الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. نادية جمال الدين* تكتب: اللامساواه في التعليم .. اختيار سياسى
د.نادية جمال الدين

د. نادية جمال الدين* تكتب: اللامساواه في التعليم .. اختيار سياسى

 

إن الحديث عن التعليم تحديدا يعنى الحديث عن أي مصر نريد، مصر العداله الاجتماعية، مصر المستقبل أم مصر التي يزداد فيها الأغنياء غنى وتقل أعدادهم لتكون مصر قريبا وبسرعه 1% ويبقى 99% منه فقراء يزدادون فقرا بكل ما يأتي به هذا من مشكلات يظهر الحديث عنها في كتابات رائجة ومشهوره صدرت في المجتمعات التي تتزايد فيها الهجمه الرأسمالية وأظهر ملامحها باحثون كما في كتاب توماس بيكيتي ” رأس المال في القرن الحادى والعشرين”، وكذلك كتب جوزيف ستجلتز مثل ” ثمن اللامساواه ” وكتاب ” الفجوه الكبرى، ومجتمعات اللامساواه وماذا نفعل بشأنها ” وعشرات من المقالات والأبحاث التي تكشف صراحه عما أصاب مجتمعاتها نتيجه للسماح بسيطره رأس المال ونمو اللامساواه وضيق الفرص أمام البشر في المجتمع الواحد والتي انتهت في مجملها الى اعتبار أن اللامساواه اختيار سياسى صنع بوعى، وازمه أخلاقية حيث الانحياز للرأسمالية الليبرالية بكل ما جاءت به من متغيرات منها تزايد هبوط الطبقه الوسطى واتساع دائره الفقر نتيجه للسياسات الرأسمالية الجامحه في المجالات المجتمعيه المختلفه دون أن يتوقفوا للدعوه للتراجع عن توفير التعليم الجيد للجميع في مجتمع يعرفون جيدا أن التعليم والبحث العلمى هو الأمل والحق الأساسي للمواطن في مجتمعات يطلق عليها حقا مجتمعات المعرفة.

ولما كان التعليم هو الهدف من الحديث هنا فالملاحظ في المجتمع المصرى حاليا هو عوده ارتفاع أصوات من ينظرون إلى التعليم من منظور طبقى منحاز لمن يملك ويقدر على الانفاق في مؤسسات التعليم الخاصه متعددة المستويات سواء أكانت مدارس أم جامعات. ويزداد التفاوت في أنواع التعليم ومدارسه في الوقت الذي استبشر المصريون خيرا في قياده جديده رأت أن: “هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه”، وكم يكون الأمر قاسيا حين تتحول الأحوال، وبصوره شرسه غير مسبوقه في قوتها وتعنتها حين يتصدى بعض قاده الرأي ومنهم الوزراء للهجوم على ما يزال يسمى:” مجانية التعليم ” والسخريه من المواطنين الذين ما يزالوا يقاومون التردى والهبوط إلى مستويات معيشة أدنى من خلال الأمل في توفير تعليم أفضل لأبنائهم … ويزداد الاتجاه الى تزييف الوعي بالادعاء أن التعليم الفني هو قاطرة التقدم!! وإذا كان الامر كذلك فلماذا لا يرسل الوزراء أولادهم وأحفادهم إلى هذا التعليم؟ وإذا كان الذين يهاجمون “مجانية التعليم” لعدم الدراية بالتاريخ الاجتماعي والثقافي لهذا الوطن ونقص الاستبصار بمتطلبات المستقبل من أمن قومي في مجتمع عالمي يطلق عليه مجتمع المعرفة ولا يبالون إلا بمصالحهم الضيقة ولا يرون لأبناء الوطن الحق في الاستمتاع بحقهم في التعليم والأمل في مستقبل أفضل في وطن يستمتع من فيه بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وعماد هذا الأساسي هو التعليم والتعليم الجيد للجميع كما هو الحال في مجتمعات تراجع نفسها باستمرار وتسعى للنهوض بالتعليم من اجل الجميع.

التعليم ليس خدمه بل هو من منظور اقتصادي أيضا استثمار في البشر واستثمار في المستقبل وصمام الأمن القومي والوسيلة الأساسية للحفاظ على ثقافه المجتمع المصري واستمراره وتماسكه واستقراره. ومن الأمور المستقرة الأن وقبل الأن أن الثروة الحقيقية الطبيعية غير القابلة للنفاذ إنما تكمن في عقول البشر وليس في باطن الأرض كما كان الحال في عقود خلت.

