الرئيسية / أخبار ثقافيه / نصر الدين شنوف*يكتب: العقل العربي بين فتوحات العولمة ورهان الهوية

نصر الدين شنوف*يكتب: العقل العربي بين فتوحات العولمة ورهان الهوية

العقل العربي بين فتوحات العولمة ورهان الهوية: خطاب الأزمة أم أزمة خطاب.

 

1/ ظاهرة العولمة والمجتمع الجديد عند “علي حرب”: نحو تجاوز إشكالية قراءة الحدث.

العولمة ومفارقة التجريد والتجريب: من الإيديولوجيا إلى النقد الجديدة”.

تعد ظاهرة العولمة من أهم القضايا الفلسفية التي انشغل بها الفكر العربي المعاصر ممثلاً في كبرى مشاريعه وفي كثرة أقطابه، وما يزال النقاش مستمراً حول هذه الظاهرة إلى يومنا هذا، فاختلفت الآراء والتنظيرات حول مسألة العولمة من حيث ماهيتها وحقيقتها وسلبياتها وإيجابياتها وعلاقتها بالهوية والتراث والإنسان، وإذا اتفق منظِّروا العولمة بأن هذا المصطلح قد جرب استخدامه « للمرة الأولى على لسان الرئيس الأمريكي هاري ترومان، بعد إلقاء قنبلتين نوويتين أمريكيتين فوق مدينتي هيروشيما وناجازالكي » [1]، فإنهم يتفقون أيضا بأنها جاءت كتعبير على ما شهده العالم من تطور تقني وتكنولوجي ومن تقدم علمي وإقتصادي، حَوَّلَ العالم من نمط حضاري معين إلى نمط مغاير تتلاقح فيه الحضارات وتتعايش في كنفه الثقافات وتذوب في حظرته الحدود وتتأكل تحت سلطته الخصوصيات والهويات، « فشغلت العولمة دنيا العالم بإعتبارها ظاهرة جديدة ارتبطت بما أحدثته الثورة الصناعية من تطور هائل فمن الطاقة البخارية والميكانيكية إلى الطاقة البترولية ثم الطاقة الكهربائية والشمسية إلى الطاقة الذرية والنووية والإلكترونية » [2]، على هذا الأساس كان الاتفاق بأن العلم والتقنية وما نتج عن هذا من وسائل قد سهل الطريق على العولمة لكي تُفَّعَلَ في الواقع بصورة متسارعة وعلى نحو يتيح لها الإتساع والإنتشار في العالم، وبالرغم من الاختلافات والتباينات التي حصلت في الساحة الفكرية العربية حول طبيعة العولمة وسلبياتها وايجابياتها، فإنه يمكننا القول بدون جزم، بأن التيار الأصولي التراثي كان أشد المعارضين لظاهرة العولمة، إذ يستمد هذا الطرح قوته من عديد الكتابات الإسلامية حول العولمة، من منطق تراثي هوياتي إسلامي، خوفاً على خصوصياتهم أو دفاعاً على معتقداتهم أمام مد العولمة الجارف، وفي مقابل ذلك نجد الكثير من التغربيين يتماهون مع الفكر العولمي من منطلق إنساني وكوني، أو من باعث حضاري تقني وعلمي، فيما تحفظ البعض الآخر عن الحديث على العولمة، إذ علقوا الحكم عنها، خوفاً من التسرع أو تجنباً للحرج، « إن قراءات الفكر المعاصر العربي والغربي للعولمة تتوزع على نوعين : مؤيدة للعولمة وحاميها من جهة، ومعارضة ومناوبة من جهة أخرى، كلها مستمدة مما يتصل بالعولمة وما انبثق عنها في حياة الإنسان من جميع جوانبها، من جانب إيديولوجيا العولمة وأخلاقها وثقافتها وفلسفتها ومن حيث مجتمع العولمة من كافة نواحيه، العولمة من جانب الفكر والنظر من جهة ومن جانب السلوك والممارسة من جهة ثانية ومن جانب المركب الجامع بين الفكر والممارسة معاً من جهة أخرى » [3].

