الرئيسية / أخبار ثقافيه / لونيس بن على * يكتب :قراءة في سيرتي حسين البرغوثي ” الضوء الأزرق” و ” بين أشجار اللّوز”.

لونيس بن على * يكتب :قراءة في سيرتي حسين البرغوثي ” الضوء الأزرق” و ” بين أشجار اللّوز”.

في الأسلوب المتأخّر: الكتابة ونداء النهايات

قراءة في سيرتي حسين جميل البرغوثي

” الضوء الأزرق” و ” بين أشجار اللّوز”.

 

الجسد والأسلوب: في مفهوم الأسلوب المتأخر

في كتابه ” الأسلوب المتأخّر ” انطلق إدوارد سعيد من تصوّر مهم عن علاقة الأجساد بأسلوب الكتابة عند الروائيين والفنانين، وهي العلاقة التي ظلّت مهملة عند نقّاد الأدب على وجه الخصوص .

استند إدوارد سعيد إلى فرضية أنّ الإنسان كائن واعي بحدود جسده، وهو الذي يتجلّى في الاهتمام الذي يوليه للتفكير في نفسه وفي حياته، وفي جسده بوصفه وسيطا بينه وبين العالم من جهة ووبينه وبين الإبداع من جهة أخرى. حيث تغدو حياته موضوعا للتفكير، وبذلك منبعا للأفكار والمعاني والرؤى.

بهذا المعنى يكون الروائي أو الفنان صانعا لذاته، بما يحقّق لها الحضور التاريخي؛  فمن القواعد الأساسية للتاريخ، أن تكون الذات والعالم، كليهما، من صنع الإنسان. وهي فلسفة نبعت من أفكار كلّ من الفيلسوف العربي ابن خلدون و الفيلسوف الايطالي غومباتيستا فيكو.

لقد وضع إدوارد سعيد حدودا مائزة بين “عالم الطبيعة” و ” التاريخ الإنساني”؛ أي بين الجسد بوصفه ينتمي إلى عالم الطبيعة أي النظر إلى الجسد في بعده البيولوجي أو ما اتصل بصحته وتركيبه، ووظائفه، ونموه، وأمراضه وموته. وبين إدراك الإنسان لجسده وفهمه له ضمن نطاق التجربة والخبرة التاريخية.

لحظات صناعة الذات:

ظلّ إدوارد سعيد متمسكا بهويته العلمانية، فما فتئ يؤكد في كل مرة انتمائه إلى عالم التاريخ، ما جعله ينتبه باستمرار إلى أنّ المعرفة هي في جزء كبير منها نتاج تفاعل الإنسان بالعالم حوله، ويكون للجسد فيه دورا حاسما، لهذا كان منشغلا  بدراسة كيفية صناعة الذات لنفسها، وهي العملية التي تتأسس على ثلاث إشكاليات أو ثلاث حقبات كبرى:

أ)- فكرة البداية:

ويقصد بها لحظة الولادة أو لحظة الأصل، وهي تتضمن الكيفية التي يبدأ بها مسار معيّن، أو حياة ما. وهنا استحضر كتابه الأول ” بدايات: النية والمنهج” وقد خصّصه للطريقة “التي يضطر بها العقل أحيانا إلى تعيين استرجاعي لنقطة بداية لذاته، بحيث تبدأ الأشياء في معناها الأكثر بدائية مع الولادة”[1]

والبحث عن دلالة البداية أو الولادة ينتمي إلى حقل الذاكرة أو الماضي، حيث تبرز نزعة الاسترجاع إلى البدايات الأولى ( النوستالجيا )، إذ ثمّة نقطة ابتداء ما  في زمن الماضي ( بداية فرد/ بداية جماعة/ بداية ثقافة/ بداية حضارة/ بداية الأدب/ بداية الوجود…)، ويكون السؤال هو: ما الذي يصادف بداية حقل معرفي ما؟ أو فن ما، أو جنس من أجناس الأدب؟ ويتخذ إدوارد سعيد الرواية نموذجا للتمثيل؛ فهي وُلدت من رحم البرجوازية الأوروبية في أواخر القرن السابع عشر. وفي هذا القرن، كان هذا الفنّ السردي الجديد معنيا بخلق عالم جديد ومجتمع جديد ووظيفة جديدة للأدب.

كانت البداية، تحمل دائما معنى القوة أو السلطة، ذلك أنّ تعيين بداية ما، لفن أو لحياة “يعني توطين مشروع ما”[2] التوطين بمعنى التعزيز، منح قوة ما لوجود الشيء الذي وُلد للتو، بل أن البداية قد تعني السلطة/ القوة.. سلطة الأصل، أو الماضي.

ب – فكرة الاستمرارية:

الاستمرارية هي منطق الكائن الحي كما يقول إدوارد سعيد، ومنها تنبثق مقولة الأجيال، وما تطرحه من جدلية التطور الخطي الذي يساير روح العصر، وعلاقة ذلك التطور بلحظات من الانعطافات المفاجئة التي تخرج عن النظام القائم.

