الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عبد الله سليمان * يكتب:الحب والإدمان
د.عبد الله سليمان

د.عبد الله سليمان * يكتب:الحب والإدمان

هل يمكن أن يكون الحب إدماناً ، كإدمان الكحول والمخدرات والطعام أو أى شئ لا يستطيع الإنسان ان يمتنع  عن تعاطيه؟ ستدهش وتنكر هذا السؤال . هل يعقل أن يكون الحب إدماناً ؟ الحب ينمى ويبهج. الحب يبنى وينتج . ولو أستدعينا مفهوم الحب الناضج لوجدنا انه أبعد ما يكون عن الإدمان . لنقرأ تعريف أشلى مونتاجيو للحب حيث يقول “الحب علاقة بين أفراد تسهم فى رفاهية ونمو كل منهم” ،كما يعرف النفسانى رولوماى الحب بإنه “بهجة فى وجود الشخص الآخر، وتأكيد لقيمته ونموه،بقدر تأكيد (المحب) لقيمته ونموه هو”. ومن ثم تكون  نتيجة هذا الحب الإنتاج والنمو لكلا الطرفين كل منهما يعمل على تدعيم الطرف الآخر وتنميته.
إذا كان الحب  هو النماء والإنتاج ، والبهجة والقيمة ، أيمكن أن يكون إدماناً ؟
الصحيح هو ان الحب يخلو من الأنانية؛ من أنانية أحد أطرافه، أو من أنانية طرفيه ،التى وصفها د.ه.لورنس فى روايته “نساء فى حالة حب”أما فى الحب الإدمانى ،فإن المحب  والمحبوب – أحدهما أو كليهما – يكون متأخراً فى النمو،أجوفاً كقوقعة خالية ، ربما جميلة المنظر فى الخارج لكن لايوجد فى داخلها شئ، أو داخلها عنكبوت أو تراب؛عقد نفسية  وإضطرابات. مدمن الحب  هو كنبات متسلق، لايشعر بوجوده الإ من خلال من  يعتمد عليه، وإلا سقطت قطعه الخشب التى يستند اليها.
ويمكن أن نتعرف على  العلاقة بين الحب والإدمان. إذا عرفنا طبيعة الحب  الصحيح الناضج. وربما كان إريك فروم من أكثر من  توصل إلى ذلك فى كتابة الكلاسيكى”فن الحب” ، وفى إشارت عدة فى كتبه الآخرى.ويرى فروم أن جوهر الحب يكمن  فى وعى الإنسان بذاته، وأنه منفصل عن الطبيعة والآخرين، وأن قوته محدودة وأنه  يتميز  بالعجز أمام قوى الطبيعة، ومن ثم فهو يعيش سجين شعور قاتل بالوحدة لذلك لابد من  أن  يتغلب على   أسوار سجنه،ويحطم جدران قوقعته،إذا أراد الحياة  والنمو.
كيف يحقق الإنسان ذلك؟ يخرج الإنسان من أسوار سجنه ويحطم قوقعته بأن يصل إلى  الآخر والطبيعة،ويندمج معهم بشرط  الحفاظ على تكامله وتكامل  الآخر. والحب هو أكثر ما يناضل الإنسان من أجله،هو ليس عاطفة سلبية،بل هو عمل نشط، هو الإنشغال النشط بمن نحب،وأهم مايتميز به المحب الناضج ، هو العطاء والرعاية هو الوقوف فى الحب ،وليس الوقوع فيه.
وقد يتصور البعض أن “العطاء”هو “التخلى” عن شئ ما، هو الحرمان منه والتضحية به.
مثل هذا التصور يوجد لدى الشخص الذى  توقفت شخصيته عند الأخذ والإستغلال والإكتناز. لكن العطاء بأخذ معنى مختلفاً لدى الشخص المنتج الذى أستطاع أن يكتب خصائص الشخصية المنتجة،إذ يتطور إلى منابع لا تنضب،العطاء يكون  فيه تعبيراً عن قوة الشخص وفاعليته،كلما أعطى انتج ويستمر عطاءه. محبان أومحبون كل منهم يعطى وينتج ويبدع.
