الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فارح مسرحى *يكتب:الحضارة الروسية: المعنى والمصير
د.فارح مسرحى

د.فارح مسرحى *يكتب:الحضارة الروسية: المعنى والمصير

بعيدا عن جدل الفرانكفونية أو الأنجلوسكسونية

قراءة فى كتاب : سهيل فرح

الحضارة الروسية: المعنى والمصير

 

 

صدر مؤخرا (فبراير 2017) عن الدار العربية للعلوم-ناشرون ببيروت، كتاب الحضارة الروسية: المعنى والمصير للدكتور سهيل فرح أستاذ فلسفة العلوم، عضو أكاديمية التعليم الروسية، ومدير موقع المجموعة الاستراتيجية روسيا والعالم الإسلامي، وصاحب عشرات الدراسات والبحوث المتمحورة عموما حول قضايا الحوار والتثقاقف بين الحضارات، الاستشراق والاستغراب، والتعريف بالحضارة الروسية خاصة للقارئ العربي، إذ يعتبر الكتاب الذي سنحاول تقديمه في هذه الورقة تتمة لكتاب سابق موسوم بـــ: الحضارة الروسية: أسئلة الهوية والآخر، 2005.

والكتاب يكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للعالم العربي الإسلامي، من حيث كونه يفتح نافذة للتعرف على قطاع مهم من عالمنا الواسع في حقيقته، والذي تعودنا رؤيته ضيقا بفعل هيمنة ثنائية الفرانكفونية والأنجلوسكسونية على تفكيرنا؛ فالمشرق العربي عموما يرى العالم بأعين أنجليزية/أمريكية –مؤخرا- والمغرب العربي يراه بأعين فرنسية في الغالب، ومن ثم فنحن مطالبون بالانفتاح على كل العالم خاصة تلك المناطق التي حجبتها الايديولوجيات المهيمنة على تفكيرنا، نحن مطالبون بتغيير رؤيتنا الضيقة للعالم، العالم أوسع من فرنسا وبريطانيا، وأوسع من المركزية الغربية كلها، نحن مطالبون بالانفتاح على الصين والهند واليابان وكل الدول والحضارات الآسيوية ومطالبون بنفس الدرجة بالانفتاح على أمريكا اللاتينية وعلى إفريقيا الجنوبية، فمن المؤكد أن لدى هذه الحضارات العديد من القيم والتجارب التي لم نتعرف عليها بعد، والتي قد تساعدنا في مسيرتنا التنموية، وتجمعنا مع العديد منها كثير من القواسم المشتركة والمآزق والأوضاع والآلام والآمال التي قد نتعاون على تجاوزها معا.

ضمن هذا الإطار يمكننا إدراج هذا الكتاب المهم جدا من حيث كونه يسعى  لتقديم صورة عن قرب حول الحضارة الروسية بكل تفاصيلها للقارئ في السياقات العربية الإسلامية، نقول صورة عن قرب بالنظر لعلاقة المؤلف بالثقافة الروسية، وأعماله العديدة حول التعريف بالحضارة الروسية والبحث عن إمكانيات الحوار والتبادل الثقافي بين روسيا والعالم الإسلامي وهو ما يمكن ملاحظته من خلال تصفح الموقع الاليكتروني الذي يشرف عليه الأستاذ سهيل فرح –موقع: المجموعة الاستراتيجية لروسيا والعالم الإسلامي- وبالفعل نحن بحاجة ماسة للتعرف على هذه الحضارة لعدة أسباب لعل أهمها:

أولا: جهلنا الكبير بهذه الحضارة بسبب غياب التواصل المعرفي الحي والطويل بيننا وبين وروسيا، إذا استثنيا طبعا الاتفاقيات الخاصة بالتكوين العسكري بين روسيا وبعض الدول العربية.

ثانيا: قرب روسيا من العالم الإسلامي وعلاقاتها السياسية التاريخية الجيدة مع بعض الدول العربية-زمن الاتحاد السوفييتي طبعا- فروسيا كما يقول المؤلف ‘’ ليست قريبة منا فحسب، بل هي أكثر إدراكا لعقليتنا‘’ ص 132.