وتحضر تصورات داروين في هذا السياق لتفسير انماط نشوء وتطور فن الرواية، وتحديدا نمط من الروايات التي تسمى بالروايات التربوية أو المثالية، لكن وفي المقابل يحدث أن تظهر روايات شاذة، تلك التي خرجت عن المنظومة الروائية السائدة، ويستشهد إدوارد سعيد برواية “الجريمة والعقاب” و”المحاكمة”. ومن بين خصوصيات هذه الروايات أنها “تشذّ عن التعاقد الضمني المستمر على نحو مدهش بين فكرة أجيال الإنسان المتعاقبة ( كما عند شكسبير) والتأملات الجمالية لتلك الأجيال أو عنها”[3]

روايات خالفت روح عصرها أو زمانها، أو لم تتناسب أو لم تنسجم مع تلك الروح، في حين أن المبدأ أن لكل مرحلة ما يناسبها، فما يناسب الحياة المبكرة لن يناسب المراحل اللاحقة. المبدأ الآخر أنّ جوهر صحة الحياة البشرية مرهون بمدى تماثلها مع زمانها، أي مدى ولادتها في الوقت المناسب.

ج)- فكرة النهاية/ الفترة الأخيرة أو المتأخرة:

يقول إدوارد سعيد أنّها نادرة تلك الكتابات التي ركّزت على أفول الحياة، أو على تجربة النهاية؛ سواء نهاية حياة الكتّاب، وبلوغهم سن الشيخوخة وما يطرحه ذلك من تساؤلات حول قدرة الجسد والعقل على التواصل مع الحياة، أو سواء في حضور تيمة النهاية داخل أعمالهم الابداعية.

يصف هذه الفترة المتأخرة من الحياة، بأنّها ” فترة تحلل الجسد، واعتلال الصحة، أو حلول عوامل أخرى تحمل إمكانية النهاية قبل الأوان حتى لمن لم يتقادم به العمر”

وقد صاغ في كتابه (الأسلوب المتأخر) جملة من الأسئلة: ما هو تأثير نهاية العمر على لغة وأسلوب وأفكار الفنانين الكبار، و هل أنّ المرء يزداد حكمة مع العمر؟ وهل أنّ ثمة مؤهلات فريدة في الرؤية والشكل يكتسبها الفنانون بسبب العمر في الفترة المتأخرة من سِير حياتهم؟[4]

سيتطرق سعيد في هذا الكتاب إلى مجموعة من النصوص المتأخرة، التي سيحاول من خلالها التعرّض إلى خصوصيات أساليب كتّابها وهم يكتبون نصوصهم الأخيرة، مثل مسرحيات لشكسبير كالعاصفة أو حكاية شتوية، و التي تميزت بعودة شكسبير إلى القصة الغرامية. و كذلك مسرحية ” أوديب في كولونوس” لسوفوكليس، التي صورت بطلا هرما بلغ درجة من القداسة والشعور بالثبات. وتطرّق أيضا إلى مفهوم الأسلوب المتأخر عند ادورنو الذي كتب عن الأسلوب المتأخر في موسيقى بيتهوفن، وكذلك نصوص جان جينيه الأخيرة وعلاقتها بالثورة والانتفاضة الفلسطينية. واللافت أنّ سعيد، أولى اهتماما لتجارب متميزة ومتفردة، تشترك في أنها عبّرت عن القلق والعبث والسؤال اللاهب في الهزيع الأخير من حياتها، ويوضّح قائلاً: ” أود أن أتبحر في تجربة الأسلوب المتأخر الذي يتضمن توترا متنافرا ومضطربا، كما يتضمن، فوق ذلك، نزعة إنتاجية عديمة الجدوى تسير بالاتجاه المعاكس عمدا”.[5]

لقد وجد سعيد أنّ بعض الكتابات الحديثة عبّرت عن هذا التوجه عند كتّابها نحو الرؤى النهائية؛ ويبرز ذلك على نحو واضح في ” استعارات نهاية القرن” في أعمال وايلد، وهيوسمان، وطوماس مان، وإليوت، وبروست، وييتس…إلخ[6]

يتأمل سعيد في دلالة الشيخوخة ضمن هذه المؤلفات الأدبية، فإذا كان بيكيت يرى في النهايات ما يثير السخرية من هشاشة الكائن البشري، وهو ما عبّرت عنه مسرحياته الأخيرة، فإنّ هناك من تطرّق إلى فكرة الخلاص، والتعاسة، أو الحنين. فبلوغ هذا العمر، يعني اكتمال تجربة ما، وبلوغها قدرا من الكمال، كما يبيّن ذلك بروست، حيث، وفي هذه السن، يغدو الفن ترياقا ضد الموت.

يمكن أن نصيغ الموضوع وفق المقاربة الإشكالية التالية: هل هناك جمالية ما تميز النهاية؟

في مقال كتبه عام 1937 خصه لتحليل أسلوب بيتهوفن المتأخر، استعمل أدورنو مصطلح الأسلوب المتأخر، و كان يقصد به دراسة الأعمال الموسيقية الأخيرة التي ألفها بيتهوفن قبل وفاته. يُعرّف ” التأخر ” كما يلي : “هو أن تبلغ النهاية، بكامل وعيك، طافحا بالذاكرة، ومدركا أيضا لحاضرك إدراكا عميقا” [7]

ليس التأخّر، بهذا المعنى، إلاّ لحظة وعي عميقة بحدود الحاضر، وبثراء الماضي، وهذا الوعي هو الذي يتجلّى في ” التفكير النقدي” الذي هو بمثابة ” قوة احتجاج”. التأخّر هو موقف نقدي كذلك من الواقع السائد، ورفض الإذعان لنظامه، وقد كتب أدورنو في إحدى مقالاته الأخيرة: “ المفكّر النقدي الذي لا يعذّب ضميره، ولا يرهبه أحد إلى الفعل، هو في الحقيقة المفكر الذي لن يذعن”[8]

