الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمة الحصي *تكتب : ثقافة المقاومة عند محمد أركون

د.فاطمة الحصي *تكتب : ثقافة المقاومة عند محمد أركون

 

 

المفكر الجزائرى محمد أركون

المفكر الجزائرى محمد أكون مفكر أصيل انشغل بالمجتمعات العربية والإسلامية ، وكان همه الأول هو  إخراج الشعوب العربية والإسلامية  من السياجات الدوغمائية التى سُجنت بها .

وامن أجل الوصول الى هذا الهدف والخروج من هذا الهم ،سلك محمد أركون الطرق الوعرة ،ولم ينل الرضا لا من العالم العربى الإسلامى ولا من العالم الغربى ، ويمكن أن نصف هذه الطرق التى سلكها بال “مقاومة ثقافية “ولكنها من نوع أركونى يتميز بالسعى إلى التغيير الجذرى واعادة قراءة التراث بأدوات ومناهج بحث حديثة ومعاصرة ، وتستعرض هذه الورقة المقاومة الثقافية لدى المفكر الجزائرى محمد أركون  من خلال العناصر الأساسية :

اولا -حول معنى المقاومة الثقافية.

ثانيا – حول المفكر الجزائرى محمد أركون

ثالثا- تجليات ثقافة المقاومة عند محمد أركون وتنقسم الى المحاور التالية :
1- المحور الأول: نقد العقل الغربي مقسما إلى نقاط:نقده للاستشراق الكلاسيكي وازدواجية المستشرقين.نقد الدراسات الإسلامية في أوروبا.نقد العلمانية  والحداثة والمنهج البنيوي.عزلة أركون بعد مقال سلمان رشدي
2- المحور الثاني نقد العقل الإسلامي مقسما الى :نقد المجتمع العربي بعد التحرر من الاستعمار.نقد المثقف العربي.معاناة أركون مع رجال الدين الإسلامي.

 

أولا- حول معنى المقاومة الثقافية

ثقافة المقاومة لا تكون بإعلان الحرب وحمل السلاح ضد جبهة ما.. المقاومة هي أن تسير عكس التيار السائد.. أن تقول لا حين تسود كلمة نعم، يكفيك أن ترفض الخضوع للعادات والتقاليد السائدة حتى تصبح مقاوما ثقافيا! يكفيك أن تحمل قلمك وتكتب لمحاربة السلطة، أي سلطة كانت، سلطة سياسية كرئيس الدولة ومن يتولى الحكم من أولى الأمر السياسي، سلطة اجتماعية كأن تكون ابنا أو بنتا لأب متسلط، سلطة اقتصادية حينما لا تملك قوت يومك وتصبح ذليلا للآخر الذي يتملك الاقتصاد، سلطة ثقافية تلك التي تهيمن على عقلك وفكرك سواء كان ذلك بالدين أو بالعلم، يكفيك أن تقول لا وتقف في وجه أيا من تلك السلطات “وغيرها كثير” حتى تصبح مقاوما ثقافيا.. فمن منا نحن أبناء المجتمعات النامية، أبناء الثقافة العربية والإسلامية لا يجد في نفسه تلك  ثقافة المقاومة ، ولو لحظة مر بها اتخذ فيها موقفا رافضا للسائد والمفروض؟! جميعنا نقف بين قوسين أو أدنى من ثقافة المقاومة ، جميعنا مررنا بتلك التجربة، البعض استكمل المسيرة، والبعض تراجع عنها، وهناك من ظل دائما على حافة المقاومة بمعنى أنه لم يلق بنفسه فيها بعد!!ومجالات الهيمنة ليست قاصرة على احتلال الدول لبعضها البعض، هناك أيضا الهيمنة بين الأفكار، دائما ما يوجد فكر معين يحاول الهيمنة على فكر آخر، هناك فكر يحاول إبادة فكر آخر. ومجالات الهيمنة مختلفة.ولهذا ترى الدراسة التى بين أيدينا ان المفكر الجزائري محمد أركون كان مقاوما ثقافيا من الطراز الرفيع.و علينا الاعتراف أنه ليس من السهل أن يكتب الباحث عن المفكر الجزائري محمد أركون فالرجل قيمة وقامة عملاقة.. ومن الصعب أن نصل إلى أعماق فكره إلا بعد سنوات وسنوات من الحفر والدراسة المعمقة  لكتاباته . يتفق العديد من دارسي أركون على جملة من المميزات الخاصة بمشروعه الفكري لاسيما الجرأة، والجدة، والحداثة، صعوبة التطبيق ..فقد ألقى الرجل على عاتقه مهمة صعبة للغاية هي مهمة قراءة التراث الإسلامي الظاهر والباطن قراءة علمية نقدية().وصفه المفكر حسن حنفي “الغرب انتظر منه مفكراً غربياً انسلخ عن تراثه، لكنه اكتشف فيه محاوراً ندياً له ينقد الذات كما ينقد الغير فيما يسميه عبد الكبير الخطيبي (النقد المزدوج)، فريد” في بحثه، أصيل” في منهجه، قاس في نتائجه، بين بحثه والبحوث الأخرى فرق نوعي، يريد إبلاغ رسالة، يستعمل مقولات جديدة معروفة في علم اللسانيات والعلوم الإنسانية، يفكك الخطاب العربي عبر التاريخ(.. تحلى أركون بجرأة معرفية شهد له بها الجميع، أظهر ما تكون في اقتحامه الشجاع للمناطق الممنوعة عن التفكير وفتحها أمام المساءلة النقدية والبحث العلمي().أن ما يميز فكر أركون مجاوزته الدائمة للحدود، حدود الفكر العربي والغربي معاً إنه يكتب في ما يشبه شاطئا litteral حيث لا حدود تفصل بين المجالات الفكرية فالشاطئ هو مكان اللقاء وفي الوقت نفسه هو مكان الافتراق بين البر والبحر().عاش أركون غريباً، مناضلاً، متمرداً، باحثاً عن اليقين تاركاً عشرات البحوث والدراسات والكتب باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية بالإضافة إلى أعماله المترجمة إلى اللغات الأخرى كالألمانية والهولندية والأندونيسية().لقد رأى هاشم صالح أن محمد أركون ظل صاحب مشروع واسع وطموح، لكن لابد أيضاً من إضافة صفة أخرى تميز بها أركون وهي أنه صاحب شخصية عنيدة إلى أقصى درجة، فمن ذا الذي يستطيع مقاومة الغرب في عقر دارهم، هذا الرجل ناطح مفكرى الحداثة وما بعد الحداثة، وصرح بذلك في كل كتاباته، كما هاجم المستشرقون في عقر دارهم…”فهو ناقد جريء للخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر وبنفس الدرجة من الشدة والجرأة هو ناقد للرؤية الاستشراقية المُشكَلة عن التراث الإسلامي”().يقول أركون: (أريد أن أنتقد التراث الديني، وتراث الحداثة الغربية في آن معاً، وأريد أن أتوصل إلى عقل جديد واسع يتجاوز الاثنين معاً) هذه إذن إستراتيجية المقاومة عند أركون.تقوم هذه الاستراتيجية على نقد الأنا والآخر، فهو ناقد للفكر الغربي مثلما هو ناقد للفكر الإسلامي. وقد صرح أركون بموقفه كباحث ومفكر لا يحيد عن مواقفه أيا تكن الضغوط والتحديات قائلاً: (انتقاداتي للغرب وحضارته تظل جزئية ولا تضحي بانجازاته) يضاف إلى ذلك أن نقدي للعقل الإسلامي يبرهن على موقفي المتوازن ومحاولتي أن أكون عادلاً، فإذا أساء هذا الطرف قلتُ أساء، وإذا أحسن قلتُ أحسن) ((لم يختر أركون السبيل السهل الذي سلكه غيره من الباحثين في اجتناب الخوض في ما لا ينبغي الخوض فيه من محرمات، ولم يتملق مشاعر الجمهور ليكسبهم، ولم يسكت عن الخطأ كلما رآه… ودفع ثمن جرأته وصدقه مع النفس حصاراً وتحريضاً وعزلاً، لكنه ما آيس و لا هان ولا سلم صاغراً من خوف، وسعى وراء السلامة، 60 عاما من عمره في خدمة الفكر والثقافة().

