الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *يكتب : قراءة فى رواية القاهرة 104

د.سامى نصار *يكتب : قراءة فى رواية القاهرة 104

 

لم أكن يوما ناقدا أدبيا ولن أكون، فقد مضى من العمر أرزله. ولا ينفي هذا أنني انفعلت مرات عديدة ببعض الأعمال الأدبية التي تركتفي نفسي اثرا دفعتني إلى الكتابة عنها معبرا عن انفعالي واحتفائي بهذا العمل او ذاك، أو فرحتي بنفسي لاكتشاف قدرتي على الوصول لمعنى ما للعمل الفني أو الأدبي، وهذا مبلغ جهدي في هذا المضمار، فأنا لا أجيد نطبيق مناورات النقد الحديث وآلياته.

وهنا ترجع بي الذاكرة إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي عندما اشتريت من بيروت نسخة من رواية “أولاد حارتنا” للأديب الكبير نجيب محفوظ، والتي كان محظورا طبعها وتداولها في مصر، وكان يشغلني ما أثير حول هذه الرواية بالذات من جدل و تفسيرات وتأويلات مما دفعني إلى إرسال خطاب إلى أديبنا الكبير، على مكتبه بجريدة الأهرام، أسأله فيه عما يقصده في هذه الرواية وبخاصة شخصية الجبلاوي. وجاءني كتابه بخطه الجميل بالحبر الأسود وفي وسط الصفحة “الكتابة مهمة الأديب، واكتشاف المعنى مهمة القارئ الأريب”

وهذا ما حاولت أن أفعله مع رواية “104 القاهرة” للأديبة الصديقة ضحى عاصي، وهو أن أبحث فيها عن معنى، فأنا ممن يؤمنون بأن المعنى ليس في النص وإنما المعنى موجود داخلنا وفي عقولنا، ومن ثم يكون النص مفتوحا على قراءات متعددة، وتتعدد معانيه بتعدد قارئيه. ومن هنا وقفت أمام شخصيات القصة التي تطرح رموزا، وتومض بالدلالات، وتستثيرالعديد من المعاني، في خضم الحضور والغياب في أحداث القصة.

وفي مفتتح الرواية يطالعنا مشهد عزاء انشراح عويضة – الشخصية الرئيسة في الرواية- في جامع عمر مكرم، وفي نهايتها نفاجأ بموتها دون مقدمات. وفي مربع الموت تتبدى شخصية انشراح بروحها السرمدية “أم خمس أرواح” التي احتفظت بها عبر التاريخ، والتي جعلتها أهلا “لسيادة الناس والعالم” وبقدرتها الفذة على العطاء، وعلى جمع الآخرين حولها واستيعابهم مهما اختلفت ثقافاتهم وجنسياتهم وأديانهم من يونانيين إلى أرمن إلى أتراك، ومهما كانت مكانتهم الاجتماعية من فقراء وأثرياء،

 

مثقفين وبسطاء، من مسئولين وصانعي القرار وعامة الناس. استطاعت إنشراح عويضة أن تستوعب كل هؤلاء وأن تمنحهم الحب، وأن تؤثر في مصائرهم وفي

 

حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين. لقد كانت انشراح من” بين البشر الذين يملكون حب الخير والإرادة والقدرة على المقاومة والعطاء”

وبوعيها المتراكم عبر السنين، الذي لم تكتسبه من تعليم كان سيغير مجرى حياتها، بل من التفاعل مع أرزاء الحياة ومستجداتها، وكان هذا الوعي معينا نهل منه الجميع، وكان هاديا لهم في مسيرتهم. كما ” ملكت أدوات صناعة الحيرة، فقد كانت لها طقوسها الخاصة التي أجبرت الجميع على تقبلها”

مضت انشراح عويضة  في سيارة ” تحت الطلب 104 القاهرة” وجلس زوجها حسن طوبار الجاهل والمسطول أبدا مشدوها يقلب نظره في وجوه المعزين من جميع المستويات الاجتماعية، وعلى اختلاف علاقاتهم بانشراح، وهو الوحيد الذي لا يفهم، وهو عاجز عن فعل أي شئ سوى الانكفاء على الذات، والروغان في مسارب الذاكرة والتاريخ ودروبهما للدفاع عن نفسه أو مواجهة الآخرين او الهروب منهم.

وفي مجلس العزاء بجامع عمر مكرم بميدان التحرير، تجمع كل من ارتبط بانشراح من أحبها بصدق، ومن استغلوها واستفادوا منها، من باعوها ومن خانوها، “من سرق عمرها ومن سرق فرحتها” ونكتشف أن لا أحد من الحاضرين كان يدرك قيمة انشراح عويضة.

وهنا أتساءل هل نترك انشراح عويضة تتسرب من بين أصابعنا ؟ وهل نواصل الاجتماع في جامع عمر مكرم بميدان التحرير للعزاء وقراءة ماتيسر من القرآن على روحها ونحن نطالع سوءات بعضنا البعض؟ وأليس من الأجدى أن نستعيد روح انشراح عويضة وأن نكون معها؟ فذلك أفضل جدا.

************************

*كاتب من مصر

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...