ثالثا: وهو العامل المهم، اشتراكنا مع روسيا في الكثير من الأسئلة المهمة ومن المفيد الاستئناس بطريقة تعاطي الروس مع هذا النوع من الأسئلة لا سيما سؤال الهوية في ظل العولمة، سؤال التنمية الاقتصادية في ظل معطيات العالم الراهن، سؤال الدين والدولة، أسئلة الحقل السياسي: الدمقرطة، المواطنة وتأسيس/تفعيل المجتمع المدني..الخ.

****

كتاب الحضارة الروسية: المعنى والمصير يقع في 367 صفحة من الحجم العادي، ويضم مقدمة، سبعة فصول، بدلا عن خاتمة وأخيرا سيرة عليمة للمؤلف، وإن شئنا وصف الكتاب بعبارة مختصرة وشاملة فلن نجد عبارة أدق من العبارة التي وصفها به مؤلفه إذ اعتبره ‘’لوحة بانورامية عن مجمل معالم الحضارة الروسية‘’ ص:10، وهذا بالنظر لخصوصية روسيا من حيث هي حضارة في منتهى التنوع والغنى والتعقيد والاتساع في المكان والزمان، بفضل مساحتها الكبيرة وتاريخها العريق، وتعدد الثقافات والاثنيات والأديان التي استوطنتها وتعايشت بها، وقد حاول المؤلف الألمام بمختلف هذه العناصر المكونة للخصوصية الروسية مما يجعل القارئ يرسم صورة واضحة عن المعالم الكبرى للحضارة الروسية.

جاء الفصل الأول بعنوان: الروسي وجبروت المكان، وتحدث فيه المؤلف بإسهاب عن المدى الجغرافي لروسيا ووضعها الخاص بين قارتين: آسيا وأوروبا، والأمة الجغرافية الروسية بشقيها الأساسيين: السلافية والتركية، وحاول رصد العلاقة المتشكلة بين الطبيعة القاسية/المناخ والإنسان في روسيا، ‘’فالرد الروسي الحاسم على طبيعته الجغرافية أدى إلى خلق حالة تحد دائم لديه بينه وبينها، وفي كل فرصة ملائمة كان يتحفز للعمل وللتكيف معها، وهذا ما أبقى الطاقة الجسدية والمخيلة الفكرية في استنفار وتحد دائمين’’. ص: 30، ومثلما هو المدى الجغرافي الروسي لا حدود له كذلك النفس الروسية لا تحدها حدود، ولا يمكن الإطاحة بها، إن فيها توقا إلى النهايات، ولم تعرف قوة هذه النفس‘’ الفوق العادة ‘’إلا في أزمات التحدي الكبرى، سواء أزمات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، من جهة أخرى فأثر الطبيعة الروسية القاسية يظهر في بعض سمات الإنسان/المجتمع الروسي كخشونة الكلام، وغياب الجمالية في الصناعة والتركيز على الصناعات الثقيلة..الخ.

الفصل الثاني عقد لأسئلة التاريخ وتناول فيه المؤلف السمة الغالبة على التاريخ الروسي وهي مسألة الخصوصية والتعقيد، فروسيا كاما تقول الباحثة الروسية سيمنكوفا:‘’ ظهرت على ملتقى الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية والبوذية الشرقية، وقامت على مجال هائل الاتساع، شهد تنقلات مجموعات شعوب رحل وشبه رحل، بهذا المعنى هي تجمع تاريخي لتكتل من الشعوب الكثيرة ذات توجهات حضارية مختلفة، وحدتها دولة مركزية قوية، دولة فريدة من نوعها في التاريخ العالمي‘’ ص53.

وقد اختلف فلاسفة التاريخ الروس حول تقسيم المراحل التاريخية التي مرت عليها روسيا، غير أنهم متفقون حول مسألة مهمة وهي أن ‘’صورة النموذج الأكمل أو المثالي كانت مشروعا مؤجلا بانتظار المستقبل‘’ ص 77، ومما يزيد في تعقيد الوضع في روسيا وكثير من مناطق العالم هجمة العولمة/الأمركة، وما يتبعها عنها من صراعات داخلية بين المتغربنين ودعاة الخصوصية الثقافية أوالهوية المحلية، وهو ما ينتج عنه تجاذبات وجدالات حول منظومات التعليم والاقتصاد وغيرها.