وقبل التعمق في تحليل ظاهرة العولمة، تجدر الإشارة إلى صعوبة تحديد مفهومها خصوصا من الناحية الإجرائية والتداولية، إن مفهوم العولمة من الاستعمال مفهوم هلامي فضفاض يتوزع على قطاعات ثقافية متباينة ” الإقتصاد، السياسة  الفلسفة، الإجتماع …الخ، إن لفظة العولمة من الناحية اللغوية تقابل اللفظ الإنجليزي Globalization بمعنى الكوكب على غرار ما تترجم كلمة العولمة في التداول الفكري لها بمصطلحات الكوكبية والكونية، فيما يقابله في اللغة الفرنسية مصطلح mondialialisation والذي يعني العالم، ومنه جاء تداولها بلفظة العولمة، كما تجدر الإشارة بأن مصطلح العولمة في المعاجم اللغوية العربية كان دوماً يحيل بشكل أو بآخر إلى الدلالة الإصطلاحية لهذا المفهوم، إذ العولمة لغةً « لفظٌ مشتق من الفعل عولم على وزن فوعل، وإنه مشتق من الصيغة الصرفية فوعلة، التي تدل على تحول الشيء إلى صورة أخرى، كما أنه مصطلح يصعب فيه الإرتكان إلى المدلولات اللغوية، فهو مفهوم شمولي يذهب عميقاً في الإتجاهات المختلفة لتوظيف حركة التغير المتواصلة » [4]، مقابل هذا نكاد نرى إجماعاً بين المفكرين العرب وحتى الغرب على مفهوم العولمة فلسفياً، إذ الكل يربطها بالثورة المعلوماتية وشبكة الإتصالات والنظام العالمي الجديد وصولاً إلى تطورات النظم السياسية والفكرية، هذا ما نلاحظه في قول “محمد عابد الجابري”: « لقد ظهر هذا المصطلح أول ما ظهر في مجال المال والتجارة والإقتصاد، غير أنه لم يعد مصطلحاً اقتصادياً محظ فالعولمة الآن يجري الحديث عنها بوصفها نظاماً أو نسقاً ذا أبعاد تتجاوز دائرة الإقتصاد، العولمة الآن نظام عالمي أو يراد لها أن تكون كذلك، يشتمل مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصالات…الخ، كما يشمل أيضا مجال السياسة والفكر والايدولوجيا » [5]، هذا ما نلمسه أيضا في تعريف “محمد بن سهو” في كتابه العولمة إذ يعرفها قائلاً: « العلومة هي نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني الغير المحدود دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم » [6]، و”علي حرب” إذ يدخل على مقولة العولمة فإنه ليحول علاقتنا بها ­ المنطق التحويلي ­ على نحو يتيح لنا التعامل معها بوصفها “حدث” قد لا يكرره التاريخ، أو هي في تقديره فرصة قد لا تعوض، إذ يدعونا إلى تجديد فهمنا للعولمة بكيفية تجعلها تعود علينا إيجاباً لا سلباً، ونَتَؤَّوَلَهَا على الشكل الذي يدفع بنا إلى الأمام، بدل التعامل وكأنها جرم أو شيطان يهدد إيماننا، أو باعتبارها خطيئة يتوجب علينا دفعها، فالعولمة عنده ­ علي حرب ­ هي « ظاهرة مركبة وصيرورة متحولة يمكن مقاربتها على غير مستوى وبأكثر من منهج، وذلك بقدر ما يتداخل فيها أكثر من عنصر أو يشتغل أكثر من منطق » [7].

يرصد على حرب التحولات الكبرى في عصر العولمة، بدءاً من الواقع الافتراضي ” الثورة الرقمية والفضاء الكوني” مروراً بالزمن الفعلي والفضاء السِبْرَاني والهوية المتعددة، وصولاً عند الإقتصاد المعرفي والعالم الأداتي والخيال الميديائي واللغة الرقمية، هذه التحولات حسب علي حرب تجبرنا على دفع المنهج الأحادي وتجاوزه وكسر الثنائيات الخانقة والتخلي عن منطق المطابقات والعمل على بناء علاقات جديدة بين الفكر والواقع انتهاءاً بتجاوز ذهنية الحلول القصوى، الأمر الذي يتيح لنا التحرر من سجن الهويات الصافية وتجاوز النرجسية العقيمة والطوبى الإنسانية الدالة على وجود طبيعة إنسانية ثابتة، بهذا الشكل قرأ المجتمع التركي ظاهرة العولمة على حد تحليل علي حرب، فنجحوا في أن