الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.ناريمان يوسف تكتب*: قصتى مع الشروق **

د.ناريمان يوسف تكتب*: قصتى مع الشروق **

(1)
شروق .. شقيقيتي ..طفلة في العقد الخامس من عمرها .. نعم العقد الخامس .. فهي تحمل هذه الإعاقة الذهنية التي تسمي ” الطفل المنغولي” ، وهي كما قال لي طبيب تونسي كنا نعالج عنده ” إنها ألطف إعاقة خلقها الله ” ، فعلا هي كائن لا يحمل لك الإ البشاشة والسرور والنقاء .. روح شفافة كما الهواء .. تري أشياء لا نراها .. وتتوقع أحداث غريبة ، وتتنبأ بأمور أحيانا لا نرجوها ، عاطفتها جياشة بالحب والبهجة حتي لشخصيات لا نراها .. وهي وحدها تراها ..هي مركز عائلتنا .. مركز الإهتمام والعطف والحنان والبسمة الحلوة .. ونتساءل أحيانا كيف كانت ستبدو حياتنا بدون وجود شروق فيها .
بدأ تعاطفنا وحبنا لشروق منذ اليوم الأول لمعرفتنا أن أمي حامل في طفل يبعد بينه وبين آخر العنقود بحوالي 12 سنة ( اثني عشر سنة ) .. كانت مفاجأة لم ننكرها أو نخجل منها ، تقبلنا بصدر رحب فكرة وجود كائن صغير نلعب به نحن الكبار ، كنا قد استقر رأينا علي اسم خلود للبنت ، لكن يوم مولدها كان يعرض فيلم ” شروق وغروب” وكنا نعشقه مثل كل جيلنا ، وفجأة تحول رأينا الي اسم شروق .. كانت صغيرة الحجم .. دقيقة الملامح وجميلة .. وشعرها أسود ينساب علي جبينها بغزارة .. حملناها جميعا بفرحة ، كانت ضيف عزيز استقبلناه بحب وود وترحاب.
مرت الايام ونحن سعداء بهذا الضيف الدقيق .. ورغم انشغالنا في الدراسة كنا نتوق الي العودة الي المنزل لنراها ونداعبها ونضحك لأي حركة تصدر عنها ، كانت هادئة وقليلة الحركة وصوت بكائها ضعيف .. كنت أشعر أن قلبي ينفطر حين أسمعه .. ولا أهدأ الا بعد أن يتوقف بكاؤها ، بعد عدة شهور .. في يوم ما كانت مريضة وتتنفس بصعوبة .. ثم لاحظنا أن لون وجهها بدأ يتحول تدريجيا الي لون أزرق .. حملتها في سرعة الي مستشفي قريب ودموعي تسبقني .. وحين وضعتها علي طاولة الكشف كان لونها قد تحول الي اللون الأزرق الداكن وبسرعة امر الطبيب بإحضار أنبوبة أكسجين ووجهها الي انفها ووجهها ، وبفحصها تبين أن لديها حساسية شديدة في الرئتين وثقب في القلب مولودة بهما ، وصلت أمي الي المستشفي وأمضت الليلة الأولي معها وهي توجه الي أنفها الأكسجين ، لم تنم أمي ليلتها خوفا ان تنام ولا يصل الأكسجين اليها ، وفي ساعات الصباح الأولي مرت عليها الطبيبة المناوبة وتحدثت الي أمي وقالت لها كلمات قاسية وذهبت .. وحين ذهبنا اليها وجدنا أمي تضع شروق في “حجرها” وتنظر اليها والدموع تنساب منها ، وفي حالة نفسية سيئة لم نرها عليها من قبل ، وحكت أمي بصعوبة ما قالته لها الطبيبة , قالت : “هي دي بنتك ؟ هي دي اللي طول الليل بتوصلي لها الأكسجين ؟ الأفضل تدعي أنها تموت .. بنتك متخلفة عقليا .. وح تفضل كده طول عمرها “.