وبالرغم من التاريخ المشترك بين الروس بمختلف إثنياتهم وثقافاتهم إلا أن سؤال الهوية لا يزال مطروحا وبحدة، يقول المؤلف: ‘’السؤال المهم الذي شغل ويشغل المفكرين الروس هو موقع روسيا التاريخي والمعاصر في الغرب والشرق؛ فمعادلة: روسيا-أوروبا-الغرب، أو روسيا-آسيا-الشرق هي المعادلة الأبرز في البحث عن الهوية الروسية ‘’ص 77.

الفصل الثالث ناقش فيه المؤلف البعد الإثني والديني للشخصية الروسية، مركزا على الثلاثية التي تشكل الأمة الروسية: اللغة الروسية/ الإثنية السلافية/ الديانة الأرثوذكسية، وكذا الحضور المتزايد الفعالية للإسلام في روسيا، وفي ظل التنوع الإثني في روسيا ) أكثر من 100 شعب(  يرى الكاتب أن الشرط الأساسي لتجاوز الصراعات الإثية والدينية هو‘’ التشكل العقلاني المنفتح للهوية المتكاملة التي باستطاعتها أن تحقق الانسجام والتكامل بين المنظومات المعرفية والثقافية المتنوعة‘’ ص 130.

الفصل الرابع: العقلية الروسية: معالمها النظرية والحياتية، وخلص فيه المؤلف إلى أهم سمات الإنسان الروسي على غرار التوق الدائم للحرية، والعناد، مع وجود سمة بارزة وهي الحضور الأخلاقي في السلوك، يقول أحد المفكرين الروس: ‘’أن السمة المتأصلة في الثقافة الروسية هي حضور الضمير الأخلاقي الذي يدخل في أعماق الحياة الروسية، وهذا بتأثير من الأرثوذكسية‘’ص155. كما ناقش هذا الفصل علاقة الروس بالحداثة وخلص إلى المفارقة الكبيرة حول هذه الإشكالية، ‘’فروسيا صاحبة القوة العسكرية النووية الجبارة، وصاحبة العقل العلمي المبدع، لا تزال عاجزة عن الدخول بقوة في عصر الحداثة، ولا يزال حضورها الاقتصادي دون الحد الأدنى في مسيرة العولمة‘’ ص 181.

الفصل الخامس تناول فيه الكاتب الطاقة الإبداعية الروسية، وهو من أهم فصول الكتاب بالنظر لرصده وتفصيله في مختلف جوانب الحياة الفكرية الروسية ومجالات الإبداع التي خلدت أسماء مفكرين روس، والتي يصعب حصرها في كتاب واحد، وقد ركز المؤلف على أبرز مجالات الإبداع للروس وهي : النزعة الإنسانية، تحدي الطبيعة، غنى المخيلة، العقل العلمي، غزو الفضاء، النفس الرحبة، القوة العسكرية، ثم تحدث بإسهاب عن بعض الأسماء الكبيرة في المشهد الفكري الروسي على غرار: بوشكين في الشعر والجماليات، دوستفسكي في الأدب، إيلين في الفلسفة، سوروكين في السوسيولوجيا –خاصة سوسيولوجيا لاثورة- وفرنادسكي العالم الملقب بإكاديمية العلوم بالنظر لإسهاماته البارزة في تأسيس العديد من المجالات العلمية.