يُصَدِروا صورة مشرقة عن تركيا رغم كل التحديات، « إنهم لم يتعاملوا ­ يقصد أردوغان ورفاقه ­ مع العولمة والمَعْلُومَةُ والسوق والرأسمالية والليبرالية، كفزاعة أو كبعبع أو كَشَرٍ مِحْضْ » [8]، مثلما هي قراءة الكثيرين من العرب للعولمة، إذ « لا يعمل أردوغان بعقلية التهويل العقائدي، كما يفعل عندنا الذين يجعلون شعلهم الشاغل، الثقافي والسياسي، مهاجمة الغربنة والعولمة والأمركة للتغطية على الفشل والاخفاق … ما فعله أردوغان ورفاقه هو العكس بالتمام كما تمثل ذلك في سعيهم الحديث إلى إدخال تركيا في السوق الأوربية المشتركة » [9] وعلى النقيض من هذا يتجه الفكر العربي بغالبية فلسفاته وفلاسفته إلى إنكار العولمة والتنكر لها، من خلال وصفها بأبشع الصفات ورميها بأرذل المسميات، جاعلين منها وجهاً من أوجه المؤامرة الغربية على العرب، هكذا عبر أحد أمراء المملكة العربية السعودية عن موقفه من العولمة قائلا: « إننا نرحب بعولمة التجارة وبعولمة الاستثمار ولكننا نرفض عولمة الفكر الفاسد، ونرفض عولمة الانحراف الذي يختفي تحت أسماء براقة، وهذا لا يعني الجمود في الحركة، فصدورنا وبيوتنا مفتوحة لكل جديد مفيد ولكنها مؤصدة في وجه الرياح التي تحاول زعزعة معتقداتنا، وخلخلة مجتمعاتنا » [10]، هذا الكلام وفقاً لرؤية علي حرب ناتج عن قراءة أصولية لظاهرة العولمة، قراءة سطحية لا توفي الغرض، خصوصاً وأن العولمة ليست شيئاً بسيط يمكن تعيينه ووصفه بدقة، إنها « جملة عمليات تاريخية متداخلة تتجسد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء  وحتى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السهولة والآنية والشمولية والديمومة » [11]، إنها حدث كوني من سيماته الرئيسية الإقتصاد الإلكتروني والمجتمع الإعلامي والمجال التلفزيوني والفضاء السبراني، وكل هذا جاء نتيجة ثورة المعلومات “الإعلام . الإتصال” وثورة الأعداد “الرقمنة . التشفير”، هذه الثورات التقنية في « النقل والإتصال، قد ألغت المسافات وقَلَبَتْ العلاقة بين المحلي والكوني أو بين الداخل والخارج، بصورة فَقَّدَ فيها المكان محليته وداخليته، لكي يكتسب كونيته، كمجال مفتوح أو كنقطة للبدئ والإتصال الدائم على مدار الساعة » [12]، هذا ما يسميه “بول فيريليو” بنهاية الجغرافيا. ويتوقف “علي حرب” على القراءات المختلفة لظاهرة العولمة فمن القراءة النضالية الطوباوية ممثلةً في أصحاب المشاريع الإيديولوجية كأولئك الذين يتعاملون مع الحدث من وراء أوهام الهوية وأطياف العدالة وهوامات الحرية، فنجدهم بحسبه يمارسون اللعن والرجم على العولمة على ما صدمهم حدث العولمة فأحبطوا نتيجة ذلك، لتتحول العولمة مع هؤلاء من ظاهرة كونية وطفرة حضارية واستتباع معرفي إلى غزو ثقافي  ورأسمالية جديدة وهيمنة أمريكية، إنها موت الثقافة في تمثلهم وقراءتهم لحدث العولمة، نفس الشيء بالنسبة للذين يَرَوْنَ في العولمة الكَمَالْ الفكري والطريق الوَرْدِي، إذ  هؤلاء مثل الأولون تماماً يتعاملون معها لا بلغة مفهومية بل بلغة تعاطفية انتمائية غزلية، لتخادعهم العولمة في الأخير على ما لم يحسنوا قرائته، « فهناك من سبح بالسم العولمة، بقدر ما يتوهم أنها ستحل المشكلات وتقضي على الآفات، بما تطلقه من إمكانيات التواصل والتبادل بين البشر أفراد أو جماعات وهؤلاء يتطرفون أيضا بقدر ما يبسطون الواقع، إذ العولمة ليس جحيماً، ولكنها ليس الفردوس الموعود » [13]، من هنا دعوته إلى العناية بسؤال القراءة، ذلك السؤال الذي أضحى يشكل اليوم مساحة نوعية في الكتابات الفلسفية المعاصرة.

