الرئيسية / أخبار ثقافيه / نصرالدين شنوف * يكتب :التأويل وجدل القداسة والثقافة في القراءة القرآنية عند نصر حامد أبوزيد

نصرالدين شنوف * يكتب :التأويل وجدل القداسة والثقافة في القراءة القرآنية عند نصر حامد أبوزيد

إن الهرمينوطيقا بوصفها قراءة وإعادة قراءة للنصوص الكبرى للفلسفة وحتى الواقع الذي تبلورت في أفقه تلك النصوص، تبقى دوماً بمثابة محاولة دؤوبة لاستعادة السؤال الإنساني وعلاقته بواقعه وبالآخر، فهي في سعيها لتحرير المعنى الحقيقي من كل واجهة نسقية مُكَبِلَةٌ ومن كل ادعاء ذاتي يعلو على فعل النقد والتجريب والإبداع قد رَسَّمَتْ نفسها على أنها رؤية مستقلة للعالم والوجود والتراث، تلك الرؤية القائمة على إرادة الهرمينوطيقا في الكشف عن حقيقة المعيش الإنساني، باعتبارها الجواب الفلسفي لجدلية العلاقة بين النص والواقع.
إن المراس التأويلي الناتج عن حركية التجربة الهرمينوطيقا كان دوماً يتجسد في صورة محاولاتها لدفع الغرابة بالألفة، تلك الألفة التي تتجلى عند كل محاولة للإنفلات من سلطة النص باستباحته وتقعيده وتطويقه، الأمر الذي جعل من مسألة الفهم الغاية المثلى للوظيفة الهرمينوطيقية.
هكذا منحت الهرمينوطيقا فسحة أمام العقل العربي ليتحرر من مركزية وسلطوية النص المشدود إليه ­ النص التراثي والديني ­، مع إمكانية الانعتاق من قرائن الإنتماء التاريخي لسلطوية النص التراثي، وتجاوز الذهنية الانغلاقية المستمدة من الوثوقية العبودية التي طبعت الثقافة العربية الإسلامية.
إن الثقافة العربية بنواميسها الإبداعية وأسرارها اللغوية أضحت اليوم تكابد ألواناً شتى من العذاب الفكري، ومن العقم والتأزم المعرفي، الأمر الذي يرجعه العديد من المفكرين على غرار مفكرنا نصر حامد أبوزيد، إلى غياب نظرة منهجية تحليلية للأسس الإيبيستيمولوجية والأنطولوجية التي تقوم عليها هذه الثقافة، الأمر الذي دفع بمفكر كــ “نصر حامد أبوزيد” للإستعانة بالمنهج الهرمينوطيقي في محاولته لتحرير معنى النصوص التراثية بكل مستوياتها لا سيما الفلسفية منها، كشرط أولي لقيام التحرير الشامل، أي لتحرير العقل العربي الإسلامي من دسائس ماضيه، لدفعه لأن يفكر وفقاً لبراديغم الوعي الراهني بكل فهومه وطرائقه.
ويعتبر نصر حامد أبوزيد ” 1943 ­ 2010 ” من المفكرين العرب البارزين الذين عنيوا بدراسة وقراءة النص القرآني دراسة فلسفية خالصة، من خلال استعمال العديد من المناهج العلمية واللغوية والفلسفية المعاصرة، واسقاطها على النص القرآني باعتباره نص من جملة مجموعة من النصوص التي أنتجتها الثقافة العربية الإسلامية، ولم يخرج نصرحامد أبو زيد في ندائه إلى ضرورة بعث الدراسات في المجال الديني إلى العلمية من دائرة السؤال النهوضي العربي عموماً، إذ الدعوة إلى نقد الخطاب الديني وإعادة فهم الخطاب القرآني ومحاولة تحريك مسائل عديدة كالمرأة والتحريم والتصوف واللغة إنما يندرج ضمن المسعى النهوضي عند نصر حامد أبوزيد، وأبو زيد إذ يمهد لمشروعه الفلسفي، فإنه ينتقد أول ما ينتقده النمط الثابت الذي طبع العقل العربي