هذا الحديث يعكس لُب ثقافة المقاومة لدى محمد أركون ونحن هنا في هذه الورقة نؤكد على أن  ثقافة المقاومة لدى محمد أركون قد اتخذت إستراتيجية الصراع ضد جبهتين جبهة الأنا والآخر فلقد كان ناقداً للفكر الغربي مثلما هو ناقد للفكر الإسلامي.. وقد أكد أركون في أكثر  من موضع في كتبه المختلفة على أنه بالرغم من انتقاده للأصالة والأيديولوجيا الرسمية للخطاب الوطني والإسلامي والعروبي في الجزائر والغرب منذ 1960 – 1970 إلا أنه كان معزولاً جداً حتى بين المستشرقين الهامين من أمثال جاك بيرك) ولم يحظ بمكانته في حياته كأحد علماء الغرب وأتهم بالأصولية ووجه إليه ألبير ميمي إتهام بأنه يريد تقويض العلمانية وأنه يتواطأ مع كردينال باريس لإعادة إدخال التعليم الديني إلى المدارس العامة بفرنسا!! ()-

كل هذا جعل من محمد أركون في رأيي مقاوماً ثقافياً من الوزن الثقيل فليس من السهل على أي إنسان مواجهة كم الرفض الذي واجهه أركون وكم الاتهامات، بعضها من قِبل المجتمعات الإسلامية بالإلحاد والرغبة في القضاء على الإسلام وأيضاً من قِبل المجتمعات الغربية واتهامها له بالأصولية والرغبة في إعادة الدين إلى الواجهة…تجليات  ثقافة المقاومة عند أركونهكذا إذن سوف نلقي الضوء على تجليات ثقافة المقاومة التى نستلهمها من كتابات محمد أركون في كلا الجبهتين العربية الإسلامية و الغربية…وسوف أتناول ثقافة المقاومة عند محمد أركون في المحورين الأساسيين التاليين:-المحور الأول: نقد العقل الغربي مقسما إلى نقاط:نقده للاستشراق الكلاسيكي وازدواجية المستشرقيننقد الدراسات الإسلامية في أوربانقد العلمانية  والحداثة والمنهج البنيويعزلة أركون بعد مقال سلمان رشديالمحور الثاني نقد العقل الإسلامي مقسما الى :    – نقد المجتمع العربي بعد التحرر من الاستعمار. -نقد المثقف العربي – معاناة أركون مع رجال الدين الإسلامي

 