لقد احتل موضوع القراءة مكانة مرموقة في أفق الفلسفة المعاصرة، مكانة استمدت مشروعيتها من التحولات الكبرى التي برزت في الواقع، ذلك الواقع الذي أضحى اليوم هو الآخر موضوع للقراءة الفلسفية، إن لم يكن موضوعها الرئيسي، فإذا كانت القراءة  فيما مضى مرتبطة بالنص، فإن الواقع في الفلسفات المعاصر هو النص الذي يحتوي كل النصوص، إنه نص نقرأه ونستقرأه كما لو أننا نقرأ أي نص لغوي، إذ القراءة لها نظمها وآلياتها وميكانزماتها التي تحدد نتائجها وطبيعتها، هكذا يقرأ علي حرب العولمة كواقع معاش قراءة فعالة متعاملاً معها بلغة مفهومية وبذهنية تأويلية تستجيب لتحولات الحدث وانعطافاته متجاوزاً الدخول على العولمة من خلفيات إيديولوجية، والحرص على القراءة الموضوعية للأفكار والوقائع، « هذا شأن العامل في ميدان الفكر، لا ينفي الحدث لكي تَصِحَ أفكاره، بل يعيد النظر في مقولاته على ضوء الوقائع والأحداث » [14]، ويمكننا القول الآن بأن مع دخول الحواسيب والشبكات والكاميرات قد تغيرت خرائط العالم لتنتج لنا العولمة بذلك عالماً جديداً، مجتمعاً مختلفاً في زمن الإختلاف، ليحل الإنتاج الرقمي والأثيري بدل الإنتاج الميكانيكي سابق، والمواد الناعمة بدل المواد الثقيلة أنفاً، وإدارة المعلومات بدل إدارة الأشياء وبروز القيمة المضافة بدل فائض القيمة كما مع الإقتصاديات الكلاسيكية، فمع العولمة « تتشكل طوائف جديدة هويتها السوق ووطنها حيث تصل منتجاتها الأثيرية، وتتراجع جغرافيا السياسة التي كانت تنظم العلاقات بين الدول على أساس الأمداد والمسافات، لصالح علاقات جديدة تقوم على خرق الحدود الوطنية عبر حرب المعلومات الإلكترونية » [15]، من هذا المنطلق ينتقد على حرب القراءات الإيديولوجية للعولمة، ونخص بالذكر قراءة كل من “صادق جلال العظم ”  و”بيار بورديو” و”محمد عابد الجابري”، أما “صادق جلال العظم” فلا « يرى من العولمة سوى بعدها الإقتصادي وَوَجْهَهَا الإيديولوجي الرأسمالي » [16]، هذا ما بدى جلياً في محاوراته مع حسن حنفي في كتابهما ” ما العولمة ” ـ إذ أنه قرأ العولمة من خلفية ماركسية  صِرْفَة، وتعامل معها بمنطق ماركسي مغلق، فذكر أشياء ونسى أخرى، بل وتناسى ذكر قيمتها المنافسة للنص ماركسي بخلاف تصور “بيار بورديو” لها، إذ أنه لا يرى من العولمة « سوى ليبرالية جديدة شرسة ووحشية، إذ هي تقوم برأيه على التنافس والصراع، بمنطق دارويني اصطفاني، بقدر ما تُدَمِرُ بشكل منهجي الأطر التي تحفظ التوازن وتُؤَّمِنُ التضامن في المجتمع » [17]، وبورديو هنا يُغَلِبُ البعد السوسيولوجي في تحليله لظاهرة العولمة، ليفضي به الأمر إلى اختزال العولمة ومحاولة نفيها من على مسرح الوجود سعياً منه لإنقاذ تصوراته حول قضايا العدالة والمساواة والحرية، نفس الشيء ينطبق على تصور” إنياسيو رامونيه ” ­ رئيس جريدة لوموند ديبلوماتيك ­ إذ يَتَمَثَلُ العولمة على أنها « سيطرة الفكر الأحادي، وهدم البناء الإجتماعي أو إفساد المثال الديمقراطي، أو تدمير الإبداع الثقافي من خلال وحدانية السوق، ومحاولات تسليع الأفكار والأجساد والأشياء » [18]، وتكمن مفارقة هذه القراءة حسب علي حرب في أن “إنياسيو رامونيه” ينتقد العولمة كونها تقوم على فكر أحادي في حين هو من يقرأها على هذا النحو، إذ لا يرى منها سوى سلبياتها أو نقائصها، وهو ينتقدها أَيَّمَا نقد، في حين هو لا يفتأ يتوقف عن التسويق لجريدته عبر تقنيات الإشهار والتسليع التي جاءت بها العولمة، لهذا يصف علي حرب هذه القراءات بالإيديولوجيا وبالتالي فهي قاصرة بقصار كل تفكير أديولوجي، ونفس الشيء بالنسبة للمغربي ” محمد عابد الجابري ” الذي يرى في العولمة ظاهرة سلبية خطيرة على المجتمع والأمة والهويات والخصوصيات الثقافية، إذ نجده يُعَبِرُ عن هذا بترسانة من المصطلحات الجارحة كالهيمنة والأمركة والسيطرة والاستتباع الحضاري والاختراق والتطليع والاختطاف والتوجيه …الخ، في حين أنه يدعون في غير ما موضع إلى تأسيس عولمة أخرى في مقابل العولمة الأمريكية تقوم على الشراكة العربية الأروبية وعلى قيم العقلانية والديمقراطية، على هذا الأساس كانت قراءة الجابري تجسد « نموذج القراءة الإيديولوجية التي يهيمن عليها البعد الأنثروبولوجي، أي التعاطي مع العولمة من منطلق الدفاع عن الهوية الثقافية … فالغالب على تفكيره هو إرادة المدافعة والمقاومة لا إرادة الفتح والكشف » [19]، وبناءاً على هذا يدعونا على حرب إلى تجاوز القراءة الطوباوية للعولمة، تلك القراءة ­ الإيديولوجية ­ التي تقوم على النفي والإقصاء والتنكر، الأمر الذي يَطْرِدْ صفة البراءة على كل حديث عن العولمة، فالعولمة ليست « مجرد أدلوجة يمكن نقضها ولا هي مجرد مظهر للأمركة ينبغي مقاومته، وإنما هي معطى وجودي يمكن تحويله بالانتقال على الأفكار والعمل على تغييرها أو إعادة ابتكارها لنتيح علاقات جديدة مع الحقيقة » [20]، وبذكرنا مصطلح “الهوية” في أثناء تحليلنا سابقاً لظاهرة العولمة، فإن علي حرب يرى بأن العلاقة بين الهوية والعولمة قضية الساعة، إذ هي معضلة وموضع إشكالي بحق، إذ تزحزح الخطاب الهويات بمستوياتها المختلفة بعد دخول الفكر العولمي، فأصاب الشرخ الهويات التقليدية المربوطة بالعقائد الأصولية التراثية، كما شقق الهويات الحديثة المتعلقة بالأدلوجات التقدمية مثلما خربط الوعي بالهوية، فانتقلت معه مقولة الهوية من مستوى الثبات إلى المرونة ومن الانغلاق إلى الانفتاح اللامشروط، « هذا التغيير يشكل ضربة للهوية بمفهومها التقليدي بقدر ما يزعزع علاقة البشر بأرضهم وأمكنتهم …  ذلك يفتح مجالاً لنشوء هويات متعددة الإنتماءات، أي هويات هجينة » [21]، من هنا تنشأ مع العولمة التي تفتح العوالم بعضها على بعض هويات مختلفة عما سبق، الأمر الذي يسبب في نظر البعض “أزمة الهوية”، لتقع بذلك مقولة الهوية بين فكي الكماشة بين العقيدة القديمة والتصور الكلاسيكي لها، وما بين الفكر العولمي والأدلوجات الحديثة وفلسفة الاختلاف والتنوع، من هنا يُطرح سؤال الهوية في أفق كل حديث عن العولمة، إذ الهوية هي كل الإنسان والإنسان هو هويته بالدرجة الأولى.