 

(2)
لم تسعفنا ثقافتنا الطبية في إدراك ما تعنيه هذه الكلمات ! كانت المرة الأولي التي نسمع فيها عن التخلف العقلي .. ولم ندرك معناه الإ بعد أن عرضناها علي أطباء آخرين أكدوا لنا ماقالته الطبيبة ، ولم تصدق أمي وذهبت الي مستشفي الدمرداش .. كانت المستشفيات الحكومية حتي السبعينات حصن أمان وضمان أكثر للشفاء وموضع ثقة المصريين ..فيها تجد كفاءة الفحوصات ..ومهارة التشخيص .. والعلاج المجاني من أي نوع .. وهناك قال الطبيب لأمي : “أنت لازم تفرحي .. دي نعمة من عند ربنا .. هي محتاجة منك بس الحب .. تحبيها وتراعيها وستجدي ملاك حولك “.
وشرح لها كيفية الإعتناء بها ، وأوصاها أن تواظب في الحضور الي القسم للعناية بها ومساعدة أمي علي علاجها من الأمراض المصابة بها وهي حساسية الصدر وثقب القلب ، وتأخر ظهور الأسنان والقدرة علي المشي .. وبالفعل لم تستطع شروق المشي الإ في سن ثلاث سنوات وبمساعدة قسم الأطفال عن طريق حقنها علي فترات منتظمة بأدوية أعتقد كانت منها الكالسيوم .
تحول شروق من طفل عادي الي طفل منغولي ضاعف حبنا لها .. والذي تجاوز مشاعر الشفقة .. وبدأنا نعرف أكثر عن حالتها .. فقد تبين أن هذه الحالة تحدث نتيجة لإختلال في نظام الكروموسومات التي خلق الله الإنسان علي اساسها ، وتشكل الصفات الوراثية 80% من الأسباب ، والنسبة المتبقية ترجع الي أسباب أخري منها كبر سن الأم أو سوء تغذيتها ، تعاقب الولادات ، وأيضا استخدام العقاقير أثناء الحمل أو التعرض للأشعات . الغريب أن الله اختصهم بشكل موحد .. فغالبيتهم لهم شعر كثيف وناعم جدا ، أياديهم صغيرة وممتلئة ، والأصابع قصيرة ويحدث أحيانا أن يكون خنصرها مكونا من عقدتين فقط لا ثلاثة كالطفل العادي ، كما أن اللسان يكون كبيرا وغالبا يتدلي من فم الطفل ، وعيونهم مسحوبة مثل عيون الصينيين او اليابانيين ، علي أن هناك دولة تسمي منغوليا شمال الصين ، يرجع مسمي ” الطفل المنغولي” اليها ، أما كلمة ” تخلف عقلي” فهي تشير الي تأخر الطفل في النمو والكلام والتفاعل مع من حوله .
بعد سن الثامنة بدأنا نبحث عن مدرسة خاصة لحالة شروق .. في تلك الفترة لم يكن هناك الا مدرستين متخصصتين فقط أحدهما في حلمية الزيتون وكانت تحصل علي دعم مالي وفني من اليونيسكو ، وأخري في حلوان ، وكانت الأقرب لنا مدرسة حلمية الزيتون وكان لها اسم غاية في الرقي : مدرسة التنمية الفكرية . كان لإلحاق شروق بالمدرسة ضرورة أن نجري لها اختبار ذكاء خاص .. نظرا لأن هذه الإعاقة لها مستويات أربع ، الإعاقة الذهنية البسيطة ومعدل ذكائها يتراوح ما بين 55- 70 نقطة ، والإعاقة الذهنية المتوسطة يتراوح معدل ذكائها ما بين 40-54 نقطة ، أما الشديدة فيتراوح معدل الذكاء لها ما بين 25- 39 نقطة ، والإعاقة الشديدة جدا أو الجسيمة فمعدل ذكائها من 24 نقطة فأقل ، ويبدو أن الحب والحنان الذي تمتعت به شروق معنا أدي الي سرعة نموها وتطورها حيث كان معدل ذكائها 65 نقطة .

 