هذه هى  الصورة الصحيحة للحب المنتج. وإذا ما إكتسبها الأفراد كانت وقاية لهم من الإضطراب والإكتئاب والتدهور،بل ومن الإدمان.لكن هناك صوراً خرافية للحب المزعوم الطفيلى مثل المازوكية(الخضوع ، والسادية (التسلطية)، وكما أوضح فروم   كل منهما يحتاج للآخر، كل منهما يتمسك بالآخر،لكن مشاعر الإضطراب والإكتئاب والتعاسة والتهور لا تخفى  عند أى منهما
وماذا عن  الإدمان؟ لكى نفهم العلاقة بين الحب والإدمان، يجب أن نبحث عن  تصور صحح للإدمان. لقد شاع ربط الإدمان بالعقاقير،لكننا ننسى أن الإنسان يمكن أن يدمن أى شئ يشبع حاجة من حاجاته مادية كانت أم نفسية مثل الطعام أو لعب الورق أو المقامرة أو الجنس. ويوضح البحث العلمى أن الإدمان هو حالة نفسية داخلية،وليس بالضرورة تعاطى شئ معين. فالأفراد يستجيبون لتعاطى العقاقير القوية،بل حتى لجرعات منتظمة منها، بطرق مختلفة.وفى نفس الوقت يستجيبون لانواع مختلفة من العقاقير والخبرات بالعوامل الشخصية والخلفيات الثقافية،وتصورات الأفراد وشعورهم نحو هذه العقاقير والخبرات.
وفى هذا الإطار  يقدم لنا ستانتون بيل تعريفاً للإدمان بأنه”يوجد حينما يكون تعلق الشخص بإحساس أو موضوع أو بشخص آخر بحيث يقلل من تقديره لذاته أو قدرته على التعامل مع أشياء آخرى فى بيئته أو فى ذاته، ومن ثم يصبح منفتحاً بإزدياد على هذه الخبرة بإعتبارها مصدره الوحيد للإشباع.”ويكون الفرد عرضة للإدمان بقدر ما يكون غير قادر على تكوين علاقات ذات معنى مع بيئته ككل. وفى هذه الحالة يكون قابلا لان يستغرق بدون تفكير فى شئ خارج  ذاته،حتى  يدمن عليه،وتنمو قابليته للإستغراق مع كل تعرض جديد لموضوع  إدمانه
بدأ ستانتون بيل يكتب عن الإدمان حينما لاحظ النتائج المدمرة سيكولوجيا وأخلاقياً لكثير  من علاقات الحب،ووجد أن إدمان العلاقات الإنسانية له آثار بعيدة المدى، وأكثر خطراً من إدمان الموضوعات الآخرى،لان البيئة الإنسانية أهم للإنسان من غيرها من الموضوعات وفى مقابل ذلك عملت علاقات الحب الناضجة على تنمية المحبين المحبوبين،لان كلا منهم يعمل على تنمية الآخر وتدعيمه.
وإذا كانت علاقات الحب الإدمانية تعمل على تخريب المشاركين فيها، يصبح من الضرورى فهم  هذه العلاقات، ما الذى  يؤدى  إلى تكوينها، ومن  هم  الأفراد الذين  يقعون فيها،وذلك حتى   نتمكن من التحكم فى هذه العلاقات،والعمل على  الوقاية  منها.
ونلاحظ أن قصص الحب الناضجة بداها وطورها أفراد أسوياء،يتمتعون بصحة نفسية عاليية، لهم أهداف إيجابية  وطموحات يعملون على تحقيقها.لذلك لم يكن الحب إدماناً،وإنما كان شعوراً بقيمة الآخر،والمودة نحوه،والعمل على تدعيمه.وبالرغم من أن المحبين الناضجين يرتبطان  ببعض بقوة،الإ أن كلا منهما يدرك الآخر بإعتباره إنساناً مستقلاً،له كيانه الخاص، ومن ثم يقدر حاجة المحب إلى  محبوبه،إلا إنه يرى  أن من حق المحبوب ان يكون له خصوصياته وإستقلاليته،فالحب الناضج ليس إستعماراً للآخر وتسلطاً عليه.
