الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. فوزية ضيف الله *تكتب : قراءة رواية (يحدث في بغداد) لرسول محمَّد رسول

د. فوزية ضيف الله *تكتب : قراءة رواية (يحدث في بغداد) لرسول محمَّد رسول

أنطولوجيا الحدث وفنتازيا الكتابة

“النصّ الجامع نصّ مسكون بأصوات الغير”
(باختين)

 

 

“يحدث في بغداد” هي رواية للفيلسوف والروائي والناقد العراقي رسول محمَّد رسول. صدرت الرواية بالقاهرة عن الدار المصرية اللبنانية سنة 2014. جمع عنوان الرواية بين كلمتين يتوسطّهما حرف الجر الدال على المكان “في”، تدل الكلمة الأولى “يحدث”، وهو فعل مضارع يدل على الحدوث لا في الماضي فحسب؛ بل كذلك على امكان استمرارية الحدوث في المستقبل القريب. أما الكلمة الثانية فهي “بغداد” مسقط رأس الراوي، وعنوان انتمائه وأصله ونشأته، وهي مكان الحدوث.
إن ما يحدث في بغداد، هو ما يرويه الرائي، وما يرويه الراوي هو ما يحدث في نفسه من ألم وحزن على بغداد. هاجر الرائي من بغداد إلى مكان يمكنه أن يحارب فيه بقامه وبفكره، فلا يزال رغم بعد المسافات يتكلم على لسان أهلها، يتكلم بها وعنها ولها.
يدلّ الفعل “يحدث” على الجانب الفعلي الحيّ والواقعي في الحكاية، وهذا الأمر يعضده ويُقوّيه الحضور القويّ للمكان “بغداد”. يُحدث العنوان منذ سماعه أو نطقه للوهلة الأولى “نغما مفجعا” وموسيقى ممتلئة بالشجن، هي الموسيقى التي عزفت على أرض العراق وانسكبت في غناء دامٍ، موسيقى ارتوت من دمار العراق، من دماء الأطفال الأبرياء. لذلك فإنّ العنوان، ورغم إيجازه، يخفي وراءه ألغازاً وأحداثاً كبرى.
إنّ “يحدث” ليست فعلا يحدث وحيداً وإنما يحدث في صيغة الجمع، وبغداد هي موطن الحدث الموجع وتكون الأحداث المتتالية صدى لهذا الحدث الأوّل. فعبارة “يحدث” تجمع أحداثا، كما تتداخل في هذه الرواية الواحدة روايات عدّة، لكنها روايات يكون لها دوماً رجع الصدى سواء إلى المؤلِّف الأصلي لـ”يحدث في بغداد” أو الراوي “سعيد” الذي يروي لنا حكاية صديقه “مرهون الشاكر” صاحب رواية “ينحني الصابر للوجع” أو رواية “مرهون” نفسه التي سرقت زوجته “نهى” فصلاً كاملاً منها وتتركها مبتورة,
يكتب رسول محمَّد رسول روايته “بخيال واقعي” أو بواقع متخيَّل في الرواية لكنه حدث في الواقع. معنى ذلك أنه لم يحرم القارئ فرصة الارتحال عبر الخيال ليوصل إليه الحدث الأنطولوجي في بغداد. لنا إذن صورتين؛ صورة أولى هي ما حدث ويحدث حدوثاً واقعياً في بغداد، وصورة ثانية تتمثل فيما يحدث في خيال المؤلِّف “رسول محمَّد رسول” أثناء محاولة تصويره للحدث الأنطولوجي عبر “الفنتازيا” المتخيَّلة.
والوجع والتنوير
إن هذا الجمع بين الصورتين أو بين تقنيتي الوصف والتخيل جعلتا الرواية تجمع بين ما هو تراجيدي وما هو درامي، أو أنها أظهرت لنا “انحناءة” الصابر للوجع في هيئة جميلة لا توحي بالرضوخ والتسليم؛ بل بالاستمرار في الدفاع عن الشرف والأرض والعرض بطريقة ما، وهذه الطريقة هي الكتابة نفسها.