والإسلامي، ذلك النمط الثقافي الذي يخاف الحركة ويهاب التقدم ويخشى التحديث والتجدد، الأمر الذي جعل من العقل العربي الإسلامي عقلاً ماضوياً بامتياز، ويعلق نصرحامد أبوزيد على هذا في قوله: « الثبات قيمة تعني مقاومة التغيير والنفور من التطور، والتشبث بهذه القيمة يعكس بشكل لافت الدفاع عن مصالح قائمة في بنية الحاضر، مصالح يهددها التغيير ويقضي عليها التطور »، هكذا يربط أبوزيد قيمتي “الثبات والتثبيت” بتزوير الواقع وخيانة الحاضر وسد طريق العقل العربي نحو التحديث، الأمر الذي يجعل من الماضي ­ التراث ­ معوقاً إيبستيمولوجياً للحاضر وينادي أبوزيد بالعقلانية النقدية كبديل منهجي للخلاص من هذه الذهنية الإرتكاسية التي طبعت الثقافة العربية، ومحاولة تخريج العقل العربي الإسلامي من أزمته الراهنة مركزاً على الخطاب العلمي في أقصى صرمديته المنهجية تماشياً مع قول المرزوقي: « المدرسة النقدية العربية مرجعيتها نقد تحريفات فهم القرآن لإعادة فهم قيمه فهمهاً ­ يؤسس­ لاستعمار الإنسان في الأرض واستخلافه فيها »، من هنا يدعوا أبوزيد إلى إعادة قراءة معطيات هذا العقل وعلاقته بالماضي والراهن قراءة تأويلية مع الإحتفاء بمقولة الثقافة والواقع والمثالية الإسلامية خصوصاً على المستوى الأكسيولوجي، دافعاً بذلك المنهج التأويلي إلى مداه الأقصى من حيث أهمية إستعمالاته وضروراته، بعد أن كان هذا المنهج شبه مرفوض في الثقافة العربية الإسلامية نظرا لطبيعته واستخداماته الإجرائية، يقول عبد القادر فيدوح « يمكن اعتبار التأويل في سياقه الفلسفي محل خلاف بين الفقهاء وعلماء الكلام والفلاسفة، من حيث السياق الإجرائي، نظراً لوجه الخلاف بين المعرفة الإعتقادية عن طريق القلب واللسان والمعرفة الكسبية التي يخوض فيها الإنسان بالعلم والعمل »، هكذا انطلق أبوزيد في بعث تأويلاته الفلسفية، مؤكداً أولاً بأن الفكر الديني إنما هو فكر بشري مثله مثل أي فكر آخر، إذ في النهاية هو نتاج واقع معين، فالنص ­ أيٍ كان شكله ومستواه ­ فإنه يبقى وليد عوامل ومؤثرات ثقافية معينة، يعبر عن هذا أبو زيد بقوله: « أصبح في حكم الحقائق المُسَلَمْ بصحتها، أن الفكر البشري، أي فكر بما في ذلك الفكر الديني، نتاج طبيعي لمجمل الظروف التاريخية والحقائق الاجتماعية لعصره »، يصدق هذا بصورة خاصة على الخطاب الديني، بل حتى على النص الإلهي في ذاته، إذ ماذا يميز هذا النص الإلهي عن غيره من النصوص اللغوية؟، يقول أبوزيد « إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بنية ثقافية محددة، ثم انتاجها صليقاً لقوانين تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي »، مؤكداً بأن القراءات السابقة للنص القرآني والممارسات الفكرية التي كان يتبناها الفكر الديني هي سبب فشل كل حملات النهضة والتنوير التي كان يسعى لها العقل العربي منذ نهضته الأولى، « فكيف أمكن لانجازات النهضة والتنوير أن تنزوي في دائرة ضيقة مفسحة المجال لسيطرة خطاب ديني غاشم يسعى إلى إطفاء كل المصابيح الإنسانية التي جاءت الأديان السماوية لتقوي وجهتها ».