التأخر، إذن، هو تموقع في جهة التفكير النقدي الذي لا يرضى لا بالتعليب ولا بالتحكم. إنّ التأخر هو نوع من المنفى الاختياري. يوضح إدوارد سعيد أكثر بقوله: ” إنّ في المنجز من الفكر النقدي المعاصر قوة احتجاجية. فعلا لا يمكن الإنكار بأن فكرا نقديا كالذي يحمله أدورنو يمتاز بالمزاجية ومرات بالإبهامية، ولكن نجد في نصه الأخير ” اعتزال” يكتب ما يلي “إنّ المفكر، بدون منازع، الذي يترفع عن تسييج وعيه ولا يقبل دائما أن يفكر تحت مطرقة الرعب، لا يمكنه أبدا الانبطاح”، فأن تعمل الفكر في الصامت والمبتور يعني تجنب أن تكون مقيدا أو محكوما، كما يعني أن تتقبل وتشغل الخاصية ” المتأخرة” لهذا الموقف”[9]

ثم التفت إلى تجربة الروائي والمسرحي الفرنسي “جان جينيه” الذي عُرف بمواقفه المساندة للقضايا العربية ( الثورة الجزائرية، الانتفاضة الفلسطينية)؛ إذ كان ” عاشقا للعرب” وهو ما يمثّل في نظر سعيد موقفا غير اعتيادي يصدر عن مثقف أوروبي، المفروض أن تكون علاقته بالعرب صدامية بالأساس.

لقد تجلى هذا العشق في أعماله الأدبية الأخيرة، وهما ” الستائر” وهي مسرحية عبّر فيها عن تأييده للثورة الجزائرية، ومناهضته المستميتة للكولونيالية الأوروبية، و”الأسير العاشق” الذي عبّر فيه عن التزامه بالقضية الفلسطينية إلى غاية وفاته العام 1986م. ولقد اشتهر جينيه بكتابة نص عن مجازر صبرا وشاتيلا في العام 1982.

تميزت هذه النصوص الأخيرة بتفكيكها لمرتكزات الكولونيالية: الهوية الامبراطورية، القوة والتاريخ. فقد رفض جينيه منطق الهوية المفروضة؛ فكلّ هوية هي عمل عنيف،  وليست الامبريالية في نظره سوى جهاز لمصادرة الهويات. من خلال هذا الموقف، شبّه إدوارد سعيد جينيه بـ  ” المُذيب الآخر للهويات”[10].

وعلى الصعيد الأسلوبي، فقد مال النصان الأخيران إلى اللغة الانتهاكية والتخريبية، ما اكسبهما، بتأثير من القضية الفلسطينية، القدرة على التحدي الشرس للمنظومة الأخلاقية السائدة، أمّا عن تصوّره لانتفاضة الفلسطينيين، فهي “انتفاضة ميتافيزقية للمنبوذين والغرباء. يقول إدوارد سعيد:  ” أعمال جينيه الأخيرة مُشبعة بصورة الموت، خصوصا في ” الأسير العاشق “. ويعود بعض الحزن الذي يشعر به القارئ إلى معرفته أنّ جينيه كان يحتضر وهو يؤلف الكتاب. وأنّ عددا كبيرا من الفلسطينيين الذين التقاهم وعرفهم وكتب عنهم سوف يموتون هم أيضا. على أنّ الغريب في الأمر، أنّ كلا من ” الأسير العاشق” و”الستائر” تنتهي بذكريات إيجابية عن أم وابنها”[11]

ما يمكن أن نستنتجه من خلال مفهوم الأسلوب المتأخر هو أنّ للنهايات سلطة على أساليب الكتابة والإبداع الأدبي والفني، وأنّ الموت قد لن يكون إلا إحدى المعاملات الأساسية للكتابة من جهة، ومن جهة أخرى، كمنشط للذاكرة، ولرغبة استحضار البدايات.

حين بلغ الشاعر السويدي توماس ترنسترمر الحائز على نوبل عام 2011 سن الشيخوخة، وبعد إصابته بجلطة دماغية كادت تودي بحياته، كتب سيرته النثرية ” ذكريات تراني”، بعد أن كان طيلة حياته يؤلف القصائد الشعرية، إذ نلاحظ كيف أنّ الإحساس بالنهاية أو بدنو الموت، جعل هذا الشاعر يغيّر من جنس الكتابة، فوجد أنّ النثر هو الأنسب للتعبير عن طفولته، وعن ذلك الحنين إلى تلك المحطات من حياته الأولى.

إن خوض تجربة الكتابة عن ذاكرة الطفولة، بالنسبة له، هو اختبار ذلك الشعور بأنّ الشيخوخة قد تكون مجرد تجربة فيزيائية، في حين، يقول: ” دائما ما نشعر أننا أصغر من أعمارنا الحقيقية. أحمل بداخلي وجوهي الباكرة، مثل جذع شجرة يحوي حلقاته، ومجموع هذه الوجوه هو “أنا”. لا تبصر المرآة غير وجهي الأخير، بينما أعرف أنا تلك السابقة عليه”.[12]  إنها لحظة استجماع الوجوه المتعددة للذات.

ثمة تجارب كثيرة هي بمثابة النصوص المتأخرة لكتّابها، احتفت بمرحلة الشيخوخة، أو بحديث النهايات، أو حاولت أن تقف وجها لوجه أمام الموت؛ الموت في البندقية لطوماس مان، هذا هو الإنسان وهو آخر ما كتبه فريدريك نيتشه، غانياتي الجميلات لماركيز، انقطاعات الموت لخوسيه سراماغو، قصيد في التذلل للطاهر وطار، حكاية شتاء لبول اوستر،…إلخ هي نصوص تؤرّخ لعلاقة السرد والأسلوب بأفول الحياة.

