الرئيسية / أخبار ثقافيه /   د. سامي نصار* يكتب :أدين بدين الحب

  د. سامي نصار* يكتب :أدين بدين الحب

 

لست ممن يؤمنون بأن الإرهاب لا دين له، فالعلاقة بين الدين والإرهاب علاقة تلازم. والإرهاب بمعانيه كافة رمزية كانت أم مادية نابع من إيمان الفرد بفكرة أو بعقيدة إيمانا راسخا يجعله يدفع حياته ثمنا لها أو يودي بحياة الآخرين دفاعا عنها. وهذا هو لب وجوهر كل الاتجاهات المتطرفة دينية كانت أم عرقية أم لغوية أم جغرافية أم سياسية. فهناك فكرة او عقيدة يؤمن بها الفرد أو الجماعة، ويتماهون معا، فهم والفكرة سواء بسواء، ليس ثمة مسافة تفصل بينهم وبينها تتيح لهم الرؤية الشاملة، أو المراجعة، أو التفكير أو النقد، فهم وما يعتقدون سواء بسواء يدورون معه وجودا وعدما، فهو جوهر وجودهم وأساس هويتهم. ومن هنا يصبح من السهل على هذه الفئات قتل من يخالفون أفكارهم، أو التضحية بأنفسهم في سبيل بقاء الفكرة واستمرارها، فلا وجود للفكرة خارجهم ولا وجود لهم بدونها.

قد يقف المرء متحيرا أمام حادثة من حوادث الانتحار، عندما يفجر أحد  نفسه في مقهى أو حافلة أو دار عبادة، ولكن لا تلبث الحيرة أن تزول عندما نكتشف أن وراء التفجير هدفا آخر يتجاوزه ويسمو عليه – في رأي المنتحر- وهو الفكرة أو المعتقد أو الدين أو حتى الموقف السياسي أو الانتماء الوطني وهي كلها أمور يرى بعض الأفراد والتنظيمات أنها تستحق أن نزهق في سبيلها الأرواح.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل وظيفة الدين والسياسة الدمار أم الإعمار؟

علينا، كبشر، مهمة كبرى وهي أن نفكر فيا يتجاوز ما نعتقده، وأن نقرأ ما نعتقده قراءة معاكسة من مواقع الآخرين بأن نضع أنفسنا مكانهم وننظر إلى أنفسنا وإلى ما نعتقده. علينا أن نخرج من وراء المتاريس التي تحصنا بها عبر التاريخ دفاعا عن أفكار ومعتقدات اعتقدنا بصحتها وسموها على أفكار الآخرين. علينا أن نحرر أنفسنا من أوهام الكهف بكافة أنواعها. علينا أن ندير ظهورنا للمرايا التي تظهرنا بحجم أكبر من حجمنا الحقيقي.

إن الخروج من المأزق الذي وضعنا أنفسنا فيه زهاء ألف وخمسمائة عام رهن بقدرتنا على الفكاك من الأسر الابستمولوجي الذي سجنا فيه عقولنا تكوينا وإبداعا، فلا نفكر إلا به ولا نننتج شيئا إلا متبعين شروطه حتى تحول إلى أيديولوجية مهترئة تشكلت عبر التاريخ من مطامع سياسية متقاتلة وادعاءات بالسمو والرفعة، في حين أنها لا تقوى على التفاعل مع العصر ومع الآخر.

علينا أبتداع استراتيجيات وحيل ومناورات ابستمولوجية جديدة تجعلنا ننظر إلى موروثنا الثقافي نظرة نقدية عقلانية ترفض التماهي معه وتتطلع الى مستقبل الإنسانية جمعاء.

علينا أن نعلم أبناءنا أن ليس ثمة حقيقة واحدة، أوعقيدة واحدة، ولا نظرية واحدة مفسرة للكون، ولا تاريخ واحد، فالتعددية هي سر الوجود، والاختلاف هو أساس التعايش، وقبول الاخر هو ضمان البقاء، والحب هو دين الإنسانية.

على هامش المقال:

في ظهر أحد أيام مطلع السبعينيات اصطحبني صديقي وزميلي بكلية الآداب بجامعة القاهرة رمزي ميخائيل إلى كلية المعلمين بجامعة عين شمس (التربية حاليا) لنستمع إلى محاضرة للفيلسوف الدكتور مراد وهبة. وكان منطقه في هذا أننا استمعنا في جامعة القاهرة إلى عثمان أمين وزكي نجيب محمود وحسن حنفي وتوفيق الطويل ويحيي هويدي وأميرة مطر، فلابد أن نستمع إلى صوت آخر. ورغم مرور أكثر من أربعين عاما على تلك المحاضرة لا يزال عالقا بذهني تشبيهه لعلاقة البشر بالدين والإيمان بالله حيث كان يقول ما معناه علينا أن الله في أعلى علييين ، وكل منا يريد الوصول إليه، وبالتالي فكل منا ” يتخذ إلى ربه سبيلا” و على حسب قول ابن عربي ” تتعدد طرق الوصول إلى الله بتعدد أنفاس البشر”

ونمضي مع ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلاً كل صـورة
فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان
وبيتٌ لأوثان وكعبةُ طائـــفٍ
وألواح توراة ومصحفُ قرآنِ
أدين بدين الحبِّ أنّى توجهــت
ركائبه فالحبُّ ديني وإيماني

*************************

* استاذ أصول التربية -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

تعليق واحد

  1. مقال جميل دكتوري، علينا ان نحب انفسنا قبل ان نحب الاخرين، ونقبل الاختلاف في سلوك الاخرين وتصرفاتهم، فالحياة تستحق ان نعيشها بكل تناقضاتها