الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.نادية جمال الدين *تكتب:التعليم والخروج من سجن الكلمات وحصار الأفكار
د.نادية جمال الدين

د.نادية جمال الدين *تكتب:التعليم والخروج من سجن الكلمات وحصار الأفكار

متى نتوقف عن المعاد والمكرر من الذى لم تظهر له نتيجه ايجابيه حتى الان فقد تعودنا في مصر على تكرار كلمات محدده تتناول التعليم والرغبه في تحسينه او نقده فكم مره تكلمنا عن الحفظ والتلقين على انهما من افات التعليم في مصر متناسين ان الانسان الذى لا يحتفظ في ذاكرته بما مر به من احداث وتجارب ولغه وغيرها يعتبر فاقد الذاكره وان الطفل في حاله تعلمه شيئا جديدا في حاجه الى ان يسمع ويرى كى يعرف … وهذا مهم جدا في حاله تعلم اللغه وان الحواس اذا اجتمعت في عمليه التعليم يكون التعلم اكثر ثباتا اى استخدام حاسه السمع مع حاسه البصر وياحبذا لو اشتركت حواس أخرى في العمليه التعليميه مع التكرار بطرق مختلفة متقربة و متباعدة حتى تثبت المعلومة المراد توصيلها.

ونتكلم عن التعليم الفني واهميته وضرورته ولكن بالطبع لابناء الاخرين وليس لابناء المتكلم الذى يرسل أولاده الى ارقى المدارس بمصروفات وربما في افضل جامعات الخارج. والهدف من الحديث عن التعليم الفني في مصر يقتصر على التعليم الفني قبل الجامعى حصاد خمسينيات وستينيات القرن الماضى وما كان معروفا بعصر الصناعه اى التعليم قبل الجامعى المرتبط بالجوانب المهنيه في المصانع ومواقع العمل حينذاك. وننسى ان التنوع هو المطلوب فالعالم يخرج من عباءه التعليم الجامعى وحده ليتحدث عن التعليم العالى الذى يجمع الجامعات بمعناها التقليدي كمؤسسه اكاديميه تقوم بالتعليم والبحث العلمى والمعاهد العليا بعد المرحله الثانويه المتخصصه في كافه المجالات التطبيقيه اللازمه للمجتمع بكل متغيرات خاصه وان المرحله الثانويه حاليا وكما ينص الدستور هي مرحله الزاميه مما يتطلب ان تكون موحده للجميع ثم ياتى التخصيص في المجال التقنى التطبيقى بعد المرحله الثانويه حيث يتطلب التخصص حاليا قاعده اساسيه قويه من التعليم لينبنى عليها التعليم اللازم لنوعيه التخصصات التقنيه المتطوره والمتغيره في نوعه مما استوجب التعلم مدى الحياه ليكون هو الصيغه المطلوبة لهذا الزمان بكل ما ياتى به من تغيرات سريعه في جميع المجالات.

ومع كل هذا لا نجد الا من يتكلمون عن التعليم الفني بمفهوم الثوره الصناعيه والتي وضعت نهايتها في سبعينيات القرن الماضى دون محاوله للمراجعه ولا يمكن القول هنا باننا لم نتقدم بعد في الصناعه مثل الدول التي سبقتنا في التقدم والرد ان التكنولوجيا تحديدا ذات طبيعه مقتحمه لا تنتظرنا كى نفكر في استخدامها ام لا ولاحظوا التليفون المحمولومدى انتشارة وتعدد استخداماتة.

واذا كان العالم ينادى ويؤكد على اهميه الاهتمام بالثروه البشريه منذ الميلاد حيث الذكاءات المتعدده تنمو بفاعليه وسرعه في السنوات الأولى من عمر الانسان وبالتالي التأكيد على تعليم الطفوله المبكره الا اننا في مصر لا نولى هذا المرحله الاهتمام الكافى ونتركها لاجتهادات الاباء. والاهتمام بالثروه البشريه يتطلب زياده الانفاق العام على التعليم واستثماره بفاعليه وفيما خصص له على امل تحسين التعليم وتحقيق جوده التعليم للجميع ومع كل هذا لا تجد الا الهجوم الضارى على مجانيه التعليم، تلك الكلمه التي لم يعد لها ظل من الحقيقه مقارنه بما يتم بالفعل في الدول التي تهتم بامنها القومى حيث يعتبر التعليم الالزامى للجميع من واجبات الدوله الاساسيه ويمتد في بعض الدول الى التعليم الجامعى مثل فرنسا، وادعو هؤلاء الذين يتحيزون ضد المجانيه لدراسه ما يتم في دول أخرى والمخيف حقا هو ان يعتمد هؤلاء على ما ذكره السيد الرئيس في لقائه مع الشباب في اسوان من ان الخدمات لابد وان تقدم بمقابل الا انه يمكن القول هنا باننا منذ زمان طويل نتحدث عن التعليم على انه امن قومى وليس خدمه وبالاضافه الى هذا فهو استثمار في البشر والذين هم رأس المال البشرى للوطن وكذلك الصحه، فالتعليم والصحه هما من يقدمان لجيش الوطن العظيم المواطن القادر على تحمل مسئوليه وامانه الدفاع والحمايه للوطن والزود عنه وعن ابنائه فهل ننظر لجيش مصر جيش الردع والحمايه على انه خدمه … الاجابه بالنفى فالتعليم والصحه والامن هي واجبات وضروريات وليست خدمات.