2/إشكالية الهوية والإنتماء: الأنا والآخر وإيتيقا التعايش.

صراع الهويات بين النبوءة والواقع: من المنطق التواصل إلى الإنسان العالمي.

من اللافت أن مسألة الهوية أخذت تحتل في السنوات الأخيرة حيزاً أكثر فأكثر اتساعاً من اهتمام المثقفين، بل هي أضحت محوراً من محاور الثقافة السائدة، وهو ما يؤكده هذا الفيض من الدراسات في موضوع الهوية، ومما لاشك فيه هو أن موضوع الهوية ليس بجديد في الفكر العربي المعاصر، فقد أثيرت هذه القضية منذ مطلع ما سمي بـ”عصر النهضة”، أي منذ بداية التوسع الأوروبي، كما تجدر بنا الإشارة بأن مسألة الهوية ليست مسألة تخص الثقافة العربية دون غيرها، هذا لأن الفكر العربي منذ قرنيين تقريباً قد دخل على هذه القضية بالنقد والتحليل والقراءة، ولأن الحديث عن علي حرب وتصوره لمسألة الهوية فإنه من الضروري جداً المرور بِتَمَثُلِ “جاك دريدا” لهذه المقولة خصوصاً في كتابه “أحادية الآخر اللغوية” هذا للتأثر البالغ الشدة لعلي حرب بتفكيكية دريدا، وأول سؤال طرحه جاك دريدا في كتابه جاء بصيغة: “من أنا؟” و”من أكون؟” و”ما ماهية هويتي؟”، خصوصاً وأنه من مواليد الجزائر ويهودي الديانة وفرنسي اللغة والتنشأة ومشتغل على الكتابة التي تَنْفَتِحُ على العالم على غير صعيد، متسائلاً عن المرجعية التي تحدد هوية الشخص، هل هي “اللغة أم رابطة الدم، أم الديانة أم مكان الولادة”؟، إذن دريدا « يفتح مسألة انتمائه الهوياتي المتأرجح بين أرض إسمها الجزائر، ودولة إسمها فرنسا، وطائفة إسمها الطائفة اليهودية» [22]، مركزاً فيما بعد دريدا اهتمامه على اللغة، بحيث هو يمتلك لغة واحدة “الفرنسية” ومع هذا هي ليست لُغَتُهُ متوقفاً دريدا هنا على فرضيتين أساسيتين هما: ” لا يمكننا أن نتكلم أبداً إلا لغة واحدة” و”لا يمكننا أن نتكلم لغة واحدة فقط”، على هذا النحو يباشر دريدا على حد تعبير عمر مهيبل تحليل أحادية الآخر اللغوية في بعدها النوستالجي المتعلق بالمكنون اللغوي للهوية، وفي بعدها الهرمينوطيقي المتعلق بقراءة دريدا لأحادية الآخر اللغوية، ليبقى « سؤالنا المفصلي هنا يتمحور دائما حول الهوية،  ذلك أن التساؤل حول هذه الهوية  بما هي مفهوم شفاف ينكشف على ذاته كان محل افتراض، وبطريقة عقائدية ضمن سيرورة المناقشات القائمة حول الأحادية الثقافية Monoculturalisme  أو حول التعددية الثقافية multicultutalisme ، أو حول الجنسية ” التابعة ” و الإنتماء بعامة » [23]، ليستتبع علي حرب تفكيك هذه المناقشات المتعلقة بالهوية والانتماء والمواطنة في فضاء الثقافة العربية، مع الإشارة إلى الاختلاف الدلالي والفسلفي بين هذه المفاهيم، هذا كون أن هذه المناقشات حول مسألة الهوية ما كان لها أن تكون شيئاً آخر سوى كتابة تفكيكية، هذا ما يؤكده لنا علي حرب عبر كتابه ” خطاب الهوية “، إذ يَتَحَدَثُ بلسانه عن نفسه باللغة نفسها التي يتحدث بها جاك دريدا عن حاله، فيقول علي حرب عن تمثله لهويته: « فاستقر عنده أن العروبة جلدته والإسلام جذره وما العروبة إلا هذه اللغة وما الإسلام سوى ذلك الوحي وتلك النبوة … وهو إلى ذلك كان يعني أنه عربي بمعنى من المعاني، فقد بهرته حضارة الغرب، وافتتن بعلومه وفنونه وكان يرى بأنه غربي » [24]، كان ذلك نتيجة حبه وعشقه للغة الفرنسية التي يهوى القراءة بها وإلى ما وجد في الغرب من أمن وآمان حينما أضطرته الظروف الرحيل عن بلده الأم ” لبنان” في أيام الحرب، ثم إطلاعه على الفكر الغربي، الذي ما كان له أن يكون عما هو عليه اليوم لولا أنه إطلع على المعارف الغربية، « وبقدر ما وَعَّى عالميه أدرك في الوقت نفسه كونيته ـ إذ كان كلما إزداد تفحصاً وبحث عن حقيقته، بدا له أن يتماهى مع كل الحيوانات ويتوحد مع مختلف العناصر والأكوان … إنه إذ عين لنفسه أن ينفرد بذاته من بين سائر الخلائف، وأنه لا نظير له ولا شبيه شيء بالرغم من نِسَبِهِ الكثيرة وتَعَيُناتِهِ المختلفة » [25]، فأيقن علي حرب حينها أن هويته هي كل هذا الاختلاف والتعدد، التعارض والانفصام فهي أضيق ما تكون من وجهة قومية محلية خصوصية، وهي أوسع ما تكون من وجهة كونية عالمية إنسانية، ليتلخص القول في الأخير « أنه لم يعد ­ علي حرب ­ يرى إلى نفسه كهوية  صافية ثابتة مغلقة، فهو وإن أدرك ووعى أنه لا ينفك عن جذره الثقافي ولا يبخل عن قومه وملته، فقد علم أن هويته هي صيرورة كل ما نشأ عليه وتخلق به وانطبع به » [26]، وهكذا يدخل على حرب على موضوعة الهوية كما هي معيوشة في الفكر العربي الحديث والمعاصر على السواء، بتياراته المتعددة وآرائه المتباينة، مفككاً خطاباتها، محاولاً التمرد عليها فيما بعد، بهدمها وإعادة صياغتها وفقاً لتصورات مابعد الحداثة، تلك التصورات الفلسفية الراهنية، متوقفاً على وجه الخصوص عند الموقف الأصولي الذي ينظر إلى الهوية بوصفها شيئاً ثابتاً مفارقاً خارج الحركية التاريخية، ذلك الفكر الرجعي الذي يتميز حسب سيوران “CIORAN” بعبادة البدايات ووسواس الأصول، هذا هو بالضبط ما يميز الفكر الرجعي أو إذا شئنا التقليدي، تماماً كما هو التصور التغريبي للهوية، الذي يطردنا من موطن المناعة، كيف لا؟ وهو في محاولته لإشفائنا من “التسمم” اقتلع إيانا من أفيون المفخم، إذ هو على عكس معيار الأصالة المتمثل في مقياس الوفاء لنمط معين من العيش، للأسف بمقياس الانغلاق، يضعنا على نفس المستوى من الانغلاق على أصل آخر مفارق، هو أصل الثقافة الغربية وحدها دون سواها [27]، إننا بعبارة أخرى « نعيش حالة  أنعتها “بالشيزوفرينيا الايبستمولوجية”، لأن مشكلة التقنية و تمثلها، والمنازعات التي تواجه بين التراث والحداثة، هي جزء من أركيولوجيا المعرفة، إننا ونحن واقفون بين هذين العالمين، نمثل منها التصدع الانقسامي، هذا التمزق غير المقبول، غير المفكر به والمكبوت هو الذي يولد التناقضات الكبرى » [28]، ودرءاً لهذه التصدعات والتناقضات التي يعيشها خطاب  الهوية خصوصاً في الفكر العربي المعاصر، يقدم علي حرب تصوراً مغايراً تماماً لمسألة الهوية، ليقارب من خلاله الكوني بالمحلي، والخصوصي بالعالمي، مستفيداً على حرب من كل تجاربه السابقة ومن التصور التفكيكي لموضوعة الهوية، إذ أن كل « كتابة نقدية في التراث مهما إدعت لنفسها الموضوعية، ومهما توسلت الفحص البرهاني والنقد العلمي لا يمكن أن تتخطى العائق الذاتي » [29]، ولا داعي هنا لتبيان العلاقة المتشابكة بين مفهومي ” التراث والهوية ” خصوصاً في البيئة العربية الإسلامية إذ يكادان يستغرقان في بعضيهما .