(3)
نشأت بيني وبين شروق علاقة خاصة ، حتي ونحن مع كل الاسرة ، كنت صبورة عليها .. وكانت مستجيبة لكل توجيهاتي الهادئة لها .. ونظرا لإنشغالي في العمل كانت تختصني بكل الاهتمام والجلوس معي طوال الوقت الذي أتواجد فيه .. ولا أنسي ابدا كم كانت ظريفة وهي تقترب مني خلال الصلاة ، وتعرف أنها تغامر بذلك .. فتجلس علي ركبتي وانا اتلوا التشهد .. وأظل انا ساكنة .. كاتمة للضحك .. وهي تضحك وتقبلني في خداي .. وأظل ساكنة حتي تفرغ من مغامرتها لأكمل الصلاة . وأيضا لا أنسي كيف تعودت كل يوم جمعة أن أعد صينية عليها طعام الإفطار واناديها لتجلس معي أمام التليفزيون لمشاهدة برنامج سنيما الأطفال ، وفيما بعد تعودت كل جمعة أن تذكرني بذلك فتقول لي : ” أطفال لالا أطفال ” (لالا هو اسمي في البيت) ، ثم مرت عدة سنوات ابتعدت فيها عن شروق بجسدي لظروف العمل في الخارج .. كانت شروق خلالها تحت رعاية شقيقتي إيمان الطالبة في كلية الطب ، وكانت لا تقل عني حبا ورعاية لها .. كما ساعدتها دراستها في أن تساهم أكثر في تأهيلها وتطويرها إضافة الي علاجها من أي امراض طارئة ، وبالفعل جراء هذه العناية اصبحت شروق ببنية أقوي ومقاومة أكثر للأمراض ، كما التئم ثقب القلب بمرور الايام كما قال الاطباء . وقامت أمي بدور هام أيضا فقد حاولت أن تنقل لشروق تفاصيل العالم حولها .. فعلمتها الألوان ، أيام الأسبوع ، فصول السنة ، ما معني الأعياد وعلاماتها ، الأعداد ، وغيرها من المعارف البسيطة لتكون أكثر ادراكا واندماجا مع العالم حولها .
في اوائل التسعينات عدت لقضاء فترة العمل بالمقر الرئيسي بالقاهرة قبل النقل مرة أخري للعمل بالخارج ، وكانت أمي في حالة مرضية سيئة تحتاج للرعاية والعناية ، كانت فترة غاية في الصعوبة ، وعندما اقتربت أمي من النهاية ظلت توصيني بالحفاظ علي شروق .. والا أتركها مع أحد .. فهؤلاء الاطفال أكثر عرضة للإعتداء من الآخرين ، فهم ضعفاء لا حول لهم ولا قوة .. لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم ، ولا يمكنهم التعبير عن الآمهم .. ولا يمكنهم حتي الشكوي من أي شخص يسبب لهم أي ضرر ،، كانت أمي توصيني فهي بقلب الأم تحاول أن تحميها حتي وهي بعيدة .. رغم أننا حرصنا علي تنبيه شروق الا يمسها أحد .. واستخدمنا في ذلك طرق بسيطة ورمزية للتعبير عن ذلك ، وهو ما ساعدها فيما بعد أن تكشف بعض الاحداث التي حدثت لها في المدارس التي ذهبت اليها ولكن الحمد لله لم تتضرر منها كثيرا ..وعالجتها مع مدرسيها.عندما توفيت والدتي – رحمها الله – كان من المسلم به أن تكون شروق من نصيبي .. كنت عازمة الا أتركها لزوجة أخ أو زوج أخت ، ورغم أن ظروف عملي تضطرني للسفر والإقامة سنوات طويلة في الخارج. . ورغم أنني لم يكن لدي أي تصور حول كيفية التعامل معها الي جانب ظروف العمل التي تتطلب مسئولياته الغياب عن البيت في أي وقت من اليوم ، وإقامة دعوات رسمية للعشاء أو الغداء في بيتي ، تلبية الدعوات الاخري الموجهة لي .. الإ أني قررت أن تكون شروق رفيقتي في هذه الرحلات.

 