أولا . اركون ونقد العقل الغربي وجه أركون ضربات نقدية عديدة للمقارنة الاستشراقية الحديثة، سواء بشكل مباشرة أو غير مباشر متهماً إياها بالانتهازية والتسرع وعدم موضعة الأمور ضمن منظور “المدة الطويلة” للتاريخ، كما أسهمتا الإيستمولوجية عندما ترفض الانخراط أكثر في الموضوع المدروس واكتفاءها بالمنهجية الوصفية والسردية الباردة التي لا تمس إلا القشور، وكان رأي أركون أنه لكي نفهم الظاهرة لابد من تفكيك النصوص وتحليلها تحليلاً عميقاً، وموضعه هذه الحركات الإسلاموية ضمن إطار تاريخي واجتماعي واسع. رأىَ أركون أنه إذا لم نقم بهذا فإن الاستنتاج حتماً سيكون بأن الإسلام متعصب بجوهره، وإن المسلمين “متزمتون” منذ الأزل وأن العرب “غير صالحين للحضارة” معا دون لحقوق الإنسان، متطرفون بطبيعتهم().يضرب أركون المثل بظاهرة اليمين المتطرف في فرنسا – عندما يدرس المستشرق الكلاسيكي مثل هذه الظاهرة لا يقولون بأن الفرنسيين كلهم متعصبون ولكنهم يلجأون إلى منهجية علم الاجتماع، والتاريخ والاقتصاد وعلم النفس ليفسر وجود الظاهرة ثم يقولون أن السبب هو البطالة أو الأزمة الاقتصادية…الخ أي أنهم يموضعون الظاهرة ضمن حيثياتها المحسوسة ويجدون لها الأعذار والتبريرات(). يرى أركون أن الأحكام المسبقة عن الإسلام والمسلمين في كل مكان وتبثها وسائل الإعلام الغربية وذلك لاختفاء التحليلات التاريخية والاجتماعية والتقنية اللازمة لتحليل أي قضايا محيطة بهم().ينتقد أركون فصل الدراسات الإسلامية في أقسام الاستشراق بالجامعات الأوروبية والأمريكية عن بقية الأقسام التي تدرس المجتمعات الأوروبية والحضارة الأوروبية.كما لو أنه لا يجوز تلويث هذه الأقسام الحضارية بدراسة الثقافات والأديان الأخرى غير “الحضارية” وغير الأوروبية خصوصاً الثقافة العربية والدين الإسلامي مستنكراً هذا الفصل الشديد بين الأقسام الجامعية التي تدرس بلدان العربية والإسلامية والأقسام التي تدرس البلدان الأوروبية. مقترحاً تقديم تاريخ الفلسفة والعلوم والأنظمة اللاهوتية وفن العمارة ورؤى العالم والتقنيات والآلات السائدة في كل مراحل القرون الوسطى حتى القرن الخامس عشر في الأقسام الجامعية نفسها. بمعنى دراسة تاريخ هذه العلوم في منشئها ومساراتها وتمفصلها وتفاعلاتها وتطوراتها داخل الكتب نفسها وفي الصفوف نفسها وأمام الجمهور نفسه – قائلاً لقد آن الأوان لكي نخرج من تلك العزلة التاريخية(). اتهم أركون عقل التنوير بمحدوديته وذلك لاستبعاده لمختلف الشعوب والثقافات الأخرى غير الأوروبية، فلو كان كونيا كما زعم أصحابه لما استبعد الثقافات الأخرى، ولكان دافع عن الإنسان في أي مكان وبالدرجة نفسها().رأي أركون عدم قدرة الفكر الغربي على الخروج من المركزية قائلاً” “عندما أنظر إلى المسرح الفلسفي بفرنسا المعاصرة انطلاقاً من زاوية اختصاص “تاريخ الفكر العربي الإسلامي” فإنني دائما ما أشعر بخيبة الأمل، لأن الفلاسفة الأكثر جرأة وتقدماً في نقدهم للعقلانية المركزية الأوروبية كفوكو ودريدا وغيرهم يبقون منغلقين داخل جدران التراث الفكري الأوروبي، ولا يخرجون أبداً من سياج هذا التراث”().أقدم أركون على انتقاد الحداثة الكلاسيكية للغرب، تلك الحداثة التي تحولت إلى دين وضعي يريد أن يفرض نفسه على العالم بأسره().يقول أركون واصفاً الباحثين الغربيين أنهم (حينما يدرسون مجتمعاتهم لا يدرسونها بهذه الطريقة التجريدية التي يدرسون بها قضايا الإسلام، أنهم يجيشون كل الترسانة الاسبتمولوجية للعلوم الاجتماعية والإنسانية من أجل الكشف عن جذور الظاهرة وتحليلها عميقا على ضوء معطيات التاريخ القريب والبعيد(). يتحدث أركون من موقع متقدم حتى على المجتمع الفرنسي فنجده ينتقد حذف تعليم الدين كنظام ثقافي وتاريخي سيطر على عقول البشر طيلة قرون وقرون.:”إن الطالب الفرنسي في الثانوية لم يعد قادراً على فهم أي نص لباسكال مثلاً لأنه فقد من ذاكرته كل المرجعيات والإشارات الخاصة بالدين المسيحي بل أن أستاذه لا يستطيع أن يشرح له النص لأنه معلم مثله وخريج مدرسة تمنع تدريس أي شيء يخص الأديان: ، من هنا كانت دعوة أركون إلى البحث عن صيغة جديدة للعلمنة الروحية أو للإنسنة الروحية من خلال المنظور الأنثروبولوجى الواسع لدراسة الأديان(). يصف أركون معاناته في الغرب وما سيتخلصه من مناقشات مع الجمهور الأوروبي والأمريكي قائلاً: (على الرغم من كوني أحد الباحثين المسلمين المعتنقين للمنهج العلمي والنقد الراديكالي للظاهرة الدينية إلا أن القراء والسامعون الأوربيون يستمرون في النظر إليّ وكأني مسلم تقليدي!! فهم لديهم صورة مسبقة عن المسلم أي مسلم بأنه له دينه الخاص، جهاده المقدس، قمعه للمرأة، جهله بحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية أما المثقف المسلم فدائما ما يشار إليه بضمير الغائب فهو الأجنبي المزعج الذي لا يمكن تمثله أو هضمه في المجتمعات الأوربية لأنه يستعصي على كل تحديث أو حداثه فكيف له إذن أن يتطلع ليس فقط لدراسة العقل الغربي وإنما لنقده أيضا(). ينتقد أركون المنهج البنيوي الذي سيطر على فرنسا أوروبا والنزعة التقنية والعموية الزائدة عن الحد لهذا المنهج وبخاصة لدى رواد كبار من أمثال كلود ليفي ستروس الذي أرادوا أن يطبق على مجال الإنسانيات مناهج العلوم الطبيعية نفسها بمعنى أنه يحول الإنسان إلى شيء أما الروح وخصوصية الإنسان فإنهما لا تعنيانه في شيء(). يتهم أركون فرنسا بأنها على الرغم من انفتاحها وقوتها الثقافية والفلسفية إلا أنها لاتزال مغلقة على الثقافات الأخرى إلى حد كبير ضارب المثل بطريقة معاملتها للتراث الإسلامي وللغة العربية على الرغم من وجود جالية عربية وإسلامية كبيرة على أراضيها. لكن المجتمع الفرنسي يريد من هذه الجالية الانصهار ونسيان لغتهم وتراثهم وثقافتهم وذلك بسياسة الاندماج(). يحكي أركون تجربة شخصية له بفرنسا قائلاً: (نشرة السكرتارية الخاصة بإقامة العلاقات مع الإسلام في فرنسا قدمت عرضا نقدياً لكتابي (آفاق مشرعة على الإسلام) فاختزلت هذا الكتاب إلى أنه “دفاع تبجيلي عن الإسلام”().