يضع أبو زيد خطاً فاصلاً عميقاً بين الخطاب الديني المُمَارَسْ على الواقع وبين القيم المثالية التي جاءت تدعوا إليها وتروج لها هذه الأديان، إذ هذا الخطاب الديني المتداول لا يمثل لا المدنية ولا العقلانية مثلما لا يعكس حقيقة الدين الإسلامي بقيمه العليا المتسامحة، وهو إذ يقول بلغوية النصوص الدينية وبجدلية العلاقة بينها وبين الواقع والسياق التاريخي والمعطيات الثقافية، فلكي يحارب ذلك الفهم الشائع القائل بتعالي النصوص الدينية عن الفهم الإنساني، من حيث أنه فهم محدود في مقابل النص الإلهي ألا محدود والصالح لكل زمان ومكان، دلالته لا تنفك أن تنضب ومعانيه لا مجال لحصرها، مؤكداً أن الإصرار على إلاهية هذه النصوص لا يعني بأن البشر عاجزون على فهمه، وبأنه يجب في كل مرة أن تتدخل العناية الإلهية لتسهيل عملية استيعابه، معبرا عن هذا في قوله: « النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أية نصوص أخرى في الثقافة، وأن أصلها الإلهي لا يعني أنها في درسها وتحليلها تحتاج لمنهجيات ذات طبيعة خاصة تتناسب مع طبيعتها الإلهية الخاصة »، والقرآن باعتباره النص الديني المحوري في الثقافة العربية الإسلامية، من حيث هو يمثل صلب هذه الحضارة، خصوصاً وأن هذه الأخيرة قد نشأت نتيجة جدل الإنسان مع الواقعه من جهة وجدله مع هذا النص من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل الحضارة الإسلامية في مجملها حضارة نص، وهنا تستمد دعوة أبوزيد إلى ضرورة توظيف المنهج التأويلي في قراءة النصوص التراثية العربية مشروعيتها، إذ لا شك « أن التأويل ­ هو الوجه الآخر للنص ­ يمثل آلية هامة من آليات الثقافة والحضارة في إنتاج المعرفة … فالنص حين يكون محورا لحضارة أو ثقافة لا بد أن تتعدد تفسيراته وتأويلاته »، الأمر الذي يجعل من الثقافة العربية مكاناً خصباً وحيوياً للمُمَارسة التأويلة، إذ تبلغ ممارسته درجة من الحرية ما قد لا يتوفر لدى العديد من الثقافات الأخرى، إن طبيعة العقل العربي من هذا المنظور هي طبيعة تأويلية خالصة، تتجدد باستمرار. لكن إذا كان النص محور هذه الحضارة، فما هو مفهوم هذا النص؟، وما هي ماهيته؟. نطرح هذه السؤال خصوصاً وأن الأهمية التي تعطيها هذه الحضارة للنص ­ القرآني ­ وللتأويل من حيث هو منهج يتخذ صلاحيته من تعدد التفسيرات وتنوع الفهم، تجعل من السؤال عن مفهوم النص وطرائق التأويل أمراً مشروعاً، بل لا مناص لنا منه، والبحث بهذا الشكل عن مفهوم النص ليس رحلة فكرية على حد تعبير أبو زيد، بل هو محاولة الوصول إلى وعي علمي بالنص، مروراً على القبض عن مفهومه وماهيته، « إن الدراسة الأدبية ­ ومحورها مفهوم النص ­ هي الكفيلة بتحقيق “وعي علمي” نتجاوز به موقف ” التوجيه الأيديولوجي” السائد في ثقافتنا وفكرنا »، ويقصد أبو زيد بتجاوز التوجيه الأيديولوجي، محاولة تخليص النص القرآني لغوياً ووظيفياً من توجيهات الثقافة السائدة وتأثيراتها، تلك الثقافة التي في نظره لا زالت متشبعة بقيم الرضوخ والطاعة وتنفيذ الأوامر المستمدة من تاريخها ­ تأثير النظام العسكري السلاجقة، الترك، الديلم وسيطرة الدولة العثمانية ­ الأمر الذي جعل النصوص الدينية تتحول « من موضوعات للفهم والتفسير والتأويل إلى أن تكون أشياء تستخدم للزينة أو لالتماس البركة »، ذلك ما يحاول أبو زيد مجابهته بما سماه بالتأويل العلمي للنص القرآني .