ويرتبط بالمكرر والمعاد أيضا القول بربط التعليم بسوق العمل … فعن اى سوق عمل يتحدثون؟! سوق العمل في زمان العمل لا تعنى المشروعات الصغيره التي لا يربطها رابط ولا يجمعها هدف لصناعات مغذيه مطلوبه حقا للصناعه وغيرها، سوق العمل متغيره ولا يوجد مؤسسه تعد اعدادا مباشرا لعمل معين بل التعلم مدى الحياه والتدريب المستمر هما اللذان يعدان لمتطلبات سوق العمل المتغيره فى سرعة .

ولعل مما يرتبط بهذا مباشره  النقد الجارف للمناهج في زمان ما عاد المتعلم يعتمد على المدرسه والكتاب المدرسى وحدهما كمكون اساسى تقليدى لما يعرفه، كما ان المدرسه لم تعد كما كانت في خمسينيات القرن الماضى مصدر اشعاع للبيئه فوسائط المعرفه تعددت وتنوعت وأصبحت عند اطراف الأصابع وتتطلب من بين ما تتطلب قدرات ماليه ومستوى من التعليم واسره مربيه ومجتمع مساند كى يستطيع اى طفل وشاب وكبير في المجتمع من ان يتكامل تعليمه مع المدرسه ويتواصل ويستمر عبر جسور المعرفه والوسائط التي تحمل المعلومات والمعارف عبر النبضات الضوئيه … لقد تغيرت أشياء كثيره وما عاد الطفل او التلميذ يتصور – كما كان الامر- ان المعلم كاد ان يكون رسولا او انه احد مصادر المعرفه الموثوق فيها والراديو والتلفزيون والشبكه الاجتماعيه بمواقعها المتعدده تمده عبر ساعات الليل والنهار بكل ما يريد معرفته ومل لم يكن يتصور هو نفسه ان يعرفه او ان يصل اليه هذا بالاضافه الى جماعات الرفاق في النادى والشارع او الذين يلتقى بهم بصوره افتراضيه… اذا تكنولوجيا الاتصالات هزت التعليم هزات عنيفه لم تنجح المدرسه ولا مناهجها في اقناع التلاميذ بتفردها واهميتها خاصه وان المعلم ذاته تحول الى مهنى مختلف لا يتمسك باخلاقيات المهنه بقدر تمسكه بالعائد المادى من المهنه فانتقل الى مراكز الدروس الخصوصيه والى المنازل يقدم ما لديه ويصبه في اذان تلاميذ تعرف انه جاء اليهم ليمد يده وليحصل على ما قدمه خلال بضع ساعات فالهدف النهائي هو الحصول على درجات تؤهلهم للمستوى الأعلى من التعليم وليس بناء شخصيته وتحويله الى مواطن … كائن اجتماعى ينتمى لوطن يحبه ويضحى من اجله ويعمل من اجل ان يرتفع وطنه ليرتفع هو معه… تجاوزت المدرسه عن دورها الاجتماعى وانكفأت داخل اسوارها لتسجل في الأوراق ما يبرهن على انها ما تزال موجوده ولكن على الورق كمؤسسه تنسحب عنها صفه التربويه. ان الاسترسال في الكتابه يكشف اننا من حيث الفكر التعليمى والتربوى في محنه ولعل اكثر ما يثير المخاوف هو الاتجاه الى تعدد أنواع المدارس بحجه تحسينها أولا ودفع ثمن جزء او كل ثمن ما يقدم من تعليم الامل فيه انه جيد وبعد عده سنوات سوف يصبح لدينا خليط من أبناء الوطن لا يجمعهم ربما جامع اذ ان الهدف الاساسى من التعليم هو تحقيق التماسك الاجتماعى فماذا سنقول للأجيال التي نعلمها في مدارس متنوعه اللغات والمحتوى والطريقه والمستوى الاجتماعى وماذا سنقول لانفسنا عما فعلناه بالوطن ومستقبله ومستقبل من فيه؟ ان التنوع المرتبط بالقدرات الماليه والتحجج بالراسماليه العالميه وتراجع المطالبه او التوقف امام حق المواطن في التعليم الجيد وبالصوره المخالفه لكل المواثيق الدوليه…

حقا ماذا نفعل بالوطن ونحن نحدث المواطن عن مدارس النيل والمدراس الدوليه ومدارس اللغات والمدارس الخاصه وفى المقابل المدارس الصغيره ومدارس الفصل الواحد… ومدارس التعليم الفني الاعداديه، مدارس للقادرين، مدارس للمتميزين ماليا بحجه حق الانسان في شراء ما يرغب فيه من تعليم ما دام قادرا، ومدارس للفقراء غير القادرين وتعليم لا طائل من ورائه سوى الاستمرار في دوامه الفقر دون الخروج منها.

يضاف الى ما سبق استيراد انظمه او أنواع مدارس من دول أخرى تختلف ثقافتها عن ثقافتنا ونستزرعها في التربه المصريه بحجه تطوير التعليم او تحسينه بالمخالفه لاهداف التعليم الاجتماعيه والسياسيه . ان تقليد غيرنا لن يأتي بالنتيجه المرجوه فاختلاف الثقافات في حد ذاته لن يؤدى الا الى مسخ ثقافى لا هو مصري ولا هو ياباني فماذا نريد اذا؟

***************

استاذ اصول التربية -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...