 

 

حسين جميل البرغوثي: الكتابة ضد أعطاب الجسد

هل ثمة علاقة ما بين الذاكرة والموت؟ هل للموت كلّ هذه السلطة على الذات المبدعة لتستثير فيها ذكريات الطفولة؟ كما لو أنّ ثمّة علاقة حميمية بين النهايات والبدايات؛ علاقة تتجسّد من خلال الكتابة بأثر رجعي، أو من خلال سردنة الذاكرة.

في المقدمة التي كتبها الشاعر الفلسطيني”محمود درويش” لسيرة حسين جميل البرغوثي، نكتشف إحداثيات أساسية لتفسير “موت” هذا المبدع الفلسطيني، إذ قال في جملة مقتضبة: ” مات داخل الحصار. مات وهو يناقش. لم يكن رحيله مفاجئا”

ثمّة موت ما وقع داخل حصار، إنه موت داخل مساحة كولونيالية، موت مغلق في مكان مسيّج ، لكنه موت حيوي، لأن الذي مات كان مازال يفكّر، لأنّه أدركَ أنّ التفكير لحظة تأجيل للموت.

لقد كانت سيرة البرغوثي تأجيلا لإرادة الموت. التفكير يحرّر من الحصار؛ إنّ الذي يفكِّر، والذي يكتب، لا يمكن أن يظلّ سجينا لأمكنة محاصرة، بل إنّ ما تمنحه الكتابة هو بالذات تلك المساحة الميتافيزقية في التفكير خارج الحصار – أقصد الوجود –

ثمّ أنّ الموت لم يكن مفاجئا. ألم يكن الموت منذ أن وعى الإنسان به لحظة مفاجئة، أو بتعبير آخر كان لاعبا مراوغا يحتفظ لنفسه بقواعد لعبه ؟

الموت في هذه المرة، لم يباغت البرغوثي، بل كان بينهما موعد محدّد، إذ يبدو الموت هنا موعدا في محطة قطار، أو في قاعة شاي. هل هذا ما جعل البرغوثي يناقش ويكتب ويتذكّر؟ لأنّه كان يحدّق في عيون الموت فاستأنسه أخيرا؟

أصبح الموت منشطا غير عاد للكتابة، وهذا ما يبدو مهما في نصي البرغوثي ( ضوء أزرق، سأكون بين اللوز). لقد فجّر السرطان في البرغوثي، إحساسه بالجمال. ثمة جمالية وشعرية متدفقة في النصين، كما لو أنّ الموت ليس دائماً أمراً مريباً، بل قد يكون لحظة انسجام مطلقة مع النهاية. هذا ما سمّاه إدوارد سعيد بـ ” الأسلوب المتأخّر”، أي النصوص التي تحدّق في الموت، فترقص رقصتها الأخيرة.

 

 

الكتابة السيرية بين التذكّر والتخييل:

بعد أن علِم حسين جميل البرغوثي إصابته بمرض السرطان، قرّر كتابة سيرته الذاتية، وهي سيرة مقتضبة جدا، قسمها إلى جزئين: الجزء الأول بعنوان ( الضوء الأزرق)، والجزء الثاني وضع له عنوانا موحيا ( بين أشجار اللوز). وينتمي النصان إلى فن السيرة الذاتية.

إنّ لحظة اكتشاف المرض اللعين كانت لحظة محفزة للكتابة عن الذات، حيث الذات تصير موضوعا لكتابتها؛ من خلال النبش في الذاكرة، والبحث عن صور الطفولة، وعن ذاكرة الأماكن والأحداث الحاسمة في الحياة.

يقوم فن السيرة الذاتية على فعل التذكّر؛ الذي تعرّفه “ميري ورنوك” بأنّه يعني أن تمتلك تجربة واعية”.[13] أي أن تغدو الحياة تجربة ذاتية تعيها الذات، وإن كان هذا لا يلغي دور الكتابة في تفجير الذاكرة اللاواعية.

ثمّة حاجة قوية عند الإنسان للعودة إلى الماضي، ولاستحضار شريط الحياة الأولى، حيث يبدو ذلك الماضي بمثابة فردوس ضائع، والكتابة عنه محاولة لاسترجاع ذلك الفردوس، او التصالح معه بعد أن طُردنا منه. وتعتقد “ورنوك” في نفس السياق أنّ الماضي يحتجز السعادة التي نجدها في تلك الأشياء التي عشناها، ولم نعد ننتمي إليها، وعلى هذا الأساس، تقول، ” فإنّ الصورة تنقل إلينا، إذا اعتبرناها صورة ذاكرة، إحساسا بالفرح لأننا نستعيد شيئا اعتقدنا إنّه ضاع إلى الأبد”.[14]

هذا، إذا لم نقل أنّ الكتابة السيرية تؤكّد على أنّه لا يمكن أن ننسى الماضي، فهناك دائماً ما يمكن الكتابة عنه.

مازال السؤال يُطرح: ما الذي يبرّر اللجوء إلى الكتابة عن سيرة الذات؟ قد تتعدد الإجابات، لكن ما يجمعها، في ظني، هو ذلك السعي المحموم وراء الحقيقة؛ حقيقة الذات، ومحاولة الإمساك بكليتها. كأنّ الحقيقة ثاوية خلف طبقات الزمن الماضي، وما يبرّر هذا الطرح، أنّ الحاضر هو امتداد لذلك الماضي، وتفسير الحاضر يبدأ من إدراك الطريق المفضية إليه. الماضي هو حكاية، لهذا في حاجة إلى من يخرج تلك الحكاية ويجعلها ممكنة. ومن خلالها ينقشع الغموض الذي قد يلف ماضي الذات. فلا يمكن فهم الحاضر إلا بالقدر الذي تكون فيه علاقتنا بالماضي قائمة على الوضوح، وعلى إمكانيات الفهم. الكتابة عن الذات، أي عن ماضيها، طريقة لتفسيرها.