تصبح الكتابة عن الوجع ضرباً من “الجراحة التجميلية” أو ضرباً من “المعالجة النفسية” يصطحب فيها المؤلف قارئه كما يصطحب فيها نفسه. لذلك نلاحظ حضوراً قوياً للمؤلِّف وإن كان هذا الحضور خفياً، فغالباً ما تتواتر بعض العبارات التي تؤكِّد التكوين الفلسفي للمؤلِّف، والانهمام المفرط بالمشاكل التي تعانيها الرواية والنقد الروائي والأدبي عامّة. فقد كان رسول يكتب الرواية بنفَس فلسفي وتأويلي أضفى على الحدث الأنطولوجي مسحة من المؤانسة الفلسفية قد تنفع القراء غير المطلعين على هذا الفكر أو ذاك، ولعلّ في ذلك غاية دفينة لم يفصح عنها المؤلِّف وتتمثل في تنوير العقول، فتكون للرواية حينها غاية تنويرية إلى جانب الغاية التنفيسية.
إننا عادة ما نلجأ إلى قراءة الروايات لكي نرتاح، غير أنّ هذه الرواية – على غير العادة – تؤرّق مضجع من شرع في قراءتها، لكونها “تدفع إلى التفكير” (هيدغر) في العديد من المسائل، إنّها سؤال عن “المسكن”: أين أسكن إذا سقطت ماهية السكن نفسه؟ عن “الموطن” ما هو موطني؟ هل لي وطن؟ عن الموْجد (Dasein)، من سيفهم؟ من هو القادر على الفهم؟
الوجود المفقود
إنّ من يقدر على فهم “الحدث” – حدث سقوط بغداد – هو من سيقدّر على الاستمرار في الوجود، وهو من سيقدر على السكن، لكونه سيُوجد لنفسه سكنا من الفكر الذي يحدث الآن وهنا. إنّ ما يحدث لا يحدث في بغداد فقط؛ بل يحدث في فكر وفي نفس وفي خيال المؤلِّف سواء عند النوم أو عند اليقظة. فدلالة الحدوث غير الخاضعة لشرط الزمان، هي دلالة مترفعة عن الزمان وإن كانت ملتزمة بطابع الوجود، هي توجد في الزمان وتحدث في الزمان غير المتعين، هو “زمان الوعي الباطني” (هوسرل)، أو هو زمان الديمومة المحدوسة (برغسون).
فعندما يتحدّث رسول محمَّد رسول عن هذا “المسكوت عنه” (l’ineffable)، إنّما يشير إلى ذلك “الصوت الذي بحّ”، الصوت المنبعث من وجود اهترئ وانكوى ساكنوه بلوعة الفقد والموت في أبشع صوره. تصور الرواية أشكال الاستبداد، أشكال “السكن المسلوب”، وتندِّد بصور الفراغ الذي أصاب المكان؛ هو فراغ مرئي وفراغ روحي؛ بل هو الخراب الذي سرى في البلاد وفي العباد، وتسلل إلى أرواح الأحياء والأموات؛ تسلل الخراب إلى كُل شيء إلى الحدِّ الذي صار فيه هذا الخراب من جهة كونه “عدما” (rien) هو الموجود (Etre. قد نتذكّر هاهنا محاضرة هيدغر “لم ثمّة موجود بدلاً عن العدم (1929)؟” فنقول: إنّ هذه الرواية تسأل عن وجود العدم حيث كان ينبغي أن يوجد “الوجود”.
الوجود والعدم وجهان لبغداد، ومريم ونهى، وجهان لبغداد أيضاً. مريم هي زوجة سعيد، وسعيد هو صديق مرهون الشاكر وزميله منذ أيام الدراسة. سعيد يروي لنا في الرواية قصة صديقه مرهون الذي ماتت زوجته وحبيبته “فاطمة البصري” فتزوج “نهى” زواجاً دون روح، فكان تعيساً، كان مرهوناً بالفعل، فهو مرهون لمبادئه، لأمه، لحبه الأول، مرهون للعراق السعيد، مرهون لكتبه ورواياته.
لقد كان مرهون “مرهونا” لكنه رغم ذلك كان “شاكرا”، ولذلك سمّاه المؤلف “مرهون الشاكر” وأهدى له الرواية لمّا ضمّن نفس الاهداء الذي وضعه مرهون على مخطوط روايته “ينحني الصابر للوجع”. فكان الإهداء كالتالي: “إلى أمّي…لا ترحلي عنّي….سامحيني…(“مرهون”).
عدم ووجود
