية ديمقراطية جذرية، ولكن يجب أن لا ننسى أن الجمهورية لا تعنى نظاما سياسيا ليبراليّا يضمن الحريّات الفردية الأساسيّة المُلائمة لحريّة السوق بل تعني « نمطا جديدا للعيش » وحياة جديدة قوامها المُشترك. ولكن ينبغي أن يُفهم المشترك هنا على أنه مقولة بيـوسياسيّة وأنطولوجيّة في نفس الوقت. « أن تكون جمهوريّا اليوم يعني، قبل كل شيء، النضال داخل الإمبراطورية والبناء ضدّها وعلى أراضيها الهجِينة والمتحرّكة…»(ص.272) .
«الإمبراطورية» هو، من غير شك، كتاب مقاومة فكرية وفلسفيّة وهو يراهن على تحويل فكرة المقاومة الى ممارسة اجتماعيّة رافضة للاستلاب ونافية للهيمنة بكل أشكالها. عندما تبلغ الهيمنة مستوى يصبح فيه من المستحيل على البشر ان يتحمّلوا تصبح المقاومة الفعليّة حتميّة وأما المقاومة السلبيّة فلا تنعدم أبدا ما دام ثمة علاقات سلطوية، ما دام هناك حكام ومحكومون. ليس دور الفكر أن يفسّر الواقع وأن يحلّله فحسب، دوره أيضا رسم ملامح الوجود البديل. يمكن القول ان الكتاب يمتح من الروح الثورية للماركسية النقدية وهو يعدّ مساهمة هامة في الفكر الفلسفي النقدي.

*********************
*جامعة تونس

شاهد أيضاً

الباحث يونس عشور، :هيغل فيلسوف الحرية والقانون

هيغل فيلسوف الحرية والقانون ———   تشكل  الحرية مفهوم أساسي في فلسفة هيغل بشكل عام، ...