لكن يبقى أنّ الكتابة عن سيرة الذات محكومة إلى شروط الشكل والأسلوب؛ أي محكومة إلى الشروط الفنية، حيث يبدو أنّ الذاكرة لوحدها لا تكفي لكتابة سيرة ذاتية، بل لابد من تدخّل المخيّلة.

تخضع الذاكرة هنا إلى العملية السردية، أو بالأساس إلى الحبكة؛ بوصفها الشكل الفني الذي تخضع له تلك الاحداث وتلك الشخوص التي يتم استحضارها. هنا يبرز مفهوم ” إعادة خلق الحياة “، وهو مفهوم جوهري ” لأنّه يقوم على خلق توازن ما بين الذاكرة والتخييل، اللتان تتداخلان ضمن عملية تركيب وبناء وسردنة الماضي. وعلى هذا الصعيد، تتجلى الطبيعة الإبداعية للذاكرة.

إننا لا نتحدث فحسب عن القصص في الحياة، أي عن تلك الأحداث التي عاشتها الذات في ماضيها، بل أيضا سنتحدث عن الحياة بوصفها قصة، إذ تعكس هذه العلاقة بين الحياة والقصّ/فعل الحكي حضور عامل الزمن، ما يؤكّد أنّ الذات هي كائن زمني يتشكل ضمن الزمن. معنى هذا، حتى نعود إلى الفكرة السابقة، أنّ الحياة التي تُروى تخضع لنظام السرد، وأساس هذا النظام هو الحبكة الفنية، التي هي ” الآلية المنظمّة لنمط معيّن من فهم الإنسان”.[15]

سرد الحياة طريقة من طرق تأويلها، ويرى نورثروب فراي بأنّ الحبكة متأصلة في السرود البدائية مثل الأساطير، وتكمن وظيفتها في مساعدة الإنسان على فهم العالم، لكن أيضا، ومن خلال هذه الحبكة، يقوم بصياغه تصوّره ورؤيته للعالم. فما تطرحه السيرة الذاتية هو إذن ” رؤية لما نسميه ذاتنا وأفعالها، وتأملاتها وأفكارها ومكانها في العالم”.[16]

الذاكرة والموت:

كتب البرغوثي في سيرته ” بين أشجار اللوز”: ” بعد ثلاثين عاما اعود إلى السكن في ريف رام الله، إلى ” هذا الجمال الذي تمت خيانته”. نفيت نفسي، طوعا، عن ” بدايتي” فيه، واخترت المنفى، وأنا ممن يتقنون ” البدايات”، وليس “النهايات”، وعودتي، بالتالي، “نهاية” غير متقنة. ” ( ص05 )

يتحدث البرغوثي عن النفي الذاتي، لكنه اختار أخيرا قرار العودة إلى الموطن، أي إلى مكان البداية، وهو مدرك أنّ ما أرجعه إلى مهد الطفولة الأولى هو نداء النهاية. عاد إلى موطن البداية لأجل التأمل في هذه ” النهاية”، فبعد أن ثبت إصابته بمرض السرطان. فهِم بأنّ المرض ليس أكثر من وجهة نظر في الحياة.

العودة إلى الوطن هو البحث في ” ذاكرة المكان”، وهي ذاكرة مؤثثة بالتفاصيل التي لا يمكن لغريب عن ذلك المكان إدراكها أو الإحساس بها. لن يكون بمقدوره ” ملامسة التاريخ”. يقف البرغوثي  “فوق الخرائب” هذا ما يبدو عليه المكان المستعمَر. في الليل، اكتشف العلاقة بين ” القوة والضوء”، بين ضوء النيون وهو ضوء استعماري، وبين ضوء القمر ضوء الطبيعة.  ضوء النيون يمثل نوعا من الاحتلال البصري، أو معمار ضوئي ” لدولة تهذي حتى في منامها برؤى مسلحة ومضاءة بالنيون. وبدت المستعمرة كلها كتابا في النفس أيضا: في العلاقة بين “القوة” و”الضوء”! لم يدرس أحد بعد، العلاقة بين القوة والضوء” [17]

من عمق هذا التأمل، رأى البرغوثي أنه يقف أمام ذاكرتين: ذاكرة الأفاعي، وذاكرة رؤى وأساطير من يحلم بإبادة الأفاعي، وهنا يفتح قوساً ليستحضر مقولة إسحق شمير الذي وصف العرب بالأفاعي. بين الذاكريتن: ذاكرة الضحية والجلاد ما يشبه الهوة السحيقة، أو الصدع العميق. وهو واقف على شفير هذا الصدع اللامرئي.

يقول البرغوثي أنّ إسرائيل صادرت طفولته.[18] أوّل ما ترسخ في ذاكرته الأولى كان ترحيل أهله بالطائرة من بيروت كـ ” رعايا أجانب”.

