الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة الحصى *تكتب :يوسف زيدان والدوغمائية فى حياتنا اليومية
الباحثة /فاطمة الحصى

فاطمة الحصى *تكتب :يوسف زيدان والدوغمائية فى حياتنا اليومية

درستُ بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة ماده تاريخ النظام التعليمى المصرى ضمن مواد الدبلومة العامة ، ، وفى إحدى المحاضرات قمتُ بعرض فكر مناهض لما كنت تدرسه لنا  د.دعاء عثمان استاذ تاريخ التربية ،حيث كان الحديث حول أهمية ما قام به محمد على والى مصر بإعتباره مؤسس مصر الحديثة، واجهت دكتورة دعاء بكتاب يناقض تماما ماكانت تدّرسه لنا حول النهضة فى عصر محمد على ؟، هذا الكتاب يحمل عنوان “ادريس أفندى ، وقد كتبه مستشرق  فرنسى يقدم فى هذا الكتاب مشاهدات ويصفها كشاهد عيان  ، مؤكدا فيه على أن النهضة الحديثة التى قام بها محمد على باشا قامت على أكتاف الفلاحين وبدماءهم ، وأن  الولاة فى تلك المرحلة آمنوا بأن الفلاح كالسمسم لابد من سحقه حتى نستخرج منه  الزيت فنستفيد منه!! .
كنت شديدة التحمس لأفكار الكتاب،ولكل كلمة قرأتها وأعيد ترديد عبارات هذا المستشرق بإيمان حقيقى وحماس شديد ، وحينما عقّبت د.دعاء على ما قمت بعرضه قالت لى  :”احترسى أثناء قراءاتك .فلا يجب أن نثق فى المستشرقين ثقة عمياء ،واجب عليك كباحثة توخى الحذروادراك أن هناك بعض الباحثين لايملكون الحيادية الكافية ،وكذلك عليك الانتباه إلى أهداف من تقرأين له “.
فى الحقيقة أن هذا الدرس كان درسا مهما بالنسبة لبدايتى كباحثة ،حيث القراءة بشغف وإيمان وثقة فى الكاتب او المؤرخ .
أذكر ذلك الان وانا أرى أبنائى  تائهون الى أقصى حد ،فكتب التاريخ تتجمل حينا وتكشر عن أنيابها أحيانا ، والمؤرخين يتلاعبون ،فهذا يمدح الزعيم جمال عبد الناصر ،وذاك يسبه ويحمله ذنب ما جرى لمصر فى السنوات اللاحقة عليه ..
وهذا يتفاخر بالسادات ويضع صوره وكلماته فى كل كتاباته ،ويصفه برجل الحرب والسلام ،وذاك يسبه بأقذع السباب ،ويصفه بملك الانفتاح الذى قضى على القيم والمبادئ .
حتى نصرإكتوبرالمجيد يعتبره البعض انتصار علينا التفاخر به مدى العمر ،فى حين يدعى  اخر أنه وهم كبير ودلالة ذلك من وجهة نظرهم هو ما حدث فى أعقابه من تدهورللمجتمع المصرى ،الرئيس السابق محمد حسنى مبارك انقسم عليه المؤرخون والعامه فهذا يصفه برجل السلام وحكيم العرب ،وذاك يصفه بأنه مؤسس دولة الفساد الخ …
ولم ينج من ذلك الانقسام أحد حتى كبار الكتاب والمفكريين ،فها هو محمد حسنين هيكل اذا ما تأملنا حياته سنجد أن هناك من اتهمه بالجاسوسية والتزوير ،وعلى الجانب الاخر هناك من يعتقد أنه مثال للصحفى الامين والمؤرخ المنصف !
على مستوى جوائز نوبل هناك من اعتقد أن نجيب محفوظ افضل من يحصل على الجائزه فى الأدب بعبقريته فى الكتابه والسرد وتغلغله فى المحلية المصرية التى وصف بها الأزقة وشوارع مصر الخ وهناك من يستكثر عليه ذلك !
كذلك الحال بالنسبة للعالم المصرى الوحيد الذى فاز بالجائزة فى المجال الكيمياء د.أحمد زويل الذى أدخلوه الى مثل هذه المهاترات ،ونجد إناس لا يفقهون فى الفيزياء أو الكيمياء شيئا يدلون بدلوهم فى تصنيف  العالم  المصرى !
ووصل بنا حال الاستقطاب والمزايدة الى حد وصم شخص بالجاسوسية وآخر بالوطنية ،هكذا بلا أدنى تردد !ولم يقف الامر عند ذلك بل امتد الى تكفير السنة لصالح الشيعه والعكس أيضا  !
وهاهو الباحث المصرى يوسف زيدان يلقى بحجره أيضا  فيصف الناصر صلاح الدين فى حروف لا تقترب من حروف الباحث العلمى فى شئ واصفا اياه بصفات اعتبرها البعض تخريب لشخصية مثالية فى المجتمعات العربية ، مما أثار حفيظة البعض فخرج علينا من يوجه له السباب ويصفه بالخيانة وبتدمير المثل العليا للمجتمعات الخ ..
ألم يتحول الامر الى ممارسة للعنصرية الفجة والدوغمائية التى وصفها المفكر الجزائرى محمد أركون بكونها التعصب لفكرة معينة واعتبارها هى الحقيقة المطلقة دون قبول النقاش حولها !
إننا بالمجتمعات العربية  نما رس الدوغمائية فى حياتنا اليومية وبشكل مكثف .فإلى متى سنظل سجناء أفكارنا عابدين لها مخلصين ؟
ولماذا لا تتسم العقول فى المجتمعات العربية بالمرونة وبقبول الرأى والرأى الآخر .لم لا نواجه اراء بعضنا بالبعض بالعودة الى القراءة ودحض الفكرة بالفكرة والمناظرة .
تساؤلات ستظل لا تبرح مكانها حتى ينقذنا التعليم النقدى البناء والتأسيس للمنهج العلمى واتقان مناهج البحث الحديثة منذ نعومة الأظفار .والى ذلك الحين سنظل نمارس الدوغمائية فى حياتنا اليومية بكل ايمان وتعصب .

*****

*باحثة من مصر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...