أمّا سعيد، فكان سعيد فعلاً لأن زوجته مريم أو “مريوم” – كما يحلو لسعيد أن يناديها – تمثل “مريوم” صورة المرأة الشريفة، المرأة الصبورة، المحبة والمخلصة، نقيّة النفس، خالصة السجيّة، مُطيعة ومِعطاء. ترمز “مريوم” إلى وجه العراق الجميل، لذلك فهي التي تدلّ على “الوجود” الممتلئ والشفاف والنقي والطاهر، هي صورة العراق قبل أن تطأه الخونة وتتطاول عليه الدسائس من كُل جانب.
أمّا “نهى” فهي الزوجة الثانية لمرهون الشاكر، واسمها يدل على انتهائها ونهايتها، فهي وجه “العدم” الأكبر، رمز العراق الخائن، العراق الذي تناوب عليه الخونة فقد اقتدرت على أن تجعل جسدها مطمعاً لرجل الأمن وللإرهابي في اللحظة الواحدة.
إنّ “نهى” هي صورة “الوطن المسروق”، “بغداد المخدوعة”، هي صورة “العراق الخائن، لذلك سمّاها “نهى” في رواية سعيد للقصّة، وسمّاها مرهون الشاكر في روايته التي يتحدّث فيها عن وجعه وخيانة زوجته له “سهى”. لذلك، كان لا بدّ أن تنتهي “نهى” في الواقع، في واقع مرهون الشاكر، وإن حاولت سرقة الفصلين اللذين يتحدَّث مرهون عنها في روايته الداخلية “ينحني الصابر للوجع”.
لقد أنهى رسول محمَّد رسول على “نهى” في روايته، لأنه يريد أن ينهي على صورة “العراق الخائن” وتعيش فقط صورة العراق الوفي المتمثل في “مريوم”. كما أنهت “نهى” نفسها بنفسها؛ فقد كانت منذ البدء غير مسؤولة عن نهاياتها لكونها فاقدة للمبادئ، فكانت نهايتها كارثية أفضت إلى تفجير نفسها، بعد أن دنس أرضها إرهابي كافر بالحياة، ورجل أمن كافر بالوفاء لوطنه.
إنّ رواية (يحدث في بغداد) هي رواية لكلّ “مراهين” الحرب، والموت، والفقد، والوجع، هي رواية تهتزّ لها كُلّ “مرهونات الدنيا”، وتفرح بها كُل “مريومات الزمان”. رواية تنقد واقع الارتهان والرهينة، واقع الأقلام المرتهنة والمغتصبة، واقع الروايات المسروقة.
لقد اغتال الخونة الأرض والعرض، السكن والحلم، العَلم والعِلم، اغتالوا حرية الصوت وحرية القلم، حرية الكلمة وحرية الرسم. ليس للمفكِّر من سلاح آخر غير قلمه، لذلك ظل “مرهون” حتى بعد وفاته حرّا، فكان قلمه يحرّر من ارتهن معه أو بعده.
أمّا “مرهون الصغير”؛ الابن الذي أنجبه سعيد بعد انتظار طويل، وسمّاه على اسم صديقه المتوفى “مرهون الشاكر”، فهو دلالة على “الحُلم”، حُلم المؤلِّف بانبثاق “فجر جميل”، فجر طلائعه المحبة والوفاء، ومبادئه النضال والصبر.
جمعت هذه الرواية بين جانب واقعي يروي أحداثاً متراصة تراصاً أنطولوجياً، وصوراً بناهها الخيال، غير أنّ الخيال لم يكن منفصلاً عن تصوُّر الواقع فقد أبدع الروائي في جعل الواقع يُبنى عبر “خيال واقعي” ليبتعد عن السرد الساذج الذي يروي الأحداث كما هي.
لقد جاءت الرواية مُحمّلة بدلالات أنطولوجية، لكنّ المؤلِّف أبدع في إخراجها إخراجاً فنياً تدعمه فنتازيا الكتابة. إنّ الكتابة في هذه الرواية تتشكّل كوجع جميل، كُلما تمكنّا من تشخيصه وتجميله تعافى واستراح. لذلك كانت الرواية مشحونة بالرمز والمعنى، جاعلة من المغزى حاضراً حضوراً مكثفاً لكنه غير جليّ؛ وهو ما يجعل الرواية قابلة لأن تقرأ مرّات عديدة، ففي الاجترار ما يجعل من القراءة حاملة لتأويلات جديدة.

************************************

*جامعة  تونس المنار

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...