ماالذى يميز المحب  الأصيل عن المحب المدمن .المحب الأصيل هو الذى  يحب من  موقع القوة وليس من موقع الضعف،هو الذى يقف شامخاً فى الحب ولايقع فيه.يتميز المحب الحقيقى بقوة”الأنا”،قوة  ذاته،وثقة فى النفس،وإيمان بمهاراته وقدراته. ويكتسب المحب الحقيقى هذه الخصائص من خلال تنشئة أسرية وإجتماعية تعمل على  تحقيق ذاته ،تهيئ له الفرص كى يكتشف إمكانياته وقدراته،وتساعده على تفعليها وتنميتها. ومن ثم  فإن المحب الأصيل،إذا أحب شخصاً،أحب فيه ذاتاً ، أى نفساً تتميز بخصائص معينة ،بقدرها ويعمل على تنميتها
مثال لإدمان الحب
توضح قصة حب سكوت فتزجيرالد الكاتب الروائى الأمريكى لشيلاجراهام كاتبة العمود الإنجليزية المهاجرة إلى الولايات المتحدة كيف يتحول الحب إلى إدمان وتقع القصة فى ثلاثينيات  القرن الماضى. ولد سكوت فتزجيرالد فى عام 1896فى سانت بول بولاية منيسوتا،بعد إتمام تعليمه العام التحق بجامعة  برنستون،لكن لم يستمر لإنشغاله بالأدب وكتابة المقالات،ثم التحق بالجيش لكن الحرب العالمية الأولى إنتهت دون أن يشارك فيها،فالتحق بوظيفة  فى شركة  للإعلانات،وإنشغل بكتابة رواتيه الأولى “اهذا لجانب من الفردوس”،ولكنها رُفضت مرتين حين قدمها لدار نشر سكرينر،ثم تقبل بعد ذلك،وقبلت زيلدا عرضه للزواج بعد أن رفضته مرتين،وعاش سكوت مع  زيلدا حياة أفضل للبحث عن اللذة المتعة .ويحكى أنه كان يقفز مع زوجته إلى وسط النافورة ليمرحاً فى مائها المندفع،كما كانا يركبا فوق مقدمة السيارة  التى  تجوب بهما شوارع نيويورك.كان سكوت يعتبر رمزا لشباب عصر الجاز الثائرين على كل شئ  ، على  الملبس وتسريحة الشعر ، وكل الأساليب التى  كانت  تعتبر  تقاليدا يجب إحترامها،شباب الفلايرو المترفين.وهكذا أستمرت حياة سكوت وزيلدا ،وأنجبا ابنتهما “سكوتى”،وإستمرت حياتهما فى صعود وهبوط إلى أن أصيبت زيلدا بإنهيار عصبى أدى إلى إدخلها مصحة للأمراض العقلية.عندئذ شعرسكوت أن أهداف حياته لم تتحقق وأن طاقاته الروحية والوجدانية قد أستنفذت.فطوال حياته كان يحاول أن يكتسب مكانه فى عالم الأدب والحياة الإجتماعية،ولكنه لم يحقق ذلك وإستمرت حياته بين الترحال وشرب الخمر والإنقطاع  عن العمل،والشعور بالندم والعودة إلى الشراب وفى نهاية العشرينات(من القرن العشرين) بدأ الخواء يفرض ضريبة عالية عليه. وكان سكوت بجانب إنهيار زيلدا يعانى  من إنهيارات عقلية وجسمية  وفترات صاخبة من تعاطى الكحول ووضع مالى غير مستقر . وفى عام 1934 أكمل روايته”عذوبة الليل” لم تلق ترحيباً،مما أدى  إلى إهتزاز ثقته بنفسه وأزداد تعاطيه للكحول إلى حد لايمكن التحكم فيه.وكان يشعر أن  كل شئ فى حياته يتآمر عليه ويسلبه السلام والأمن النفسى،وكان يقول “اعرف أنى فى الأصل أفتقر لكل شئ أساسى .وفى الأزمة الأخيرة لم يكن لدي شجاعة حقيقية ولا مثابرة ،ولا إحترام للذات”
فى عام 1937 إنتقل إلى هوليود لكى يعمل فى كتابة  النصوص السينمائية،تاركاً زيلدا فى  مصحة فى  كارولينا الشمالية دون أن يهجرها. وفى شهر يوليو من هذا العام  قابل  شيلا جراهام كاتبة عمود فى الحياة السينمائية ،كانت  دعمه لأخر حياته ، وعملت  على أن يستمر فى العمل ككاتب  سينمائى . واخذ سكوت يعمل فى كتابة السيناريو لبعض الأفلام . وبالرغم  من أن  حب شيلا له كان إنقاذاً لروح مضطربة عاصفة،إلا أن العلاقة كما وصفتها  هى فى كتابها “محبوبى الخائن” وهو عنوان قصيدة كتبها لها سكوت، تشكل  صورة من الحميمية الإنسانية المضطربة والإدمانية التى  يمكن تتشكل  حينما  تدور حول حياة مضطربة
تقول شيلا إنه لم يمتنع  عن العقاقير فى الفترة  التى حاول  فيها أن يمتنع عن تعاطى الكحول.كان يعتمد  على المسكنات كى ينام والمنشطات كى يستيقظ ، ولكن مسكناته ومنشطاته الرئيسية كانت الحب.وبالرغم من تعلقه بزيلدا،الإ إنه عبرعن التصاقه اليائس بإمراءة واحدة.ذلك أنه وقد خبا  حماسه للحياة،قد اخذ يضع حياته كلها فى إمرأة واحدة،وطلب منها نفس التضحيات.