الفصل السادس: الجيوبوليتيك والطاقة الروسية، انطلق فيه المؤلف من أن هناك العديد من نقاط القوة وبؤر الضعف في السياسات الاستراتيجية الروسية، وقد أرجع التوتر وعدم نجاح هذه السياسات إلى ضغط المدى المكاني على السلطة الروسية –العقل السياسي الروسي- فالشعب الروسي عبارة عن جماعات منتشرة على مساحات شاسعة جدا ومفصولة بغابات وثلوج وصحاري، مما يتطلب القيام بمجهودات كبيرة ومشاريع ضخمة جدا لتوفير متطلبات الحياة لكل هؤلاء، وكذا الصراع الذي سبقت الإشارة إليه بين الروسيين المتغربنين المدعمين للعولمة من جهة والمناهضين لها من جهة أخرى، وبين هذين الخيارين هناك خيار ثالث وهو لدعاة النيوسوفييتية أو الخيار الأوراسي، القائم على الدعوة لروسيا معدلة جغرافيا ومنقحة ايديولوجيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، وهو الطريق الذي يعتبره المؤلف أقل إشكالا ومن شأنه أن يجعل روسيا تتنفس بحرية، وبصرف النظر عن نقاط الضعف يبقى النموذج الروسي قويا وغنيا ويمكنه لعب دور أساسي في رسم التوجهات العالمية.

كما تطرق المؤلف ضمن هذا الفصل للأنتلجينسيا الروسية، مبرزا أهم سماتها المتمثلة في: الوعي النقدي، التمرد على الظلم، الإكراه، العنف، التعصب..مع ميل إلى ‘’التردد والاستعداد للمصالة والقدرة على إقناع النفس واستهوائها، والميل إلى الوقار الشكلي الخارجي، وإلى النزعة الذاتية النرجسية‘’ص 288، وهي سمات حاضرة عموما لدى الطبقة المثقفة في مختلف أنحاء العالم ولو بصور نسبية طبعا.

الفصل السابع: روسيا بين تعثر العصرنة وتحدي العولمة، ناقش فيه المؤلف المفارقة الروسية مقارنة مع العديد من الدول الأوروبية، فبالرغم مما تمتلكه روسيا من مقدرات وثروات طبيعية وبشرية إلا أن جل بلدان أوروبا الغربية أغنى بكثير من روسيا على المستوى المادي خاصة، وهذا يرجع إلى عوامل عديدة أبرزها غياب المجتمع المدني، وغياب عقل سياسي متنور وديمقراطي، ومعه العقل الاقتصادي الديناميكي والفاعل، مما يجعل المشهد الحضاري الروسي في غاية التعقيد ويضع العراقيل التي تحول دون عصرنة حقيقية للمجتمع الروسي.

ومع ذلك يرى المؤلف أن ‘’لروسيا كل الإمكانيات لقلب الأوضاع وبإمكان الروس أن يدهشوا الأقوياء والضعفاء وبالشكل الذي لا يتوقعه الكثيرون من خلال تحويل العثرات الكبيرة إلى انتصارات عظيمة ‘’ص 320.

اختار المؤلف عبارة بدلا عن خاتمة كخاتمة للكتاب وعنونها بـــ: عبر التاريخ والمصير الروسي، وناقش فيها سؤال المستقبل، في ظل السجال الحاد بين فكرتي المحلية الروسية والكونية المعولمة، الذي اعتبره وجها من أوجه الصراع على حاضر ومستقبل ‘’الفكرة الروسية‘’، هذا المستقبل الذي لن يكون في صالح الروس إلا بالدعوة لنهضة جديدة، يتم من خلالها ‘’تجديد الفكرة الروسية التي تجمع بشكل خلاق بين الموروث الثقافي والأكسيولوجي والإبداعي الغني للموروث الروسي وبين الإبداعات التي تنتجها العقول الأخرى‘’ ص 340.

بقي أن نشير في ختام هذا التقديم إلى أن الكتاب جاء ثري المضمون احتكم فيه المؤلف لنصوص مهمة وثرية جدا وأغلبها بالغة الروسية، كما جاء حسن العبارة أنيق اللغة، متماسك الفصول، وهو إضافة مهمة جدا للمكتبة العربية إن في موضوعه أو في أسلوبه، ومن غير الممكن أن نفيه حقه من التقديم في بضع ورقات، لن تبلغ مهما كثرت منزلة التعويض عن قراءة الكتاب.

******************

* جامعة باتنة1- الجزائر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...