يدخل علي حرب على موضوعة الهوية أولاً من خلال تقسيم وجهات النظر حولها إلى ثلاثة وجوهات أساسية، هي الهوية في عالم القدامة بأصولياته الدينية وتصوراته اللاهوتية الغيبية أو الماورائية، وكذلك الهوية في عالم الحديث بفلسفاته العلمانية ورواياته العقلانية، أو بأدلوجاته العالمية وتهويماته الإنسانوية، يلي هذا خطاب الهوية في عالم العولمة بفضائه السبراني ومجاله الإعلامي، بإنسانه العددي ومواطنه الكوكبي، « هذه العوالم الثلاثة التي تتجاذب الوعي بالهوية المجتمعية والثقافية، تؤلف ما يكمن تسميته ثالوث القدامة والحداثة ومابعد الحداثة، أو بصيغة أحدث ثالوث الأصولية والعلمية والعولمة، وفي المجال العربي الأحرى تسميته ثالوث الألسلمة والأنسنة والعولمة » [30]، من هنا يصفُ علي حرب الكلام عن الهوية والدفاع عنها من أفخاخ العولمة ضرباً من العجر والكسل، بوصفه إفقار للهويات، إذ أن الوصاية عن الهوية من النخب المثقفة والمفكرة أو من قبل حماتها ودعاتها من الأصوليين لم يفدنا بشيء على طول عقود من الزمن، لتصبح « مشكلة الهوية الثقافية عندنا تكمن في المقام الأول لا في قوى العولمة أو غزو الأمركة، بل لدى أهل الهوية وحماتها من النخب المثقفة » [31]، على هذا النحو تشكلت حصيلة الدفاعات الفاشلة والممارسات العقيمة وغير المنتجة للهوية، إذ انعكس هذا على خطابها الحافل بمفردات الغزو والاحتراف والاكتساح والمحو، من هنا دعوة علي حرب للخروج من قوقعتنا الهوياتية ومعسكراتنا العقائدية لنتعاطى مع خصوصياتنا على نحو عالمي ونطور علاقتنا بوجودنا على نحو من الانفتاح والتعدد، لإعادة إنتاج هوية أكثر قوة وفاعلية وحضوراً، « إن أدلوجات الهوية والوعي لم تكن سمناً ولا علاً لا عندنا ولا عند غيرنا، بل إن البشرية دفعت وما تزال تدفع أثماناً باهظة، دماً ودماراً، قهراً وهدراً، من جراء إعلانات الهوية والتشبت بالانتماءات المتعالية أوالأسطورية، أكانت الهوية دينية أم قومية إجتماعية أم سياسية » [32].