فى بداية عام 1937 تقول شيلا أنهما أصبحا منعزلين تماماً فى هليوود،وحضرت مناسبات قليلة حتى تكون معه.ودفعت نقوداً لزميل كى يغطى أحداثاً حتى  تكتب عمودها. ونادراً ما خرجا، يكفى  ان يكونا معاً،وحينما لم يكونا معاً،كانت لا تمر ساعة  دون أن يشعرها بوجوده، وكان يهاتفها خمس أوست مرات خلال اليوم كانت تريد الذهاب إلى نيويورك لأمر يتصل بعملها. أحتج سكوت بشدة على ذلك:ماذا تريدين من هناك من الذين سترينهم .الناس هناك غير حقيقين . مالذى تريدينه .. تريدين الحب، وقد وجدتيه ، انا أحبك وأفهمك ،أنا  لك.
كان فترجيرالد يحاول دائماً ان يعزلها عن أصدقائها . كانت  أفضل صديقة لها قادمة إلى هوليود لتعمل وقد وعدتها شيلا أن تنتظرها فى المطار وتقيم معها فى شقتها بعض الوقت لكن  سكوت – دون ان يخبر شيلا – عمل على تأجير شقة للصديقه وترك لها  المفتاح ، وأصر على  أن يغادر هو وشيلا هوليود خلال الفترة التى تصل فيها الصديقة وتقول شيلا التى إضطرت على أن تغادر معه ” لقد فعل هذا لأعز صديقه   لى، حرمنى  من أن أهتم  بها ” وفى مناسبة أخرى كان رئيس شيلا فى العمل الذى يقيم فى نيويورك سيصل إلى لوس انجلس فى عطلة نهاية الأسبوع . صار سكوت متوتراً قلقاً من أن تراه شيلا التى قالت لسكوت إنها  يجب أن تراه ، ولم تتحمل شيلا أن تراه فى هذه الحالة . فقامت بدخول المستشفى لاجراء عملية جراحية قال  لها الطبيب إنها يمكن  أن تجرى   فى أى وقت ، وتركت لرئيسها فى العمل  خطاب  إعتذار .
كانت علاقة حب سكوت لشيلا تتسم بالتحكم والتسلط ، فقد كان ينظم حياته كما يشاء  هو: جدول أعماله ، سفره للشرق ليزور زيلدا  وكان ينكر على شيلا اى إتصال مع اى إنسان ، فى إطار العمل  أو الصداقة يظن  انه يمكن أن يستحوذ على بعض من إهتمام شيلا .هل يمثل هذا تسلط الرجل على المرأة . قد  يعتبر البعض هنا إدمان الحب خاصية للرجل، فهو  الذى كان يرفض ان تبتعد عنه شيلا أو يكون لها  علاقة بأى إنسان  آخر غيره وهو الذى   كانت  تظهر عليه اعراض  الإنسحاب  بقوة  حينما  كان يفتقد موضوع إنسحابه  ، علاقته مع شيلا .مثال لذلك  حينما قطعت شيلا  علاقتها معه خلال فترة من فترات إغراقه فى تعاطى  الكحول. وقد إستطاع أن   يعيد علاقته معها فى النهاية،ولكن بعد ان قام  بعدة محاولات غير ذات جدوى تكشف عن يأسه : فقد كان يهاتفها طوال الليل يهدد بان يقتلها .وكان أكثر  أفعاله الكريهة ان  أرسل تلغرافاً إلى  رئيسها فى العمل يخبره انها منعت  من التعامل مع كل  أستديوهات لوس إنجلس ،وأنه يجب أن يعيدها إلى بلدها (إنجلترا).
وقد يظن ان سكوت أدمن حب شيلا، ولم يكن يقبل أن يكون لها إتصال بغيره أو أن تركز على عمل بعيد عنه، بينما هى لم تكن تدمن اى شئ آخر وكانت تقوم بعملها بشكل فعال .ولكن إريك فروم يفسر لنا علاقتها : بعلاقة الإستحواذ والخضوع فى الحب إذ يقول أن الشخص السادى يعتمد على  الشخص الخاضع   كما   يعتمد الخاضع على  السادى ،فلا أحد  منهما يستطيع أن يعيش بعيداً عن الآخر.والفرق فقط هو أن السادى يأمر  ويستغل ويؤذى ، ويقلل من شأن المازوكى الذى  يؤمر ويستغل ويؤذى ويقلل من شأنه . هكذا عاش سكوت  مع شيلا  حياة  مضطربة  إنتهت بموته عام 1940، وعاشت شيلا  بعده وعملت وتزوجت وأنجبت . ولقد  شاهدتها  فى برنامج تليفزيونى   فى الستينيات حين كنت أدرس فى جامعة منيسوتا، ذات جمال أخاذ وشخصية متماسكة.
