الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. سامي نصار * يكتب : وزير الفرانشايز والإصلاح بالمقلوب!

د. سامي نصار * يكتب : وزير الفرانشايز والإصلاح بالمقلوب!

 

أبى الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم أن يمر علينا عيد الأضحى دون أن يرسل إلينا بعيدية على صفحات أخبار اليوم يوم السبت الماضي. وسأتجاوز –لضيق المساحة- عن استعراضه للقوة وتأكيده طوال حديثه عن تأييد الرئيس السيسي له في كل ما يفكر فيه، وتصريحاته المستفزة باتهامه كل من يعمل معه في وزارة التربية والتعليم بأنه “حرامي أو حرامي ومش كفء” على حد قوله. وما يهمني هنا، وهو الأشد خطرا، منهجه في إصلاح التعليم الذي يعكس هيمنة فكر الليبرالية الجديدة و الرأسمالية المتوحشة، ويتجلى ذلك في أمرين:
الأمر الأول: النزعة التجارية في إصلاح التعليم: ” فلا يوجد شئ ببلاش” وهو يقصد التعليم طبعا، ومن ثم فهو يهدر حقا أصيلا أقره الدستور لكل أبناء مصر في التعليم المجاني في جميع المراحل. وقد اختار سيادته أكثر الطرق فجاجة وقسوة لخصخصة التعليم، وهي أن يبيع (حقوق) التعليم المصري لمراكز الدروس الخصوصية أو ما ارتأى سيادته أن يطلق عليه مراكز التدريب. وهي طريقة في البيع أقرب إلى بيع العلامات التجارية بين الشركات والدول، او مايطلق عليه الفرانشايز. وإذا جاز هذا في عالم الصناعة والتجارة فإنه لا يجوز في مجال التعليم. وإذا كنا نشكوا من تشوه بنية نظامنا التعليمي بما يضم بين طياته من نظم فرعية ، وبما يظهرعلى جسده من نتوءات متعددة ومتنافرة ومتضاربة من حيث الفلسفات والأهداف والمناهج واللغات، يأتي اقتراح سيادة الوزير بإنشاء مراكز للتدريب موازية للمدارس، وأنقل هنا نص كلامه “سأجعل بزنس مصري يعمله… أنا سأضع لهذا السنتر المواصفات المطلوبة والمصاريف… وسأعطي له الكتب وسأختم له عليها… ويأخذ من عندي رخصة تشغيل ويدفع ضرائب…وسيستفيد الجميع نحن كوزارة والطالب والمدرس … وسيكون تحت أعيننا.. وسيكون لنا فيها نسبة”
وهنا أتساءل هل يختلف هذا عن الفرانشايز في مجال الصناعة والتجارة عندما تبيع (حقوق) التعليم لمراكز تدريب مجهولة الهوية في مقابل نسبة من المال؟ وهل ستحمل مخرجات هذه المراكز العلامة المميزة للتعليم المصري أم سيحملون العلامة التجارية للشركات التي ستنشئ هذه المراكز وتدير العملية التعليمية فيها وفق أجنداتها الخاصة؟ وهنا هل سيكون في مقدورنا أن نتحدث عن هوية ثقافية وقوة ناعمة مصرية؟ وأخيرا.. هل سيكون للفقراء من أبناء الوطن مكان في هذه المراكز أم لم يعد هناك شئ “ببلاش”؟

الأمر الثاني: تهميش الرؤية المجتمعية وتغليب النزعة الفنية: وهنا يسير منهج الإصلاح- إن كان ثمة منهج- بالمقلوب. فسيادته يرى أن لديه “خطة للإصلاح تنقصها مفوضية تتابع الأطروحات التي تنفذها وزارة التربية والتعليم ولا تؤلفها”. أي أن سيادته وضع العربة أمام الحصان كما يقول المثل، فهناك خطة لإصلاح التعليم يلزم لها مفوضية. والمستقر في كل دول العالم أنه عندما تتشكل المفوضيات على المستوى القومي لمواجهة أمر ما أواتخاذ قرارات استراتيجية في مجال بعينه، فإنها، بحكم تشكيلها من كل القوى السياسية والاجتماعية وأصحاب المصلحة، تعكس الأهداف القومية العليا، كما أنها تكون مستقلة عن الوزارة أو الأجهزة التنفيذية للدولة، وتتولى وضع السياسات والخطط وتتولى الوزارة التنفيذ. ولكن ماجرى ويجري يعكس تلك النظرة الفنية لإصلاح التعليم والتي لا تلقي بالا للسياق المجتمعي الذي سيتم فيه الإصلاح ولا لأصحاب المصلحة من الجماهير الفقيرة التي لم يتكرم سيادته بزيارة مدارسها مكتفيا بما زاره من مدارس أثناء عمله باليونسكو، وأنه على المطالبين بمجانية التعليم “ألا يفتحوا أفواههم بكلمة انتقاد واحدة” لو رأوا 140 تلميذا في الفصل.
لا ياسيدي، من حق المواطن أن يتعلم وأن يشارك في اتخاذ أي قرار يمس تعليمه أو تعليم أبنائه، وهذا هو مبدأ المشاركة الذي تدعوا إليه منظمة اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية، وهي كما تعلمون تطالب الدول بتوفير تعليم جيد وعادل للجميع دون تمييز أو إقصاء لأي سبب كان، وهذا واجب الدول تجاه مواطنيها، وهو ما يتوجب عليكم العمل على تنفيذه في إطار رؤية محددة الأهداف والمراحل والمستلزمات المادية والبشرية، رؤية تعكس توق المجتمع كله لحياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقا غير قابل للبيع أو الإيجار بقرار فني و فوقي.

******************

*العميد الأسبق لكلية الدراسات العليا للتربية -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...