لم تعد فلسطين مكانا آمنا، بل صارت ” قفصا”، فرائحة الموت كانت تعطّن الجوّ، لهذا قرر أن يهاجر مع زوجته بترا وابنه آثر إلى كندا. لم يكن أمامه إلا ” الفرار” من الموت. لكنه اكتشف أن الموت كان أقرب مما يتوقع، لقد أدرك أنه مصاب بالسرطان، وهنا هل يمكن الهروب إلى مكان آخر؟ لحظة المرض كانت لحظة الرجوع السري إلى جبال الطفولة.

في البداية ظنّ الأطباء أنه مصاب بالسيدا، كان هذا في ذاته يمثل رعبا شديدا، وإذا ثبت إصابته به، فهذا يعني أن زوجته وابنه سيصابان به. لم يخف على نفسه أكثر من خوفه عليهما. إلا أن تقرير الاطباء فيما بعد اكدوا أنه لم يصب بالسيدا. ” ولكن لا أهمية لذلك، فآثر وبترا خارج اللعبة الآن، وأنا قادر على اللعب وحيدا مع القدر”. ( ص 43 )

الموت هو اللعب مع القدر، وأفضل الموت هو الدخول في الرهان منفردا. هي معركته لوحده الآن، صار أكثر تحررا وهو يواجه قدره المحتوم لوحده. هذا هو مفهوم المقاومة، وهذا هو مفهوم الشجاعة كذلك. ان تموت لوحدك، ويكون أقرب الناس إليك غير معنيين باللعبة إلا كمواسين فقط. عي المفارقة حين أحس بسعادة غامرة أنه مصاب بالسرطان.

مقاس المرض يتحدد بالحدود المكانية لغرفة العلاج. كم أحس البرغوثي بضيق شديد، فهو ابن الفضاءات اللانهائية.

من هنا جاءت طاقته على الإبداع، على الكتابة، على تفجير مكامن لغته السردية: ” قال بول كلي، مرة، إنّ الرسام لا يرسم ” المرئي”، بل ” يجعله مرئيا”. والسرطان رسام جعل اللامرئي في عيني مرئيا، حين يلتقي الفن والحب والموت في الروح. ” ( ص 67 )

جملة مهمة، تفكك هذه العلاقة بين المرض والفن، بين الموت والحياة؛ لحظة المرض هي لحظة انكشاف اللامرئيات، هي لحظة سقوط ستارة الوجود فجأة، فيصير كلّ شيء مرئيا على نحو غير مسبوق.

” خسارة أن تولد وتموت في زمن مهزوم، بوعي مهزوم، وخائف[…] خسارة أن تفقد نفسك إلى هذا الحد. هل هذا التشرد من التاريخ، أو ” فيه “، هو ما يجعلني أبحث عن مدينة لإسمي، ولا أجدها؟ سر تشرد اسمي نفسه؟ ” ( ص95)

التشرد كحالة في الوجود، كضياع للمعالم المكانية للتسمية، هو لم يجد مدينة تسمى باسمه، هذا يعني أنّ الأسماء تكون في حاجة إلى أمكنة ما، وهذا سر تشرد اسمه.

 

 

 

المنفى أو التحديق من جرف الوجود

في نصه ” الضوء الأزرق”، يعود البرغوثي بذاكرته إلى سنوات الغربة في أمريكا، أيام كان طالبا في قسم الماجستير تخصص الأدب المقارن في جامعة واشنطن، وهي السنوات التي فتحت وعيه على أوجاع المنفى، لكن أيضا على أسئلة الوجود. لقد اكتشف أنّ المسافة التي تفصله عن موطنه الأصلي، قد تحوّلت إلى جرف شاهق، وهو الآن يقف عند حافته، يحدّق في العالم المتحرّك بضراوة. تخلق هذه المسافة احتمالات رهيبة للجنون، بما هو إحساس برعب متأصّل بأنّه على وشك أن يفقد عقله. المنفى هو احتمال مفتوح بفقدان العقل.

لقد فتحت له التجربة الأمريكية فرصة اختبار حياة الهامش، وحياة العزلة، فآثر العزلة لشهور، واكتسب مع مرور الوقت هواية السير وحيدا في الغابة المحيطة بالجامعة، حيث أدرك أنّ عالمه الحقيقي هو عالم الهامشيين، فبين الغابة و المقاهي كان يجد العالم الذي يفهمه، ويستأنس به.

“وجدتني أتنقل بين هذه المقاهي الثلاثة، وأبحث عن نفسي، ليس في الكتب، سئمت كل الكتب، بل في المقاهي، بين المشبوهين بالجنون، والشواذ، والصعاليك، حيث الخرائط أكثر دقة ووضوحا وإثارة” ( ص20 )

لم تكن الكُتب بالنسبة لحسين مكانا أثيرا للبحث عن ذاته، بل وجد في واقع المهمشين والمنبوذين مكانا طبيعيا وجد فيه ما يبحث عنه؛ فقد أدرك أنّ عالمه هو بين المجانين والشواذ والصعاليك، هو عالم واضح، لا يختفي خلف كثافة القيم والأخلاق والنفاق الاجتماعي.

في المنفى الأمريكي، تفجّر القلق الهووي في وعي البرغوثي، بل انتهى إلى خلاصة مهمة أنّ المرض المزمن الذي يعاني منه العرب هو مرض هووي، مصدره القلقلة في أغوار هويتهم. اكتشف كم هو ثقيل سؤال الأصل والجذور، لأنّه سؤال مقلق، لا يعِد بأي إجابة حاسمة. لقد أحسّ أنّ مهمة المنفي هو ترجمة هذا القلق، وهو القلق الذي يجد شكله في أسلوب التشكك والاحتراس وخلق المسافات بينه وبين الحقيقة، الهوية، الوطن…إلخ؛ هذا ما يترجمه إدوارد سعيد في قوله: ” إنّ المهمة الحاسمة بالنسبة للمنفي هو في رأيي أن يظلّ متشككا نوعا ما ومحترسا على الدوام”.[19]

لقد تعرّف البرغوثي على بري وهو شاب أمريكي من أصول تركية، هو في نظر الناس مجرد رجل فقد عقله، لكنّه وبعيدا عن هذا الحكم، فالرجل مجرد حكيم متلبس في هيأة مجنون. لقد عاشره البرغوثي، ووجد فيه ما يثير فيه نيران القلق أكثر.

