الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمة الحصى *تكتب:عقدة أركون !

د.فاطمة الحصى *تكتب:عقدة أركون !

 

مرت ذكرى رحيل المفكر الجزائرى محمد أركون فى صمت ، لم أسمع عن ندوة حول فكره أو إحياء لذكراه فى أى بلد من بلاد المشرق العربى أو المغرب العربى.
والحقيقة أن هذا قد لفت انتباهى الى تساؤلى الدائم حول السر وراء كراهية المثقفين العرب لمحمد أركون ، حتى أننى منذ بدأت فى الغوص بعض الشئ فى كتاباته ، ومنذ أعلنت لأساتذتى بأننى سوف أدرس فكره وأنا اصطدم بتعليقات ورفض لهذا الرجل لا افهم لها سببا .
فما السبب وراء كل هذا البغض لرجل لم يكره أحد ولم يشغل نفسه بأحد اللهم علمه ودراساته وأبحاثه فقط.
البعض يعتقد أننى متحيزة لأركون وقد أتهمنى أحدهم بأننى أسعى الى تقديسه أو تأليهه ، وهو ما أنفيه تماما وذلك لأن منطلقاتى الأساسية على رأسها الايمان بأهمية دراسة مفكرينا العرب وتحليل كتاباتهم واستكمال مشروعاتهم التى بدأوها ،وإنصافهم سواء بالنقد واستخراج الأسس التى بنوا عليها فرضياتهم وتحليل كل كتاباتهم للخروج بنتائج حول مدى جديتها من عدمها، وما دون ذلك يصبح كالدائرة المغلقة التى ندور فيها ولا تُسفر عن أى تقدم .
لقد ساءنى كثيرا أن أحد كبار المثقفين وبّخنى على اختيار أركون مادة لبحثى للحصول على شهادة الدكتوراه لا لشئ الا لأنه مستشرق جزائرى وليس مصرى ، وقد كان ردى أننا نحيا على أرض مشتركة لغة ودين وهوية فلو أننا هيأناها وزرعناها زرعا جيدا لأورَقت على العرب أجمعين ،ولتغير الواقع الأليم الذى تحياه الدول فى العالم العربى .
وقد أرسل إلىّ أحدهم برساله مؤداها أننى كنت أتمنى أن يكون موقعكم (يقصد موقع ومجلة هوامش تنوير ) ذو وجهة أخرى غير تلك التى تتبنون فيها فكر “الكفار” وعلى رأسهم محمد أركون !! وقد صدمنى هذا القول خاصة وأنه خارج من فم من يُحسب على رأس الثقافة العربية ..
أما رسالتى للدكتوراه فقد واجَهت جلسة علمية عاتية بسمنار كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة ،حين وقف أحد الباحثين لُيدلى برأيه فى عنوان البحث قائلا “محمد أركون كاتب اسلامى لا يمكن دراسته كتربوى لأنه لم يكتب كتابا واحدا حول التربية ولهذا أنصح بعدم الاستمرار فى هكذا موضوع” ولولا اصرار أستاذتى الدكتورة نادية جمال الدين على أن استكمل ما أود حقا دراسته ما كان لهذا البحث أن يكون حيا فى يوم من الأيام !
الكل اذن ضد أركون!!
! لماذا ؟؟ لا أحد يفهم أو يستوعب
وهكذا يواجه فكر الرجل مقاومة من الجميع….
وفى الحقيقة أننى لاحظت فى الجلسات العلمية والمناقشات المختلفة أن البعض قد يسمح لك كمتحدث بمدح الجابرى أو حسن حنفى أو نصر حامد أبو زيد ، ولكن أن تمدح أركون فعليك أن تجهز نفسك لحملة من الاتهامات التى يكيلها لك مستمعييك من كونك تُؤله شخص أركون وتقدسه وأنك لا تمارس الحيادية وأنك مريض بمرض الباحثين الذين يقعون فى غرام من يدرسونه من مفكرين الخ … وقد تقع مع مستمع لك يتهمك بأنك كافر وملحد مثلك فى ذلك مثل من تتحدث عنه وهو فى هذه الحالة محمد أركون !!
وقد قادتنى دهشتى تلك الى أن السبب الرئيسى فى كل هذا الخلل -ان صح التعبير- فى تناول فكر محمد أركون هو أن هذا المفكر الكبير قد سّبَب للغالبية العظمى من مثقفى العالم العربى أزمة فكرية ، حيث يعانون من عدم امتلاكهم القدرة على الجلوس الى مكاتبهم وقراءة كتبه قراءة متأنية وناقدة ، لذا يلجأون إلى تلك الحيلة من إلقاء التهم عبر بعض المقالات والكتابات الركيكة مثل تلك التى أصدرها بعض مشايخ اشتهروا من خلال الصعود على أكتاف أركون بسبه وقذفه فى كتب لا تُسمن ولا تُغنى عن جوع.
أى أن محمد أركون قد سبب عقدة نفسية لدى البعض ممن ثقلت كتاباته على عقولهم ، فهاموا فى الأرض سبا وقذفا فى الرجل بحق وبدون حق .
ولكنى فى هذه الحالة لا أقول لهم سوى الايه القرآنية الرائعة (إن الله يدافع عن الذين آمنوا )صدق الله العظيم ، وها هو الله يرسل من يدافع عن بعض أفكار محمد أركون وهو راقد فى سباته لا حول له ولا قوة من باحثين وقراء لا يدرى أحد كيف تقع كتابات أركون فى أيديهم ويتبنون أفكاره ، بل ويؤمنون بها ويدافعون عنها ، ولهذا أقول كلمة حق أن ظنى الدائم أن هذا الرجل قد أخلص العمل ودافع عن الاسلام حيثما ذهب وسعى للكشف عن جوانب الاسلام الحقيقية من حق وخير وعدل وتسامح وإخاء، وسعى إلى إظهار الجانب المضئ للإسلام ولهذا أوكل الله من يدافع عنه فى غيابه .
*************************************

*دكتوراه فى أصول التربية -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

2 تعليقان

  1. وفى الحقيقة أننى لاحظت فى الجلسات العلمية والمناقشات المختلفة أن البعض قد يسمح لك كمتحدث بمدح الجابرى أو حسن حنفى أو نصر حامد أبو زيد ، ولكن أن تمدح أركون فعليك أن تجهز نفسك لحملة من الاتهامات التى يكيلها لك مستمعييك من كونك تُؤله شخص أركون وتقدسه وأنك لا تمارس الحيادية وأنك مريض بمرض الباحثين الذين يقعون فى غرام من يدرسونه من مفكرين الخ …

    لم يمدح في مجتمعاتنا سوى الجابري وعلى مضض حسن حنفي اما اركون ونصر ابو زيد وجورج طرابيشي وغيرهم ممن قاموا بتفكيك التراث لا يمدحون فمازلت تسيطر علينا الذهنية الأشعرية وجميعنا يحاول

    • اتفق معك اخى الكريم ان العالم العربى لم ينصف احد من مفكريه ولكن يُخيل لى أن بعض من ساندتهم بعض المؤسسات العلمية أو الحكومية قد يكونوا فى مأمن -ولو قليل- من هذا الغبن..وفى النهاية لهم كل الشكر والتقدير على محاولتهم المخلصة للنهوض بمجتمعاتهم …
      لك شكرى وتقديرى على قراءتك