إن التأويل كمنهج في دراسة النصوص كان موجود قديماً في الثقافة العربية الإسلامية وأبو زيد نفسه يعبر عن هذا بقوله: « يحتل تأويل الشريعة من حيث المساحة في كتاب الفتوحات وحده حوالي الثمن تقريباً »، ­ كتاب الفتوحات لابن عربي ­ وأبو زيد هو الآخر يتوقف كثيراً عند المدارس التأويلية في التراث العربي الإسلامي لإثارة استخدام هذا المنهج عند القدماء العرب، خصوصاً الخلاف الذي دار حول المحكم والمتشابه وقضايا عديدة ارتبطت بالتأويل في الأثر العربي الإسلامي،« فمنذ فترة باكرة جداً ارتبط تأويل القرآن بالخلاف حول المحكم والمتشابه من جهة وبالخلافات السياسية والعقائدية من جهة أخرى … غير أن محاولة تأويله “أي القرآن” أو الخلاف حول المحكم و المتشابه ترتبط بزمن نزول القرآن نفسه »، متوقفاً أيضا عند أبي عبيدة والفراء والحسن البصري والمعتزلة، إذ شكل تأويل النصوص الدينية مكانة كبيرة وبالغة الأهمية في بلورة الخطاب الديني، من حيث طرح مفاهيمه وأفكاره وتصوراته.
إن التأويل الحقيقي عند نصر حامد أبوزيد هو ذلك التأويل الذي يتجاهل البعد الأيديولوجي ويتغافل عنه، من هنا تركيزه على تحليل مستويات الخطاب دون أي إلتفاتة ذاتية من خلال وضع آليات موضوعية توجه العملية التأويلية من أولها إلى آخرها، « والتأويل الحقيقي المنتج لدلالة النصوص يتطلب اكتشاف الدلالة من خلال تحليل مستويات السياق، لكن الخطاب الديني غالبا ما يتجاهل هذه المستويات، إن لم يتجاهلها جميعاً في حمى البحث عن دلالة محددة مسبقا »، الأمر الذي ساعد في جعل النصوص الدينية نصوص تشكل استثناءات خاصة لقداستها ولمصدرها المتعالي، مفارقة لكل النصوص الأخرى اللغوية مفارقة تامة أو شبه تامة، وهذا في التصور الأبوزيدي غير صحيح، إذ النصوص الدينية تأخذ معناها الحقيقي في ضوء تفاعلها مع النصوص غير الدينية ومع معطيات راهنها وظروف ولادتها، أي النص الديني لا يأخذ معناه إلا في السياق الذي نشأ فيه وتولد عنه، « فليست النصوص الدينية نصوصاً مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال، والمصدر الإلهي لتلك النصوص لا يلغي إطلاقاً حقيقة كونها نصوصاً لغوية بكل ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي »، ولهذا فالنص القرآني من حيث هو النص الديني الأول والأساسي نجده يشبه في بنيته اللغوية خاصة الكثير من النصوص التي أنتجتها الثقافة العربية خصوصاً النص الشعري.
يشير أبو زيد إلى ضرورة فك الخلاف حول القضايا المتعلقة بتأويل النص الديني خصوصاً محاولته تجاوز التصور القائل بالوجود الأزلي القديم للنص القرآني في لوح محفوظ، إذ يصف هذا التصور بالأسطوري لجهله جدلية الإلهي والإنساني، المقدس والدنيوي، هذا ما سعى إلى توظيفه دوماً العقل الإديولوجي المتشبع بالثقافة السياسية القائمة على المصلحة الشخصية في محاولاته المتكررة لاختراق النص القرآني من خلال القفر فوق بعض مستويات السياق، الشيء الذي يتكرر بحسب الحاجة السياسية والاجتماعية والثقافية للدولة، ويعطي أبو زيد تصوره لتأويل النص القرآني من خلال قوله بالعلمية، أي محاولة تأويل النص القرآني تأويلاً علمياً يمكننا من صياغة دلالة منهجية وموضوعية للنص، كما يمكننا ذلك بحسبه من بلورة رؤية متكاملة للواقع والتاريخ والعالم، « يرتكز الفارق فقط في أن التأويل العلمي يمثل جزيئة في مشروع القراءة المعاصرة، في حين يكون جذب النص الديني إلى أفق النص العلمي هو الهاجس الأساسي في التأويل العلمي ».