يقدم لنا البرغوثي شخصيات أمريكية تعاني من فصام حاد؛ شخصيات تهرب من شيءما خفي يلاحقها في كل مكان، حتى أنّ زوجته الأمريكية “ماري” كانت تعاني من هذا المرض. كانت تحلم دائما أنها تهرب من شي ما تحت مطر شديد. ” حللت أحلامها واستنتجت أنها تعيش انهيارا نفسيا ناتجا عن فقدان ايمانها الديني، في بلد ينتج فصاميين كما ينتج ساندويشات”. ( ص 91 )

لقد أحب الوحدة منذ طفولته، الوحدة علمته كيف يكون غير مرئي، لذا كان حلمه أن يمتلك طاقية الاختفاء، إذ لبسها لا أحد يراه، وفي المقابل يرى الجميع. لقد نما وعيه داخل مناخ الوحدة والهامش. إلى أن تفجرت قريحته الشعرية، فكان يكتب شعرا جميلا جعل الجميع يشكّ إن كان هو من كتبها، فأقيمت له محاكمة في المدرسة للتأكد من أنه لم يسرق ذلك الشعر من مرجع ما. الحادثة جعلت الجميع يلقبه بالعبقري، والعبقري بمعنى أن كان ” دائما خارج السياق، لا أنتمي إلى أحد، شاذا، وغريبا، وعلى هامش الدنيا.” (ص145)

الهوية المسافرة:

من هو الفلسطيني؟ إنّه ابن البحر، ذلك المسافر الأبدي، أو ذلك الابن الضال: ” تخيلي أنّ مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، بعد إخراجهم من بيروت بالسفن في 1982 رجعوا لأصلهم: البحر. عندما وصلت سفنهم لكريت انزلهم الكريتيون على الشاطئ، وأقاموا لهم ولائم، وقالوا: ” انتم أبناؤنا الضالون”. ” ( ص 23)

تبدو الهوية هنا حالة سفر لا ينتهي، أو كيان غير ثابت وغير مستقر في مفهوم أو أصل نهائي ومطلق، فالفلسطيني، كما يتصوره البرغوثي، هو ابن البحر، هو ذلك المسافر الأبدي الذي يحمل في داخله سيرة أوليس اليوناني.

هناك شكل آخر من الغربة، وهي الغربة العكسية، الغربة في الوطن وبين الأهل؛ حين عاد البرغوثي من مهجره، وجد نفسه غريبا بين أهله، كأنه لم يعد ينتمي إليهم، لهذا قرر أن يعتبر بيت والده مجرد فندق، ويعتبر نفسه مجرد نزيل فيه. لقد شبّه الوطن بحوت ضخم، يوهم بالثبات، لكنه سرعان ما يغوص في أعماق المحيط ساحبا كل شيء معه.

ظل البرغوثي، يسأل نفسه: من أنا؟ ما هي هويتي الحقيقية؟ وهل هناك هوية حقيقية؟ أم أنّ الهوية إبداع. ليس هناك تاريخ للهوية بل هناك سيرة تخييلية لها. لقد بدا له الأمريكي شخصا بلا تاريخ، أي بلا هوية مستقرة، يحمل هوية خفيفة، في حين، وهو الفلسطيني، يشعر أنه يحمل هوية مثقلة بالتاريخ.

لقد قالت له صديقته الأمريكية سوزان: ” اكتب عنا رواية، يا حسين، نحن “رواية”. ” ص35)

الهوية هي ما نكتبه روائيا، وكأنّ هذا الفن وحده الذي يملك القدرة على النبش داخل مقابر الماضي، بحثا عن جذور عميقة تصل الذات بأصل ما. الجذور يتم تخيلها، والهوية، هوية أي شخص، وهوية أي مجتمع، ليست أكثر من سرديات. قال البرغوثي ” الذاكرة خطرة جدا، معمل أشباح. ” ( ص66 )

تخييل الذاكرة :

ليست الكتابة السيرية مجرد نقل حرفي لمحطات من الحياة، بل هي أيضا اختلاق محطات أخرى. يملك الكاتب حرية التصرّف في ماضيه، وكأنه هنا بصدد كتابة سيرة متخيّلة. ليست هناك ذاكرة دقيقة، ثمة فقط مجموعة من الذكريات التي تحتشد أمامه، بوصفها مادة خامة لما سيكتبه، والرهان سيكون هو كيف يجعل لتلك الذكريات المشتتة خطا ناظما، أو شكلا سرديا يجعلها مرئية في منتهى الوضوح. كتب البرغوثي:” وتذكرت، وتذكرت، وتذكرت، كل حياتي هكذا: مسلسل من ” الذكريات “، وكل فكرة تقود لأخرى، تقود هي نفسها لأخرى، تقود هي نفسها لـ…ذاكرتي ليست دقيقة أبدا، وعادة ما أبدّل وأغيّر فيها، وأرمّم، وأحذف، وأبقي، وأخترع ذكريات، وهكذا. وضعت رأسي على حافة الشباك وكأنني سأغسله في الفضاء الأزرق وحاولت ألا أتذكر شيئا أبدا”. ( ص104 ).