هل يمكن أن  يتجنب   الشباب  الحب الإدمانى ؟ هل يمكن أن يتحقق للشباب الحب الناضج الذى يصفه إريك فورم في كتابه الكلاسيكى”فن الحب”بأنه “إتحاد تحت  شروط المحافظة على تكامل الآخر وفرديته” والذى يتطلب “حال من الشدة واليقظة والحيوية المعززة والتى يمكن فقط  أن تكون نتيجة توجه إنتاجى ونشط فى مجالات كثيرة من الحياة” وهذا يسمح للمحب أن  يعبروا عن إنشغال إيجابى  بحياة  ونمو  ذلك الذى تحبه”
الواقع أن تنمية الحب  الناضج والوقابة من الحب الإدمانى تبدأ منذ مولد الطفل. فى البداية تتكون علاقة الحب بين الطفل والأم،ثم تتسع لتشمل الأب وآخرين من الراشدين الذين يقدمون للطفل الرعاية والإهتمام.وعبر نمو  الطفل يجب أن تؤكد الأسرة على مفهوم صحيح للحب يقوم على التبادل والرعاية ونشجع الطفل على أن يحب كل فرد فى الأسرة ، بل إن كل فرد  فى الأسرة يتجه بسلوكه نحو الطفل بالحب والمودة.والحق أن الجميع يحتاجون أن يتصرفوا  على أساس من “نظرية الحب”تبادلياً مع الطفل .فالحب ظاهرة معقدة،لكن العلم والفلسفة إستطاعا أن يتعرفا على عناصرها ليسلك الناس طبقاً لها فمن التوجهات التنظرية الإجرائية ما توصل إليه إريك فروم من  أن من يحب أحداً يسلك نحوه  بما   يقتضى  برعايته والإنشغال به، والتصرف نحوه بالمسئولية والإحترام والمعرفة.
والرعاية تعنى  العمل النشط من أجل  حياة المحبوب وتنميته:تغذيته مادياً ونفسياً،وعقلياً ووجدانياً وسلوكياً. والمسئولية تعنى الإستجابة لحاجات الطفل التى يعمل إشباعها على نمو الطفل  وإثرائه. ودعم المسؤولية العنصر الثالث للحب الإحترام. والإحترام يعنى  أن ننظر إلى الطفل كما هو لا كما نحب ان يكون. ونعمل على أن ينمو وتتفتح إمكاناته   كما هى.لكن ليس  من السهل إحترام   الآخر دون معرفته (العنصر الرابع للحب). والمعرفة التى  تنير الطريق إلى حب الآخر(إحترامه ورعايته،والتعامل معه بمسئولية ) هى المعرفة التى لا تقف عند السطح بل تتجه إلى جوهر الإنسان ؛جوهر الآخر.فاذا ظهر على سطح محبوبى أنه غاضب أستطيع  أن اعرف  أنه محبط ويشعر بالعزلة ويجد العالم من حوله وقد بدأت أركانه تتداعى. معرفة جوهر الإنسان تمكننا بأن نرعاه كما يجب  وكما  يحب هو،ونستجيب  لاحتياجاته الحقيقة ،والتعامل معه كما يحب هو لا كما نحب نحن ان يكون
المبدأ الثانى للوقاية  من الإدمان هو ان   يحب الإنسان  نفسه حبا ناضجاً مستهدياً بعناصر الحب السابقة ،وحب الإنسان  لنفسه يمنحه الأمن والثقة  وبذل  الجهد  فى الإنتاج والإبتكار،يقيه من أى تداعيات إدمانية.
والحب ليس مجرد علاقة بشخص دون آخر.وإنما هو إتجاه،توجه فى الشخصية يحدد إرتباط الإنسان بالعالم ككل،وليس بشخص واحد فقط.إنه حب الناس جميعاً.إذا تبنى الإنسان هذا الإتجاه نحو الحب،أصبح من الصعب أن يستحوذ عليه حب شخص واحد ويغلق عالمه عن التفاعل مع الآخرين.

***********

*استاذعلم النفس الإرشادى-جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...