والحق أن من يتصدون للهجوم على منجزات هذا الشعب يجهلون تاريخه ومحاولاته المستمرة والدائبة للخروج من دائرة الفقر والحرمان بواسطة هذه الثورة الصامتة المستمرة بكل ما تحملهم من تضحيات ألا وهي التعليم. وما الدروس الخصوصية التي يلجأ إليها الأباء إلا إحدى الوسائل الأساسية لرفض الحصار والاستبعاد الاجتماعي الناتج عن إهمال التعليم وعدم الحرص على التوسع في التعليم العالي خاصه والذي هو في نظرهم فرصه وباب أمل لتغيير الواقع إلى الأفضل رغم أن هناك مؤشرات كثيره تعلن لهم تراجع الفرص الاقتصادية أمامهم ومع هذا فالتعليم ما يزال له قيمته وأهميته الاجتماعية التي تستحق المعاناة من أجل إتاحته لأبنائهم.

كتب كثيرون عن أن التعليم ومجانيتة حتى المرحلة الثانوية ليس من مكاسب ثوره يوليو 1952 بل حكومة الوفد وكان الرائد في هذا نجيب الهلالي باشا والذي كان متأثرا ليس فقط بما نادى به الدكتور طه حسين ولكن أيضا ما حدث في إنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية بعد ان أصبح من حق المواطن الإنجليزي الذي احتمل ضريبة الدم والدموع في الحرب ان يحصل على إتاحة حق التعليم لأبنائه. ان حقوق الشعوب لا تعرف المساومة وعدم اتقاء غضبهم نتيجة لحرمانهم من الأمل في مستقبل أفضل لأبنائهم له ثمنه الصعب ولعل هذا هو ما أدى بالباحثين المشار إليهم في صدر هذا المقال إلى اعتبار أن التعليم وسيله أساسيه لكسر دائرة اللامساواه في المجتمع والتي رأوا انها اختيار سياسي وليس بالضرورة مشكله اقتصاديه وهي لهذا مشكله ديمقراطية وليست ناجمه عن الرأسمالية بذاتها.

وإذا كانت المجانية في التعليم تعنى تحديدا في مصر الأن: “إزاله الحاجز المادي الذى يحول بين المواطن وبين الالتحاق بمؤسسات الدولة التعليمية”، فإن الهجوم لم يعد يقتصر عليها  بل يتزايد الهجوم في اتجاهات أخرى تسهم في الحصار وتشديد الحصار على الإنسان في مصر مثل ” مكتب التنسيق للقبول في الجامعات” حيث راي كثير من المسئولين إنه ليس الوسيلة المثلى للقبول في الجامعات، والحق أقول إنه :” أعدل المعايير الظالمة ” فكل معيار أو وسيله تستخدم مهما كانت لابد وأن يكون لها ضحايا ولكن ” العدالة العمياء ” التي يطبقها مكتب التنسيق الى حد ما الأن بعد اختراقه بخريجي الشهادات الدولية الأجنبية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ، هي الوسيلة أو الطريقة التي ارتضاها افراد المجتمع بالإضافة إلى أن ما يقال عن الاختيار على أساس القدرات لدى الطلاب قول مرفوض فالقدرات تبرز حقا بعد الدراسة في الجامعة التي هي المسئولة عن التعليم الذى يطلق هذه القدرات ويبلورها وليفتش كلا منا في نفسه  ليقرر حالته قبل الالتحاق بالجامعة وبعدها.

وهنا أيضا تظهر المقولات المضللة من أن المجانية في التعليم الجامعي مع التجاوز وقبولها إلا انها لابد وأن تصبح من حق الطالب المتفوق فقط اما من يرسب فعليه أن يدفع المصروفات. هذه قضية تبدو قضية ظاهرها الحق الا أن البحوث التربوية في العالم كله حول عوامل الرسوب والتسرب في كافة مستويات التعليم رأت أن العوامل المؤدية لهذا الرسوب ليست عوامل تعليميه بقدر ما ترجع إلى عوامل اجتماعيه واقتصاديه ونفسيه وليس لها سبب أوحد أو وحيد هو تقصير الطالب.

أرجو أن يأتي اليوم الذي نعيد التفكير فيه فيما نقول وخاصه المسئولين الذين تعلموا في زمان لم تعايرهم فيه الدولة بما تقدمه لهم من تعليم مجاني حتى حصلوا على أرقي الدرجات العلمية. كما ارجو أن أعيش الى ذلك اليوم الذي لا يقفز فيه المسئولين على نصوص الدستور الذي تم استفتاء الشعب عليه عام 2014. وأتمنى أن ينعم أبناء وطني جميعا في مجتمع

العدل والمساواة والتماسك الاجتماعي.

**********************

 

*أستاذ أصول التربية \جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...