يعالج أبو زيد قضية التأويل والتفسير في الثقافة العربية، تلك الثقافة النصية التي تجعل من التأويل والتفسير الوجه الآخر للنص، ويشير أبو زيد أن الثقافة العربية كانت دوماً تعلي من شأن التفسير على حساب التأويل، ذلك أن التفسير في الغالب كان يستند على النقل، في حين أن التأويل يقوم على إرادة العقل، كيف لا وهو في حد ذاته عملية ذهنية، ويشير أبوزيد بأن الثقافة العربية حتى في راهنيتها ما زالت قائمة على تفسير واحد وأوحد، هو ذلك التفسير المستند إلى سلطة القدماء من خلال ربط الدلالة النصية بالأفق الثقافي والتاريخي للجيل الأول من المسلمين، ويشير أيضا بأن ما يسمون أنفسهم “أهل السنة” سواءاً في القديم أم الآن، هم المسؤولون على هذا الإبقاء للتفسير الوحيد والقديم في الوقت نفسه باعتبار أن التفسير الصحيح عندهم هو ما ورد عن الرسول “صلى اله عليه وسلم” وصحابته الذين شهدوا نزول الوحي، دون أي اعتبار للمتغيرات الثقافية والمستجدات الفكرية والاجتماعية …إلخ، « إن الخطأ الجوهري في موقف ” أهل السنة ” قديماً وحديثاً هو النظر إلى حركة التاريخ وتطور الزمن بوصفها حركة نحو الأسوء على جميع المستويات ولذلك يحاولون ربط “معنى” النص ودلالته بالعصر الذهبي … وليس هذا مجرد خطأ “مفهومي” ولكنه تعبير عن موقف أيديولوجي من الواقع، موقف يساند التخلف ويَقِفُ ضد التقدم والحركة »، ومحاولة عزل ” التأويل ” من حيث هو عملية عقلية اجتهادية في الثقافة العربية في مقابل رفع قيمة ” التفسير” إنما هو جزء لا يتجزء من هذا الخطأ الفكري عند جماعة “أهل السنة”، ويضيف أبو زيد بأن كلمة التفسير قد ذكرت مرة واحدة في القرآن في مقابل ذكر كلمة التأويل سبع عشر مرة، متوقفاً بذلك عند دلالة لفظة التأويل في القرآن الكريم من خلال السياقات التي جاءت فيها .
أما لفظة ” التفسير” فإنها ذكرت في الآية الكريمة ﴿ ولا ياتونك بمثلٍ الا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً ﴾، أما لفظة ” التأويل ” فجاءت متعددة الدلالات من سياق إلى آخر، فمرة كانت تشير إلى تأويل الحديث، أي تفسير الأحلام وتأويل الرؤية، لقوله تعالى:﴿ قال لا يأتيكما طعاما ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ﴾، ومعنى التأويل في هذا السياق الإخبار عن “حدوث” أمر قبل وقوعه بالفعل .
أما لفظة ” التأويل ” كما جاءت في قوله سبحانه وتعالى: « هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبرا »، فإنها دالة على الكشف عن معنى خفي للأفعال، أي محاولة مطاردة أشباح الدلالة والتوق للقبض عنها وتعني أيضا العودة إلى أساس ومنبع الشيء، أيٍ كانت طبيعة هذا الشيء، قصد اكتشاف الدلالة واختراج المغزى، ولكن لفظة التأويل لا تشير دوماً إلى الرجوع إلى الأصل وإنما تفيد النظر إلى الأمام أيضا، من خلال بلوغ الهدف والغاية لتتحول لفظة التأويل من حركتها العكسية برجوعها إلى الأصل، إلى حركة متقدمة ومتطورة من خلال وصولها إلى الغاية والهدف، إذ تعني كلمة ” التأويل ” أيضاً في الاستخدام القرآني ” العاقبة ” في قوله تعالى: ﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ هذا ما عبر عنه أبو زيد في قوله: « كذلك يمكننا القول أن “التأويل” حركة بالشيء أو الظاهرة إما في اتجاه ” الأصل ” بالرجوع أو في اتجاه الغاية و” العاقبة ” بالرعاية والسياسة »، ليصبح التأويل بهذا الشكل عملية ذهنية خالصة، هدفها ادراك الظواهر.