إن محاولة علي حرب لتجاوز لغة الصراع بين الهويات، ذلك الصراع الذي مجاله المصالح والمواقع والسلطة، هذا السبيل وحده يُخَوِلُ ويُتِيحُ تجاوز التأجيج للصراع حول الهوية التي تتحمل النخبة المثقفة مسؤولية تبيعاته السلبية لا محالة، كل هذا كان على حساب التجديد والابداع والتجاوز لمفهومات الهوية الكلاسيكية ومقولاتها الماورائية، إذ أن « الهوية القوية والفعالة ليست ما يملكه المرء أو يُعْطَى له، إنها ليست كياناً ماورائياً، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والانشغال على المعطى الوجودي بكل أبعاده، من أجل تحويله إلى أعمال وانجازات، إنها صناعة وتحويل بقدر ما هي انبناء و تشكيل » [33]، إنها ليست ثابتة أو مطابقة كما مع المنطلق الأرسطي ­ أنظر إلى كتاب على حرب ، الماهية والعلاقة: نحو منطلق تحويلي­، إنها بنية يعاد تأسيسها وبنائها باستمرار وفقاً لما يمليه الواقع ومستجداته، فنحن إن كنا نتعامل معها بشكل سحري أو ماورائي، بمنطلق يزيد من جمادها وإعاقتها على النمو برؤية استبدادية واقصائية، فإنه آن الأوان حسب علي حرب لتجاوز هذه النرجسية الدينية وذِهْنِيَةِ الحراسة والمدافعة في التعامل مع الهوية، إذ أن في إنغلاق الهوية ضعف وانسداد، وفي انفتاحها قدرة وانثمار، من هنا « ضرورة إخضاع خطاب الهوية للنقد، من أجل التحرر من العوائق التي تَشُلُ الطاقة وتولد العجز والاخفاق، وذلك يحتاج إلى تغيير نمط التعامل مع  هوياتنا » [34]، بهذا الشكل نستطيع أن نقيم علاقة تحويلية وحركية مع الأصول والثوابت، انتاجا وابداعا، لا على سبيل الدفاع المعتصم بضباب الإيديولوجيا، هكذا يكون دفاعنا عن الهوية عائقاً أمامنا، مثلما هي ثنائياتنا المرتبطة بمسألة الهوية، فماذا تنفعنا خشيتنا على الهوية والتراث من الغزو والاختراق في حين أن ما يَحْدُثُ لا مرجوعٌ عنه إلى الوراء، لهذا فإن « مشكلة هويتنا الثقافية ليست في اكتساح العولمة والأمركة، على ما نظن ونتوهم، بل في عجز أهلها عن إعادة ابتكارها وتشكيلها في سياق الأحداث والمجريات، أو في ظل الفتوحات التقنية والتحولات التاريخية، أي عجزهم عن عولمة هويتهم وأعلمة اجتماعهم وحوسبة اقتصادهم وعقلنة سباتهم وكوننة فكرهم ومعارفهم » [35]، هكذا كان الرهان الأكبر اليوم  هو تظهير صورة جديدة للهوية وقطع الصلة بالتصور الأرسطي والتمثل الأنثروبولوجي لها، والتحول من تعاملنا معها من المستوى الأرذل والأسوء ­ بتعبير علي حرب ­ إلى ممارستها على نحو خلاق وفعال، «فالقضية هي أن لا نمارس هوياتنا كمحاكم للإدانة أو كأفخاخ ننصبها للأخر كي يقع فيها … بل علينا ممارسة الهوية كَأَّناَ تعددي تواصلي في الفضاء العمومي أو منطلق كوسموبوليتي » [36]، أي إنسان ينتمي إلى المعمورة لا إلى أي مِلَةٍ أو أمة بعينها متجاوزاً بذلك كل الأطر والدوائر المحلية والأهلية الضيقة، ومحاولة كسر الحواجز العرقية والدينية العازلة، إذ الهوية بهذا الشكل ليست محمية عنصرية، هذا ما عبر عنه علي حرب بقوله: « صرت أعتبر أن السؤال عن الهوية هو سؤال مفخخ يرمي إلى استدراجي لكي أقع في الشرك، إذ هو يريد لي أن أكون رهناً لهويتي سجيناً لمعتقدات وتقاليد وثوابت سلوكية أو فكرية لست أنا من أختارها » [37]، كَوَنَ أن خطاب الهوية كما جرى التعامل معه، أخذ يُكَرِسُ التقسيمات المعهودة بين البشر إلى أقوام وأعراف أو طوائف وملل، هذا التقسيم الذي ينهض عنه علي حرب محاولاً تجاوزه، كون أن هذه التقسيمات تحجب ورائها قوة سلطوية ” سياسية دينية، إجتماعية” تستخدمها لتحقيق مقارب خاصة، لكن يقول علي حرب « لا يعني ذلك بالطبع أن لا هوية لي، فأنا مشدود إلى الهُّنَا والآن، وذاكرتي موشومة بالبنية الثقافية التي تربيت فيها وبالجماعة التي انتمي إليها » [38]، فقط الواجب هو تَأَّوُلْ هذا الانتماء دوماً على الشكل الإجابي، ذلك المستوى الذي يتيح لنا التعايش مع الآخر لا بصورة سلبية أو عدائية، بل بصورة تقوم على منطق الحوار والتسامح، هكذا نعمل على إحداث القطيعة لكل العنف الذي ينتج بين الشعوب من منطلق الاختلاف الهوياتي، إذ يحسب الكل نفسه تابعاً للكل، وما الفرق بين هذا الكل سوى فرق جزئي ضمن منظومة كلية إسمها العيش معاً في العالم أوالإنسانية، « ترتبط الأنا بالأخر والموضوع عندما تكون العلاقة بينهما موجبة، وتنفصل الأنا عن الأخر والموضوع عندما تكون العلاقة سالبة، وكلما ظهرت الأنا مع الأخر في موضوع واحد وهما في حالة تساوي وفق الحاجة والجهد كلما قويت العلاقة بينهما، وكلما ظهرت الأنا على حساب الأخر كلما ضعفت العلاقة بينهما» [39]، هذا ما عَمَّدَ على تفعيله الغرب عندما باشر انتقاد خطابه حول الهوية، من خلال تفكيك الهوية إلى عناصر بسيطة وتمثل هذه الهوية من خلال لعبة الإختلاف والتشابه، والنظر إليها بإعتبارها حصيلة هذا الاختلاف والتنوع لا نتيجة هذا التشابه، هذا ما عبر عنه “جان ماري بنوا” في قوله: «مسألة الاختلاف تخترق عصرنا الحالي، ومسألة الاختلاف تُفْضِي في النهاية إلى طرح مسألة الهوية » [40]، ليتزحزح منطق الهويات الكلاسيكية باعتبارها ذات بعد كينوني مستقل، أو من حيث هي إحدى مقومات المنطق الأرسطي والإنساني منذ العهد اليوناني إلى مطلع عصر الأنوار، أو بوصفها ميزة تخص جماعة بشرية دون الجماعات الأخرى، إذ الهوية بهذا الشكل تقع على أكثر من “مفترق” كما يرى “كلود ليفي ستراوس” هنا تتحول الهوية من كليتها وتعاليها إلى وقائعيتها، لتنبني على مقومات هذا الحاضر، فيغدوا الاختلاف والمغايرة والتنوع والحوار والتحويل من عناصرها  الأساسية التي لا انفكاك عنها، « فليس من شرط الهوية نفي الأخر، أو إقامة سد يمنع الحوار بين الأنا والأخر… الهوية بقدر ما تحيل إلى التاريخ الخاص لكل فرد أو لكل جماعة، فإنها لا تبني إلا بالعلاقة مع الأخر» [41]، إنها على حد تعبير “ليفي ستراوس” ليست إلا الحد النظري، أو حد من حدود الحق وفق تصور ابن عربي من هنا ينتقد علي حرب المقولة القائلة ” الكائن هو العين بالذات ” كونها مقولة تنطق بالهوية لتستر أو تحجب الغَيْرِيَة، إذ لا هوية من دون غَيْرِيَة كون أن الموجود الذي يُعْرَفُ بكونه عيناً لا يكف عن كونه غيراً « بهذا لا يعود الكائن يقرأ في عزلته وانغلاقه بل يرى في انفتاحه وعلاقاته » [42].