وهذه الحكاية التي يحكيها أركون تعطينا صورة كاملة عن نظرة الغرب إلى أركون التي تجعله مدافعاً دفاعا تبجيليا عن الإسلام! ويدين أركون غياب الحس الأخلاقي والروحي عن العالم الحديث وتحوله إلى مجرد صراع قوي وموازين قوى وخضوع الضعيف للقوي داعياً إلى عودة الدين إلى تلك المجتمعات الأوروبية التي شبعت مادياً وحسياً وهي الآن بحاجة إلى إشباع روحي(). في انتقاده للحداثة رأى أركون أنها استخدمت بشكل أيديولوجي وكسلاح للهيمنة وسحق الثقافات الأخرى واللغات الأخرى غير الأوروبية وأنها ليست بريئة إلى الحد الذي يوهمنا به التيار الأيديولوجي السائد في الغرب وكما أن هناك استخدام إيجابي للحداثة وتحرير للإنسان هناك استخدام سلبي يهدف إلى الهيمنة والتسلط على الآخرين. يتساءل أركون في كتابه: “ألا يحق للعرب والمسلمين بشكل عام أن يجربوا أنفسهم ويستكشفوا طريقهم الخاص نحو العلمنة والحرية وحقوق الإنسان؟ داعيا القوى الميهمنة في الغرب أن تكف عن كونها وصية على الآخرين والاعتراف للثقافات الأخرى بحقها في البقاء على وجه الأرض”().- ويرى أركون أن دور الحداثة كمشروع إنساني يكمن في تصحيح إرادة المعرفة الهادفة إلى السيطرة والاستغلال والهيمنة – وهذا لن يتأتى إلا بالإدخال الفعلي الفلسفي والقانوني لحقوق الروح في حقوق الإنسان أي أنه يجب أن تكون الحداثة آلية روحية في آن أو لا تكون(). يحمل أركون الغرب مسؤولية عدم تقدم العرب والمسلمين فهو من جهة يمارس هيمنته الاقتصادية والسياسية والثقافية على الدول العربية ومن جهة ثانية يتستهزئ بنظامها وقيمها لأنها لا تعرف كيف تتحرر من دينا ولغتها وعاداتها وتصبح حديثة على الطريقة الغربية. متساءلاً وهي يناسب القويّ أن يصبح الضعيف قوياً مثله؟!().ثم دعا الغرب للكف عن كونها وصية على الآخرين وترك العرب والمسلمين يستكشفون طريقهم الخاص نحو العلمية والحرية وحقوق الإنسانيرى أركون أن المثقفين الأوربيين وبخاصة المستشرقين لم يبدأو أي حماسة لمساعدة العرب على دخول العصر والحداثة، بل على العكس راحوا يتغنون بمزايا الأيديولوجيات الرسمية الحاكمة في بعض البلدان العربية لنيل حظوتها وللحصول على لقب “صديق الإسلام والعرب”.يقول أركون أن العقل في الغرب أصبح قادراً على أن ينظر للأمور بطريقة تساؤلية منفتحة، لا دوغمائية داعياً إلى بلورة علمانية جديدة تأخذ الإنسان بكلا بعديه الروحي والمادي وتتحمل مسؤوليتهما.دعوة أركون هذه كانت هدفها التراجع عن الجوانب السلبية المرافقة للفلسفة الوضعية التي هيمنت على الفكر الفرنسي والأوروبي المعاصر().حصل صِدَام ما بين أركون وكبار المستشرقين (أرنالدييز، بيرك…الخ) ففي رأيه أن المؤمنين من مختلف الأديان يخشون من فقدان الإيمان والخصوصية والمواقع التقليدية الموروثة. إذا ما اتبعوا “أركون” لأنه ساوى بين إيمان اليهودي والمسلم والمسيحي دون تمييز وحاول شق الطريق نحو إيمان جديد أوسع ما يكون…ويستخدم أركون منهجيات العلوم الإنسانية الحديثة مثل علم التاريخ والألسنيات والأنثروبولوجيا من أجل تجنيد هذه العقائد الإيمانية الراسخة منذ العصور الوسطى لأنها هي سبب الخلاف والشقاق بين الشعوب باستمرار فإيمان أركون يتجاوز الإيمان العادي فيما يستوعبه ويحتضنه.ويستكمل أركون تجربته مع المفكرين الفرنسيين من مسيحيين أو يهود واصفا إياهم بالازدواجية حيث يرحبون به كثيراً مادام مشروعه النقدي مقصور على التراث الإسلامي ولكن إذا حاول توسيع هذا المشروع ليشمل التراثين التوحيديين الآخرين (المسيحية واليهودية) فإنهم يشعرون بالامتعاض والقلق لأنه يخيف الكثيرين من المؤمنين التقليديين القائمين على قناعاتهم الراسخة().من المفيد هنا إلقاء الضوء على مقال أركون بجريدة لوموند الفرنسية يوم 15/3/1989 رداً على كتاب إسلام رشدي وقامت عليه حينها الدنيا ولم تقعد…في هذه المقابلة دافع أركون عن المقدس بصفته جانب أساسي لكل وجود وإنسان،واصفاً عمل سليمان رشدي بأنه عمل طائش.وكان رد الفعل الغربي على المقابلة هو اتهام أركون بأنه يعمل على تقويض العلمانية، وأنه ضد حرية التعبير والتفكير، وأنه تواطأ مع كاردنيال باريس لإعادة إدخال التعليم الديني إلى المدارس العامة، وصنفت أقواله اعتباطياً في التيار الأصولي على الرغم من اشتغاله على نقد العقل الإسلامي، وعلى الرغم من كونه مهموم بالمواقع المنهجية والابستمولوجية الموجهة نحو البحث النقدي وتأويل النص المقدس. بمعنى أن مشروع أركون بعد مقابلة لوموند صنف أصولياً في الغرب().وعن معاناته  بعد نشر هذا المقال يحكي أركون إلى بولكستاين السياسي في حوار منشور:(كلفتني هذه المقالة غالياً بعد نشرها، وإنهالت عليَّ أعنف الهجمات بسببها ولم يفهمني الفرنسيون أو قل الكثيرون منهم أبداً، ومن بينهم بعض زملائي المستعربين على الرغم من معرفتهم الجيدة بكتاباتي ومواقفي، لقد أساءوا فهمي، وشعرت بالنبذ والاستبعاد، إن لم أقل الاضطهاد كل ذلك حصل بعد قصة سليمان رشدي الشهيرة). ويستطرد وأركون قائلاً:كان المناخ غير طبيعي في تلك الفترة بفرنسا والغرب، واقتُطعت عبارتي من سياقها العام وشُوه المعنى، واستُخدمت من أجل محاكمتي وتجريمي ونبذي من قِبل بعض الجهات في الساحة الفرنسية. لقد نهضوا جميعاً ضد ذلك المسلم الأصولي الذي يسمح لنفسه بإعلان أنه أستاذ في السوربون وياللفضيحة… تجاوزت حدودي أو حدود المسموح به لاتباع الدين!وفي الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي بأي شكل، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي. عشت لمدة شهور طويلة بعد تلك الحادثة حالة المنبوذ…فاللافت للنظر أن الفرنسي الأصلي بفرنسا يُسمح له ما يُسمح لغيره، ولكن الفرنسي ذا الأصل الأجنبي مطالب دائما بتقديم إمارات الولاء والطاعة والعرفان بالجميل لأنه مشبوه باستمرار خاصة إذا كان من أصل مسلم!!) ينهي أركون هذا الحديث متساءلاً “أين القيمة العلمانية الكونية المقدسة التي تُدعى في فرنسا بالعلمنة؟ هل هي موجودة لدى المُضطهد الذي يجد فيها ملاذاً أم أنها موجودة لدى السيد المهيمن الذي يستبعد بها الآخرين”!!هكذا كان محمد أركون في الغرب.. لم يكن يوماً مهادناً لسياساتهم بل أنه حاول قدر المستطاع أن يكون محايدًا منصفًا يقول كلمة الحق التي آمن بها دوماً (). يقول أركون: (لم يُفهم كلامي على حقيقته، بل صُنف في خانة التيار المتزمت وأصبح محمد أركون أصوليا متطرفاً! أنا الذي انخرطت منذ ثلاثين سنة في أكبر مشروع “لنقد العقل الإسلامي” أصبحت خارج دائرة العلمانية والحداثة!! وكنت قد انخرطت في هذا المشروع لكي أوسع من دائرة التفكير في الساحة الإسلامية، ولكي أنتزع من العقليات تلك الأفكار الخاطئة). يقول أركون: “كانت ردود الفعل عليّ  هائجة بشكل لا يكاد يُصدق في الساحة الفرنسية الأوروبية، متهما طبقة “الانتلجنسيا” بالضعف الفكري والانحراف الأيديولوجي والانبهار بوسائل الإعلام. واصفا إياها بالطبقة المرفهة الراقصة لمعالجة المشاكل الحقيقية مكتفية بإعطاء الدروس السهلة حول حرية الفكر والتعبير للعالم الإسلامي المتخلف والهمجي من وجهة نظرها طبعا!! ()”.يصرخ أركون قائلاً: (لست ضد حرية التفكير أو التعبير كما زاود عليّ بعضهم بشكل مجاني، ولكني أقول بأنه حتى في الغرب لا نستطيع تجاهل مشاعر الناس وعواطفهم عندما نقوم بعمل سياسي ما – لأن العامل النفسي له دور كبير ينبغي أن يُحسب له الحساب ومن العبث أن نرفع شعار حقوق الإنسان وكونيتها وتحقيقها في مجتمعات غير قادرة على ذلك في الوضع الراهن. محذراً من المتخيل الجماعي للمسلمين حينما يوهمونهم بأن الكاتب المذكور قد استهزأ بالنبي أو تجرأ على اسم الله).

ويمكن القول أن محمد أركون من خلال هذا الرأى هو مفكر مجدد ولكنه مجدد غير تصادمى هو مجدد هادئ ،لا يدعو الى التغيير الجذرى الصادم ولكنه يدعو الى تغيير مبنى على احترام العقائد والقيم التى تأصلت لدى الغالبية العظمى من الشعوب ، وقد أكدت ذلك فى  دراستى حول محمد أركون حيث أكدت الدراسة على أن أركون أراد التغيير من الجذر عن طريق التربية ،وعن طريق تغيير القيم الدوغمائية التى سيطرت على المجتمعات من خلال فكر اقصائى رافض للآخر .

المحور الثاني: أركون ونقد العقل الإسلامي.

غني عن التعريف أن أركون كان محل شبهة لدى الدول العلمانية ولدى الدول الإسلامية فالدولة العلمانية تشتبه به لأنه يعيد الدين ورجال الدين إلى الساحة العامة للمجتمع بعد أن طُردوا منها على أثر تأسيس النظام العلماني.أما الدولة الإسلامية فإن كليات الشريعة والأزهر والنجف ورجال الدين بشكل عام يشتبهون بتاريخ الأديان لأنه قد يؤدي إلى نزع القدسية عن الدين().بداية أود القول بأنه استوقفني كثيراً اختيار أركون لدراسة اللغة العربية والآداب بجامعة الجزائر إبان فترة الاستعمار الذي كان يمارس التضييق والمنع للدراسة بها القسم… وأتساءل: ألا يعد اختيار أركون لهذا القسم بالذات، والجزائر تئن من وطأة الاستعمار- نوعاً من أنواع التحدي وممارسة عنيدة للمقاومة الثقافية.؟!يذكر أركون في ذلك السياق قائلاً:(كان الاستعمار موجوداً بقوة داخل الجامعة، وكنا خمسة أو ستة طلاب فقط من أصل جزائري يدرسون اللغة العربية والآداب العربية، وأما الفرنسيون الذين يدرسون في بقية الكليات الأخرى فكان عددهم بالألوف، بالطبع كانوا يأنفون من دراسة اللغة العربية ويحاولون منعها والتضييق عليها إلى أكبر حد ممكن) (). إن هذا يرسخ الاعتقاد بأن أركون كان مقاوماً ثقافياً منذ شبابه بالجزائر المستعمرة.!!سار أركون عكس التيار سواء في نقده للعقل الإسلامي أو في نقده وجرأته في نقد العقل الغربي الذي عاش واحتك بكبار مفكريه… وهو ما يعتبره البعض مقاومة ثقافية من الوزن الثقيل.. يعيد أركون مشروعه الاعتبار للظاهرة الدينية ولكن عن طريق مختلف وهو إخضاعها كظاهرة موضوعية لمحك النقد العلمي().
أتهم أركون أنظمة الحكم في البلدان الإسلامية بالتوتاليتارية بمعنى قسرية لا ديموقراطية وقال أن التحرير الثاني (بعد التحرير من الاستعمار) الذي ينطبق على جميع مجتمعات ما بعد الاستعمار لن يتحقق إلا بتوافر شرطين:(1) الازدهار الاقتصادي في أوروبا والاستقرار المعرفي ثم قيام أوروبا والغرب بتعديل السياسة المالية والاقتصادية المتبعة تجاه دول الجنوب الفقيرة والمستنزَفة. (2) تحقيق الثورة السياسية في البلدان العربية والإسلامية وهذا يتطلب الاكتساب السريع للثقافة الحديثة المتعلقة بحقوق الإنسان، الديمقراطية().واصفاً وضع الشعوب الإسلامية والعربية بأنه وضع صعب جداً و أصعب من أن يُحتمل، وأن جميع الشعوب توقفت عن إنتاج تاريخها الخاص وأصبحت العوامل الخارجية هي التي تحسمه(). انتقد أركون في مقدمة كتابه أين هو الفكر الإسلامي المعاصر المجتمع العربي شارحا كيف يتلقى المجتمع العربي المعاصر جهود أبنائه وكيف تتجدد سوسيولوجية الفشل التي أدت إلى تهميش ابن رشد وأمثاله وإزالة نفوذهم الفكري والثقافي والقضاء عليه.  يتحدث أركون عن التحرير الثاني للمجتمعات العربية والإسلامية! ففي رأيه أن التحرير الأول للمجتمعات العربية والإسلامية كان سياسياً في الخمسينيات والستينيات بخصوص استرجاع سيادة الدولة.أما التحرير الثاني فإنه يستهدف إلى جانب الاستقلال السياسي والتنمية الاقتصادية المساهمة الفكرية والعلمية في انتقال الشعوب من مرحلة المنافسة بين الدول – الأوطان لاحتكار الهيمنة إلى مرحلة التضامن والتعاون لإنتاج تاريخ مشترك لجميع الشعوب في العالم().   عاني أركون أيضا من هجوم الباحثين العلميين الذين يعتقدون بإمكانية تصفية الظاهرة الدينية بجرة قلم واحده ويعتبرون أن مجرد الاهتمام بدراسة الدين ومشاكله الكلاسيكية والمعاصرة موقفا رجعيا ومتخلفا فهؤلاء قفزوا على المشاكل الحقيقية لمجتمعاتهم بدلا من مواجهتها من الداخل وبشكل تدريجي، وقد عبر هاشم صالح عبر ذلك قائلاً: “لقد دفعنا ثمنا باهظا نتيجة هذا الموقف المراهق واللاتاريخي!! كان لدى أركون قناعة خاصة أن المفكر المسئول هو الذي يفكر من خلال مجتمعه وحاجياته الداخلية في الواقع. اتهم أركون المثقف العربي بأنه يقف أمام نظيره الغربي كالفلاح الفقير الذي يقف خجلا بنفسه أمام رجل غني!! يعتذر عن شكله غير اللائق ولغته غير الحضارية ودينه المتخلف، وغالبا ما يستحسن المثقف الغربي ذلك منه ويساعده على الغوص فيه أكثر وأكثر!! هكذا رأى أركون دور المثقف محذرا من الشعور بالدونية تجاه المثقف الغربي(). و يرى أركون أن معظم مثقفي العالم العربي الإسلامي بمن فيهم أتباع التيار التنويري والتحديثي لم يطلعوا بالشكل الواقعي المحسوس على التجربة الغربية للحداثة على عكس ما يظن معظم الناس حيث يرى أن معرفة مثقفي عصر “النهضة العربية” والأجيال التي تلتهم بأوروبا وحداثتها كانت ناقصة ومبتورة وأحيانا مشوهة وغير واقعية على الإطلاق.. فلما جاء عصر الأيديولوجيا الطاغي طوال الثلاثين عاما الماضية قضى على كل أمل بقهم موضوعي للذات وللغرب الأوروبي في آن معا، لهذا يرفض أركون المقارنة بين تجربة الإسلام وتجربة الحداثة الأوروبية إذا كنا نجهل التاريخ الحقيقي للعصور التأسيسية العربية الإسلامية! ().لقد اتُهم أركون في الغرب من قِبل مؤسسات بأنه صاحب خطاب دفاع تبجيلي عن الإسلام، في حين اتُهم في المجتمعات الإسلامية بأنه ذلك الملحد الذي يريد تشتيت المسلمين وتفكيك الفكر الإسلامي.  وظل أركون محل شبهة لدى الدول العلمانية والإسلامية، …

وعلى الرغم من كل هذا فقد حمل الرجل مهمة نقد الفكر الإسلامي على عاتقه وهي مهمة عويصة، لا يتصدى لها إلا إذا كان هذا المفكر متمكن من أدواته المنهجية والعلمية ولديه القدرة على استخدامها استخداماً متمكناً، بالإضافة إلى قدرته على خوض أكثر من معركة على أكثر من جبهة ضد القوى المحافظة والعقليات الدوغمائية. وقد ذكر أركون في أكثر من موضع من كتبه العديدة أنه سعى إلى إحياء الموقف الفكري الديناميكي المتفتح للمفكرين القدامى.وقد أعاد أركون على مسامعنا أسماء مهمة في تاريخ الفكر الإسلامي مثل ابن تيمية والتوحيدي وابن خلدون وأرجع من خلال دراساته إلى هؤلاء الفضل بأن القرن الثالث عشر والرابع عشر هو القرن الذهبي الذي نقلت عنه أوروبا وانتقلت من خلال اعتمادها على علومه إلى عصر الأنوار().فهل مثل هذا الرجل يمكننا التحدث عنه باعتباره يحتقر الإسلام والمسلمين ويقلل من شأنهما..- يرى أركون أن المثقفين العرب أو المسلمين لا يضعون النموذج الحضاري العربي على مسافة نقدية معينة. فهم إما أن يرفضوه جملة وتفصيلاً عن طريق القول بأنه غربي لا يناسبنا ولايتلاءم مع خصوصيتنا وإما أنهم يأخذونه كما هو دون أن يكونوا قادرين على إخضاعه للنقد الداخلي عن طريق استخدام منتوجات الحداثة نفسها().عانى أركون بشدة من المعاملة القاسية التي جابهه بها كبار رجال الدين الإسلامي الذين التقى بهم في المؤتمرات الإسلامية، خصوصاً منتدى الفكر الإسلامي السنوي المنعقد بالجزائر، هؤلاء العلماء لم يفهموا مقصده على وجهة الصحيح أما بسبب عدم التسامح وإما بسبب ضعف المعرفة العلمية الحديثة لديهم وإما بسبب الاثنين معاً().ويحكي شاهد عيان هذه الحكاية قائلاً: “صعد أركون للتحدث على المنصة، وبعد أقل من 5 دقائق- بدأت الصفافير من الشباب وسباب وصراخ بكلمة “كافر..كافر..هذا ليس إسلام..هذا كفر.. أخرجوا الكافر”.،عندها لملم الرجل “محمد أركون” أوراقه وقال أنه يتوقع هذا، يتوقع رفض الحداثة ورفض العلم! وقال للداعي الشيخ عبد الرحمن الديجالي والدموع تبلل خده “دعني أرحل”()أما في الجزائر فيقول أركون (كفرني الشيخ محمد الغزالي الذي كان مستشاراً للرئيس الجزائري الشاذلي بنجديد أمام الجزائريين وقال لي في ندوة حول الفكر الإسلامي سنة 1987: “يجب عليك أن تعلن الشهادتين أمام الناس حتى نستردك إلى الأمة الإسلامية” قال ما قاله لأنه قرأ الترجمة العربية لكتابي

(الفكر العربي) La Pansé arabe وقرأ جملة يسيره الفهم بالفرنسية هي La Coran est un disconurs de structure mythique التي ترجمها المترجم عادل العوا ترجمة خاطئة إلى الصيغة التالية القرآن خطاب أسطوري البنية) ().وقد ذكر مراد وهبه أنه عندما تم انتخاب الشاذلي بن جديد رئيساً للجزائر لتدعيم الأصولية الإسلامية استدعى الشيخ محمد الغزالي من مصر وعينه أستاذاً بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، وأمر بأن يحدد له التلفزيون والإذاعة وقتا لحديث ديني().خاتمةإن ثقافة المقاومة هي منهج فكري وخيار مصيري يهدف إلى إعادة الاعتبار للعقل العربي وبناء مقولاته ومفاهيمه وأدواته المعرفية بما يجعله مؤهلاً للتخلص من التبعية والاستهلاك الثقافي الذي يفرض الآخر علينا. وهو الرد الإيجابي لخلق موقف حضاري متوازن ضد حالة الاغتراب وإشكالياتها والهيمنة الثقافية والاستلاب الذي سيؤدي إلى تدمير الذات القومية().وها هو أركون يحاول مثلما حاول من قبل طه حسين، فذاق مرارة العزلة والاضطهاد عندما أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي 1926) محاولاً خلخلة نظام الفكر الموروث في دراسته باستخدام منهج حديث، وكذلك عانى أركون نفس المعاناة ولكن من كلا الجانبين الإسلامي والغربي فكلاهما نعته بصفة، أحدهما نعته بالملحد الراغب في القضاء على الإسلام والآخر نعته بالأصولية والرغبة في نشر الإسلام!! بمعنى  أننا ونحن في عام 2015 أننا لم نتزحزح قيد أنملة عن مرحلة طه حسين 1926…

وقد توفى أركون مصراً على آرائه، مقاوماً ثقافياً عنيداً كما عهدناه دائما.. ولكن أفكاره مازالت حتى اللحظة موضع بحث وتمحيص من كل قارئ لها..

ولذلك أرى أن المقاومة الثقافية لديه مستمرة رغم موته… وأن أركون سوف يكون بحق فيلسوف المستقبل حيث ستظل الدراسات حول ما فتحه من أبواب مغلقة مستمرة باستمرار الفكر الإسلامي.أحب أن أختم دراستي هذه بكلمة سمعتها لأركون في إحدى ندواته العديدة… تلك الندوة التي تحمل عنوان (قضية الأنسنة في المجتمعات الغربية والمسلمة المعاصرة 2007) بالبحرين، فما زال صوت أركون الغاضب في رده بإحدى الندوات حينما توجه إليه أحدهم متساءلا حول كونه أتى إلى البحرين باحثا عن تأييد حزب!

ما زالت صورته ماثلة أمامي وهو يتوجه بالرد على سؤال الرجل قائلا: “أنا رجل حر” ودائما حر وأكتفي بما أقوم به شخصيا لا أحتاج إلى تأييد.. أنتم أحرار في قبول ما أقول أو رفضه!واستطرد بصوته المخنوق من الغضب “لا أفرض عليكم أي شيء! منذ خمسين عاما وأنا أُحاصر بهذه الأسئلة “وبتحويل خطابي الأنسني إلى خطاب أيديولوجي”!!كل شخص يمكن أن يرفض الآخر رفضا جذريا مهما اجتهد.. ثم يستطرد قائلا: “ادعو إلى ثورة فكرية بعيدة عن السياسة التي أكرهها وآلاعيبها! لا أحتاج إلى حزب وما بحثت أبدا عن حزب”!

*****************

المراجع الأساسية:

  1. محمد أركون: الإسلام والحداثة، ندوة مواقف، دار الساقي، لندن، 1990
  2. محمد أركون: الإسلام والأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990
  3. محمد أركون: من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، 1991
  4. محمد أركون: من فيصل التفرقة إلى فصل المقال أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، 1993
  5. محمد أركون الإسلام، أوروبا، الغرب، رهانات المعنى وإرادات الهيمنة، ترجمة هاشم صالح بيروت، دار الساقي، 1995.
  6. محمد أركون: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، 1999.
  7. أحمد فاضل السعدي: القراءة الأركونية للقرائن دراسة نقدية، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2012
  8. السعدي بن أزوار: مفهوم العلمانية عند أركون، ندوة قراءات في مشروع أركون، جامعة الجزائر، 2011.
  9. سعدي خطيب: محمد أركون يتعرض لمحاكمة أيديولوجية وليست معرفية جريدة الخبر بتاريخ 08-10-2010.
  10. على حرب: نقد النص، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، 2005.
  11. فارح مسرحي: المرجعية الفكرية المشروع محمد أركون الحداثي، الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، ط1، الجزائر، 2015.
  12. عبد الإله بلقزيز (وآخرون): قراءات في مشروع محمد أركون الفكري، ندوة فكرية بالدار البيضاء 2010، منتدى المعارف، ط1 2011.
  13. مصطفى كيحل: الأنسنة والتأويل في فكر محمد أركون، منشورات الاختلاف، الجزائر،2011    .
  14. فاطمة الحصى :الاراء التربوية للمفكر الجزائرى محمد أركون فى ضوء الفكر الاصلاحى العربى ،رسالة دكتوراه ،كلية الدراسات العليا للتربية ،جامعة القاهرة ،2017.

*دكتوراه فى أصول التربية -جامعة القاهرة

**ورقة منشورة بمجلة الجمعية الجزائرية الفلسفية.

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...