وتجدر الإشارة بأن أبو زيد كثيرا ما يرجع الـتأويل إلى ” الاستبطان ” ويربطهما في حين يجعل من التفسير مرتبطاً بالنقل والرواية، هذا التمييز المنهجي والإيبستيمولوجي بين التفسير والتأويل يتضح أكثر في طريقة تعاملهما مع النص. كون أن التفسير دوماً يتم من خلال وسيط يمكننا من اكتشاف شيء ما، والوسيط هنا بتعبير أبو زيد هو ” التفسرة ” ويتمثل هذا في أسلوبي النقل والرواية بخلاف التأويل الذي لا يشترط وجود وسيط، إذ هو قائم على حركة الذهن في الرجوع إلى الأصل، كما في بلوغ الهدف والغاية ” العاقبة “.
يتحول أبو زيد من القول بنصية القرآن، أي من وصف القرآن ” كنص” إلى وصفه باعتباره ” خطاباً “، ويؤكد في كتابه ” التجديد والتحريم والتأويل ” بأن القرآن عندما نزل، لم ينزل في شكل نص كامل متكامل مثلما هو الحال الآن مع المصحف، وإنما نزل في شكل خطابات متقطعة، في سياقات مختلفة ولأسباب متعددة، « في عملية تقنين القرآن، أي جمعه وتدوينه وترتيبه في المصحف الذي لم نعرفه الآن ­ لم يتم الاحتفاظ بالترتيب التاريخي لهذه الخطابات، بل تم ادماج هذه الخطابات في وحدات أكبر ” السور” ثم ترتيب هذه السور وفق لأحجامها »، إضافة إلى أن القرآن أول ما ظهر، فإنه ظهر من دون نقاط ومن دون إعراب، ولم يتم هذا إلا بعد مدة من الزمن، كما هو حال مصحفنا اليوم معرب وبالنقاط، وهذا ما سبق وأن نوه إليه العديد من المفكرين العرب أمثال ” محمد عابد الجابري ” في خاتمة مشروعه نقد العقل العربي أو ” محمد أركون ” في دعوته إلى إعادة قراءة تاريخية العقل الإسلامي وفق أحدث مناهج علوم الإنسان والمجتمع في سعيه لتشكيل لاهوت إسلامي حداثي قائم على قيم الحوار والنقد والعلم. والأمر نفسه نجده عند ” محمد شحرور” الذي يتقاطع مع أبو زيد كثيراً خصوصاً فيما يتعلق بالتشديد على ضرورة إعادة ترتيب السور القرآنية بحسب ما نزلت عليه. ويخلص أبو زيد في الأخير إلى التأكيد على تدخل البعد الإنساني في عملية الوحي مثبة بذلك العملية التواصلية بين الوحي والانسان. إن النظر إلى القرآن بوصفه نصاً حسب أبو زيد يجعلنا نتجاهل الطبيعة الأصلية والتداولية للقرآن من حيث هو خطابات متعددة بتعدد السياقات المنتجة له، إذ تتأتى الحاجة إلى تجنب القول بنصية القرآن تفادياً لقتل حيويته التاريخية والثقافية، أو بتعبير أكثر دقة: « إن هذا التصور “النصي” يتجاهل حقيقة أن القرآن مازال يمارس وظيفته في الحياة اليومية للمسلمين بوصفه “خطابا” لا مجرد نص ».

***********************************

قائمة المصادر والمراجع:
القرآن الكريم.
نصرحامد أبوزيد، التفكير في زمن التكفير” ضد الجهل والزيف والخرافة”، مكتبة مدبولي، القاهرة.مصر، ط2، 1995م.
نصرحامد أبوزيد، نقد الخطاب الديني، سينا للنشر، القاهرة.مصر، ط2، 1994م.
نصرحامد أبوزيد، مفهوم النص” دراسة في علوم القرآن”، المركز الثقافي العربي، لبنان. المغرب، ط6، 2005م.
نصرحامد أبوزيد، هكذا تكلم ابن عربي، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط3، 2006م.
نصرحامد أبوزيد، التجديد والتحريم والتأويل ” بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط1 2010م.
نصرحامد أبوزيد، النص، السلطة، الحقيقة” الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان ط1، 1995م.
أبو يعرب المرزوقي، دور الفلسفة النقدية العربية ومنجزاتها ” موازنة تاريخية بين ذروتي الفكر الفلسفيتين العربية والألمانية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت.لبنان، ط1، 2012م.
عبد القادر فيدوح، نظرية التأويل في ” الفلسفة العربية الإسلامية “.

******************

ماجستير فى الفلسفة — جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف . الجزائر .

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...