(4)
كانت أول دولة ذهبت شروق معي اليها هي الأردن .. اخترت لها أفضل مدرسة في عمان .. وكانت مدرسة اسمها “مدرسة نازك الحريري للتنمية الفكرية” ونازك الحريري هي زوجة رئيس وزراء لبنان في ذلك الوقت رفيق الحريري .. وكانت لديها حالة مثل شروق .. فقررت أن تقيم مدرسة للتنمية الفكرية لهؤلاء الاطفال زودتها بأحدث الاساليب العلمية وبتجهيزات غاية في الرقي والذوق والنظافة ، وبين الحين والآخر كان يتم دعوتنا لحضور حفلات يعرض فيها أنشطة شارك فيها الاطفال مثل الرسم والتمثيل والغناء .. تعلمت شروق فيها تمارين رياضية تذكرها شروق حتي الآن ، وحفظت سورة الفاتحة وكيفية الوضوء وحركات الصلاة ، كما كتبت الحروف العربية . ثم واجهتني المشكلة الرئيسة .. فقد أعددت لإستقبال ضيوفي من السلك الدبلوماسي علي العشاء في بيتي للمرة الاولي في السنة الاولي لعملي ، وكنت في حيرة ماذا أفعل هل أضع شروق في غرفة النوم .. ولكنها لم تتعود أن أغلق عليها أبواب ..كانت مدللة كل طلباتها مجابة .. وليس من المستبعد أن تخاف وتطرق الباب وتحدث ضوضاء ، وهداني تفكيري أن أسأل طبيب شروق هناك .. وكان طبيب أردني من أصل فلسطيني وحاصل علي الدكتوراة من المانيا في فرع جديد في الطب في ذلك الوقت هو “طب العائلة” ، وفوجئت به يؤنبني علي أني أتعامل معها علي أنها انسان ناقص يجب أن أخفيه ، قال لي “هل تحرميها من حقها الانساني ان تكون معروفة بشخصها للناس ، انت تلبسيها أشيك ملابس وتقف بجانبك تسلم علي المدعوين فردا فردا .. هذا حقها كأنسانة ، وتأكدي أنها ستتصرف كأي شخص عادي ” ، رغم قسوة كلماته معي لكني فرحت .. فحبي لها كان أيضا يمنعني أن اتجاهل وجودها في البيت في ذلك الوقت ، وأنا لم أتجاهل بالفعل وجودها في حياتي فالكل في الادارة بالقاهرة وأعضاء السفارة في عمان كان يعلم أن شقيقتي الصغيرة هي رفيقتي وتعيش معي ، كانت هذه الحفلة بداية لدخول شروق عضو رسمي في السلك الدبلوماسي ، فقد وقفت بجانبي وأنا استقبل الضيوف وهي في غاية الاناقة ، وترحب بهم كأن لها زمن طويل تفعل ذلك ، وبعد أن جلسوا حملت علبة الشيكولاتة ومرت عليهم تقدم لهم بإبتسامة جميلة وكلمات بريئة ، وكلما تكلم معها أحد ترد بدون تردد وأجد بعده ضحكات عالية من الضيوف ، فوجئت بترحيب حار من الجميع بها ، والتقرب اليها ، ودعوتهم لي بالحفاظ عليها ، والسؤال عنها في غيابها ، ومساعدتي في تلبية اي طلب لشروق .
في جنوب أفريقيا كانت التجربة أكثر ثراءّ ، فقد ألحقتها بمدرسة تعلمت أنا منها الكثير وانا اتعامل مع شروق ، رغم بساطة المدرسة في بناءها وتجهيزاتها مقارنة بالمدرسة في الاردن ، الا انها كانت تستخدم طرق أكثرعلما وحداثة ، كانت شروق الطفلة المصرية والعربية الوحيدة .. وكانت لا تعرف الانجليزية والمدرسات لا يعرفوا العربية .. ورغم ذلك طمأنتني المسئولة علي أنهم قادرون علي التعامل معها ، بالفعل كانت شروق تعود لي وحقيبتها بها كراسات وكتب ، وفيها تعليمات واضحة لي بممارسة واجبات تعليمية بنفسي مع شروق ، مثلا حاولت مدرستها تعليمها قيمة العدد ، ولم تستجب شروق لمحاولات المدرسة ، فأرسلوا لي كيف ادربها علي التمييز وتحديد قيمة العدد ، دربوها ايضا علي التعامل مع البيع والشراء في (كانتين) المدرسة ، وكان علي ان امنحها نقودا من اجل ذلك ، وهناك التدريب علي اعمال المطبخ ورأيت أنواع من الكيك صنعها هؤلاء الاطفال مع مدرسيهم ، كما فوجئت أن شروق ترسم أشخاص علي الورق وتشير اليها بأنها لالا ودي شروق ودي المس …وهكذا ، كما أتقنت تلوين الصور بالالوان ، أما اللغة فقد رددت جمل كاملة رغم تعلمها عدد من الحروف ، أما النادرة التي لا أستطيع أن أنساها هي أنني ذهبت لحضور حفل دعتنا اليه المدرسة بعد شهرين او ثلاثة من دخولها المدرسة .. كانت لا تعلم الانجليزية وهم لا يعرفوا العربية كما أشرت ، رغم ذلك عند وصولي الي المدرسة وبمجرد أن رآها زملائها الاطفال وكلهم أجانب تنزل من السيارة ، فوجئت بهم يصفقوا ويضحكوا وهم يرددوا شروق مجنونة .. شروق مجنونة باللغة العربية وجروا في اتجاهها مرحبين بها وهي ترد عليهم بضحك وتشير عليهم انت مجنونة ..انت مجنونة … كنت لازلت في السيارة ، والاندهاش ترك عيوني مفتوحة علي المشهد .. ثم افقت وانا أضحك من قلبي .. للدرجة دي الشخصية المصرية مؤثرة.. حتي مع شروق ، ولازلت أردد هذه الحكاية بكل فخر.
(5)
وهكذا سارت بنا الايام … بتواجد شروق في كل لحظة في حياتي .. وفي كل تحركاتي .. وتعرف كل أصدقائي .. وزملائي .. وصارت لها شخصيتها المستقلة فهي لا ترتدي الا ما يعجبها من الملابس .. وتستمع الي ام كلثوم وعبدالوهاب وعبد الحليم ، وتعشق الموسيقي والرقص علي انغامها .. كما تعشق التمثيل ..فتقول :” بأحب أمثل” بعد أن تتظاهر بموقف تبكي فيه مثلا أو تتألم من مرض ..وبعد أن اجري اليها لعلاجها تضحك وتقول لي ” بأحب أمثل ” وتسألني دائما عن المخرج الذي سيجعلها تمثل في السنيما .. وترتب لي كل يوم الانشطة التي سنقوم بها فهي تسألني عما سوف نعمله ثم تذكرني به في كل لحظة .. وانا حريصة علي أن تشاركني التفكير في أمور المنزل .. فقد تعودت أن أقول لها فكريني يا شروق نشتري سكر أو زبادي أو لبن … وهكذا وبالفعل ونحن في السوبرماركت تذكرني بكل ما قلته لها ، وأسعد أوقاتها عندما تدفع عربة التسوق أمامها وتسير بين الأرفف لتضع أي سلع تعجبها ، وعند التحصيل تقف وحدها لترص ما اشتريناه علي طاولة التحصيل – وترفض تماما أن اساعدها – ثم تذهب الي الجانب الآخر لتضع السلع في الحقائب البلاستيك .
أتذكر ثلاث مواقف جميلة حدثت لي خلال رحلتي مع شروق ، وكلها تبعث برسالة واحدة وهي أنني محظوظة لأن الله اختارني لهذه المهمة الرائعة ، وأنني بها اقتربت أكثر الي الله ، الموقف الاول حدث في الاردن وكنا في مكان عام وظلت شروق تتكلم مع الناس حولنا كعادتها بكل شجاعة وتثير حولها البهجة والضحك ، فنظرت الي سيدات مسنات كانوا جالسين بالقرب مني وقلن لي : أنت محظوظة ، انت كده علي الجنة علي طول ، دي ملاك معاك ، الموقف الثاني في جنوب أفريقيا وأيضا كنا في مكان عام وأيضا توجهت نحوي سيدات من البيض هناك وقلن لي نفس الكلمة بالانجليزية : YOUR ARE LUKY انت محظوظة ، واستطردن أن معك أطفال الله children of God ، والموقف الثالث يحدث لي في مصر ويتكرر .. أنني محظوظة أن معي شروق وأنها ستفتح لي طريق الجنة .
هل ما قاله الطبيب لأمي كان صحيحا : ” دي نعمة من عند ربنا .. هي محتاجة منك بس الحب .. تحبيها وتراعيها وستجدي ملاك حولك ” ؟؟ نعم كان صحيحا .. فقد أدي كل هذا الحب الي تصحيح قدر ما مما أحدثته الطبيعة من اختلال .. ، وأشاع هذا الحب بداخلنا مشاعر الود والرأفة والرحمة بالضعيف ، ونزع هذا الحب بعض من مشكلات الإعاقة التي بدونه كانت ستسحق هذا المخلوق البرئ ، ويثبت هذا الحب قول الله تعالي : ” وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم” . صدق الله العظيم .

****************************************************************************************************

 

*******************************************************************************************

*وزير مفوض سابق \ دكتوراة فى ادارة الاعمال -مصر

**عن حياة معاشة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

2 تعليقان

  1. أحمد سيد حمودة

    [جزاكى الله خير الجزاء و لكن أرجو سعادتك ألا تقولى نوعآ من الإعاقة و إنما هو نوعآ من القدرات الخاصة حباها بها الله ليظهر منها الجانب الأنسانى الطاهر النقى دون غيره و انما الإعاقة لمن يدعوا الكمال

    • ناريمان يوسف

      اشكر لحضرتك التعليق ،، كلمة ” الاعاقة ” هذا كان اسمها وقت ميلاد شروق ،، الان بدأ العالم يستخدم تعبير ذوي الاحتياجات الخاصة ،وهو تعبير الطف كثيرا ،، اكرر شكري