إنّ الفكرة الأساسية التي يكشف عنها البرغوثي هي ” اختراع الذكريات”؛ بما يوحي أنّه يجمع بين متناقضين: الذاكرة والابتكار. هل يمكن ابتكار الذاكرة؟ بالنسبة للبرغوثي، هذا ما يجب أن تكون عليها السيرة الذاتية، ان تكون إعادة اكتشاف حياة مختلفة من داخل حياة سابقة. أمام مرضه وجد أنّ أفضل طريقة لاستحضار الماضي هو ابداعه، هذا يذكرنا بمقولة اختراع الأسلاف التي قالها بورخيس؛ فالكاتب الحقيقي هو الذي يخترع أسلافه من جديد.

اعتداءات اللغة:

وعى البرغوثي خطر اللغة، وطاقة الكلمات على إسالة الدماء، وإثارة الحروب. لفظة فلسطيني كلفته، وهو طفل صغير، الدخول في عراك مع أطفال آخرين ” أعني أنّ ” الفلسطيني” أول لقب لي سال منه الدم، وأدركت عندها، ولأول مرة، خطورة الكلمات”. ( ص 152)

بل أنّ الحرب الأهلية في لبنان كان من بين الأسباب التي فجرتها “الكلمات” ” كلّ طائفة لها ” اسم”، أو “لقب”، وكل طائفة تكره أي لقب أطلقته هي على غيرها، أو طلقته طوائف أخرى عليها، ولكل طائفة “كلماتها”، وطريقة لفظها للكلمات. اللغة سحر أسود.” ( ص153)

الكتابة واختراع السخرية

اكتشف البرغوثي في بعض كتابات غوغول قدرته على اختراع أوضاع مضحكة لأجل تجاوز الكآبة التي كان يمرّ بها. أدرك أن الضحك ترياق ضد الكآبة والحزن. كتابة قصة ساخرة هو اختراع لوضع مفارق يجتث الكاتب مما هو عليه. تكمن فلسفة غوغول، أنّ في داخل كل إنسان دمية. من هنا قرّر كتابة قصص تستوحي أسلوبها من العالم الساخر الذي رسم حدوده غوغول، عالم مفتوح على العبث، والهدف ان يتخلص من سريالية الوضع الذي كان يعيشه. لقد رغب في الضحك. مثل قصة الحجر.

الحياة هي أن تضع أقنعة…أن تضع قناعا يعني أن تكون غير مرئي بالنسبة للآخرين. هو موقف اتخذه البرغوثي، أن يعتزل الحياة الاجتماعية ويكتفي فقط بالبشر الاستثنائيين فقط.

يرمي إلينا البرغوثي بهاذين النصين ليقول لنا أنّ الموت هو أيضا وجهة نظر من الحياة، وأنّ الكتابة في تلك المساحة المقلصة للوجود هي طريقة لممارسة اللامبالاة التي تظل من طبيعة الإبداع المتحرر من الخوف… سيرتان مفتوحتان على أسئلة الذاكرة والهوية والذات والآخر…إلخ وهي أسئلة متفجرة تبقى بمثابة إرثه الأبدي.

 

[1] )- إدوارد سعيد، عن الأسلوب المتأخّر (موسيقى وأدب عكس التيار)، تر: فوّاز طرابلسي، دار الآداب بيروت،  ط01، 2015، صص:34 – 35.

[2] )- إدوارد سعيد، عن الأسلوب المتأخّر ، مرجع سابق، ص36.

 

[3] )- إدوارد سعيد، عن الأسلوب المتأخّر ، مرجع سابق، ص37

[4] )- المرجع السابق، ص39.

[5] )- م ن ص 40.

[6] )- يُنظر: إدوارد سعيد: أدورنو الكبنونة المتأخرة، تر: وحيد بن بوعزيز، ضمن كتاب: ثيودور أدورنو من النقد إلى الاستطيقا ( مقاربات فلسفية)، إشراف: كمال بومنير، منشورات ضفاف بيروت، دار الأمان الرباط، ط01، 2011، 144.

[7] )- المرجع السابق، ص 50

[8] )- م ن ص 52

[9] )- إدوارد سعيد: أدورنو الكينونة المتأخرة، تر: وحيد بن بوعزيز، مرجع سابق، ص155.

[10] )- مرجع سابق، ص160.

[11] )- م ن ص 164.

[12] )- توماس ترنسترومر، ذكريات تراني، تر: طلال فيصل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط01، 2015، ص61.

[13] )- ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، تر: فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد لبنان، دط، 2007، ص29

[14] )- م ن ص، 120.

[15] )- جينز بروكميير، من النهاية إلى البداية : الغائية بأثر رجعي في السيرة الذاتية، ضمن كتاب: السرد والهوية: دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة، تر: عبد المقصود عبد الكريم، المكرز القومي للترجمة القاهرة، ط01، 2015، ص409.

[16] )- جيروم برنر، صناعة الذات وصناعة العالم، المرجع نفسه، ص47.

[17] ) جميل حسين البرغوثي، بين أشجار اللوز، دار ميم للنشر الجزائر، صص09 – 10.

[18] )- م ن ص28.

[19] )- إدوارد سعيد، تأملات حول المنفى (1)، ص

*****************

 

*أستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن:

جامعة بجاية  الجزائر

 

شاهد أيضاً

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟ اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف. في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة ...