الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار * يكتب حول :التجربة اليابانية

د.سامى نصار * يكتب حول :التجربة اليابانية

لا يشكك احد في ضرورة الاستفادة من التجارب العالمية في تطوير التعليم، فهذا شرط اساسي من شروط العيش في هذا العالم الذي تحكمه علاقات التعاون كما تحكمه أيضا علاقات التنافس حول امتلاك أسباب القوة بمختلف أشكالها: الصلبة والناعمة والذكية.
أقول هذا بمناسبة (الهوجة) الدائرة الآن رسميا وشعبيا حول المدارس اليابانية، فقد حملت الصحف أنباء عن الانتهاء من بناء 28 مدرسة وتجهيزها لاستقبال التلاميذ في مختلف المحافظات، وأعلن المسئولون عن نية الحكومة التوسع في هذا النوع من المدارس. وهذا اتجاه يبدو غريبا وجديدا أن تتبنى دولة ما، رسميا، استيراد نظام تعليمي من دولة أخرى ونشره في ربوعها على حساب نظامها التعليمي القومي. وهذا في حد ذاته تسليم وإقرار بفشلنا وعجزنا عن تطوير نظامنا التعليمي القومي، وإعلان بفتح الباب أمام استيراد مدارس أخرى قد تكون من سنغافورة أو سويسرا أو ألمانيا أو فرنسا او بريطانيا وهي دول تتفوق كلهاعلى اليابان في مجال التعليم حسب تقرير التنافسية الدولية 2016/2017، وكأنه لا يكفينا ما يعج به نظامنا التعليمي من مدارس متباينة الثقافات أصابت بنيته بالتشوه، وأهدافه بالتخبط.
ويلوح المسئولون عن المدرسة اليابانية، في وجوهنا، دائما بكلمة “توكاتسو” اليابانية باعتبارها كلمة السر التي ستحول أبناءنا إلى عباقرة، وستفتح أمام تعليمنا كل أبواب التقدم.وهي لا تخرج عن ماهو مطبق في كل دول العالم المتقدم والنامي من طرق للتعليم والتعلم تعتمد على اندماج الطالب في أنشطة تعليمية طوال اليوم الدراسي، وعلى المشاركة النشطة لأولياء الأمور في تعليم أبنائهم، وهذان عنصران أساسيان وشرطان لازمان لأي عملية تعليمية ناجحة أهملناهما نحن في مصر لسبب أو لآخر.
ولايشكك أحد في أن اليابان –ثقافة وعلما وتكنولوجيا- تأتي في مقدمة بلدان العالم التي يجب علينا أن نستفيد من تجربتها في مجال التعليم وغيره من المجالات. ولعل مايثير القلق هو ذلك الاحتفاء والاندفاع الرسمي بهذا النوع من المدارس انطلاقا من القبول الشعبي لكل ما يأتينا من اليابان باعتبار أن كل ما يأتينا منها قد أحسن صنعه. ولكن ما ينبغي الالتفات إليه هنا أن التطوير لا يكون بالنقل عن الاخرين بدون ترو والمسارعة إلى قطف ثمار ما غرسوا، وتقديمه لأبنائنا باعتباره مثالا يفوق المثال الوطني ويعلو عليه.
وإذا صدق هذا الكلام في عمومه، فإنه يصدق في خصوصه على التعليم، فلعل من أشد الأمور خطرا على ثقافة المجتمع وتماسكه هو استيراد نماذج تعليمية جاهزة من ثقافات أجنبية، وتزداد خطورة هذا الأمر عندما تكون الدولة هي المستورد لهذا النموذج، فهي بهذا تعلن تخليها عن مسئوليتها في تطوير نظام تعليمي قومي حديث لجميع أبناء مصر. وبما أن هذه النماذج ستكون متاحة لفئات دون غيرها في المجتمع- على نحو ما هوسائد في مدارس اللغات الخاصة بأنواعها ومستوياتها المختلفة، وحتى في المدارس التي تديرها الدولة كالتجريبية والنيل وغيرهما- فسيتضاعف الخطر ولن يقف عند حدود الاغتراب الثقافي، بل سيمتد إلى أن يصبح نوعا من التمييز الطبقي الذي يفرز بدوره نوعا من توزيع غير متوازن لعلاقات القوة في المجتمع على نحو يهدد السلام الاجتماعي.
إن تطوير التعليم في مصر لن يكون بنقل أنماط من المدارس من الدول المتقدمة ومنها اليابان، وإنما يكون بتدبر تجربتهم ومنهجهم في الإصلاح وبأخذ منه ما يفيدنا ويلائم ثقافتنا، وما نقدر على تنفيذه وحسن إدارته وتوجيهه لصالح مصر وبناء مواطنين مصريين، وإنتاج ثقافة وعلم مصريين على نحو ما فعلت اليابان على مدى تاريخها الحديث من استفادتها من مختلف الثقافات والتجارب بما فيها الثقافة المصرية.

****************************

*العميد الأسبق لكلية الدراسات العليا للتربية -جامعة القاهرة

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

تعليق واحد

  1. د.ارسانى جوزيف

    اتفق معك فى ضروره العناية وفحص ما يتم نقله لكن اسمح لى بالاختلاف معك فى التركيز على الطريقه لا المحتوى فكان من الأفضل الانغماس اكثر فى صلب الموضوع وإعطاء نماذج على ما يوجد فى هذا النظام من عناصر غير ملائمه للمجتمع والذى قد يهدد سلامته كما وصفت وأسمح لى أيضا بترديد ما قاله السير مجدى يعقوب فى احدى اللقاءات حينما سؤل عن الطريقه المثلى لنشر السلام فأجاب قائلا العلم فبداخل المعمل الكل يبحث عن الحقيقه فلا وقت لكراهية احد لأخر او السؤال عن خلفياته الكل منهمك فى البحث عن الحقيقه……فالمشكلة ليست فى اى نظام يتم نقله وإنما كيف سيتم استخدامه