هكذا ننتهي إلى أنه لا هوية صافية كمماهاة تامة مع النفس في زمن الاختلاف، إذ ذلك التصور الكلاسيكي للهوية ­حسب علي حرب­ لم ينتج لنا سوى العزلة والخواء، بقدر ما أنتج لنا العنف والفقر والإرهاب، فكل ما في الأمر هو أن نتعامل مع هوياتنا بوصفها مقولة نسبية أو صيرورة متحولة، أو تركيبة هجينة، إننا ملزومون في نظر علي حرب أمام كل هذه الأزمات والمأزق التي يعيشها العالم، لأن نتعامل مع هوياتنا بطريقة حيوية وجودية مفتوحة على كل أخر، أياً كان هذا الأخر، هذا ما نعنيه بتفكيك موضوعة الهوية والدعوة إلى تأويلها بإستمرار« فإعادة النظر في مفهوم الهوية تعني أن نقتنع بأنه لا توجد هويات صافية وانتماءات أحادية فالهوية الواحدة هي شيء لا ينفك يختلف عن نفسه، أو إسم يتحول عن معناه باستمرار، أو ذات تمارس وعياً نقدياً ضدياً بذاتهاً » [43]، من هنا غنحن لا نكون ذواتنا إلى بقدر ما نكون في صورة الأخرين، ولا نستطيع ممارسة هوياتنا إلا عبر التفاعل مع الفضاء وامتداداته، إننا الأنا من خلال الأخر، وليس بإمكاننا أن نكون أنوات إلا من وراء مرآة الأخر.

 

قائمة المصادر والمراجع:

[1]- شوقي جلال، العولمة: الهوية والمسار “رؤية عربية”، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 2007، ص106.

2- جيلالي بوبكر، العولمة مظاهرها وتداعياتها “نقد وتقييم”، عالم الكتاب الحديث للنشر والتوزيع، جدارا للكتاب العالمي للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2011، ص02.

3- جيلالي بوبكر، العولمة “العقيدة وفلسفة النهايات”، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، تيزي وزو.الجزائر،”د.ط” “د.س”، ص112.

4- الزبادي محمد فتح الله، العولمة وآثارها على العالم الإسلامي، منظمة المؤتمر الإسلامي، قطر، الدورة14 ص02

5- محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.لبنان، ط1 1997، ص 132.

6- بن سهو محمد، العولمة، دار البيارق، عمان، “د.ط”، 1998، ص14.

7- علي حرب، العالم ومأزقه “من منطق الصدام إلى لغة التداول”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط2 2007، ص 105.

8- علي حرب، تواطؤ الأضداد” الآلهة الجدد وخراب العالم”، منشورات الإختلاف، الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2008، ص 256.

9- علي حرب، تواطؤ الأضداد” الآلهة الجدد وخراب العالم”، ص 254.

10– جريدة الجزيرة، العدد 9889، تاريخ: 17-07-1420هـ، ص10.

1[1]- علي حرب، حديث النهايات “فتوحات العولمة ومآزق الهوية”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط2 2004، ص 29.

2[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص30.

3[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص30 ص31.

4[1]- علي حرب، حديث النهايات،  ص31.

5[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص31.

6[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص44.

7[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص44.

8[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص44.

9[1]- علي حرب، حديث النهايات، ص 45.

20– علي حرب، حديث النهايات، ص48.

21– علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية” مصائر المشروع الثقافي العربي”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط1، 2001. ص76 ص77.

22– عمر مهيبل، تقديم، جاك دريدا، أحادية الآخر اللغوية “أو في الترميم الأصلي”، تر.تق:عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، منشورات الإختلاف، الجزائر، ط1، 2008، ص10.

23– جاك دريدا، أحادية الآخر اللغوية، ص40.

24– علي حرب، خطاب الهوية “سيرة فكرية”: حوار حول صناعة الذات، منشورات الإختلاف، الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، ط2، 2008، ص 48 ص49.

25– علي حرب، خطاب الهوية، ص51 ص56.

ص83. 26– علي حرب، خطاب الهوية،

27– داريوتش  شايغان، أوهام الهوية، تر: محمد علي مقلد، دار الساقي، بيروت.لبنان، ط1، 1993، ص75.

28– داريوش  شايغان، أوهام الهوية، ص88.

29– علي حرب، مداخلات “مباحث نقدية”، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.لبنان، ط1، 1985  ص09.

30– علي حرب، حديث النهايات، ص11 ص12.

31– علي حرب، حديث النهايات، ص 17.

32– علي حرب، حديث النهايات، ص21.

33– علي حرب، حديث النهايات، ص23.

34– علي حرب، حديث النهايات، ص25.

35– علي حرب، حديث النهايات، ص25.

36– علي حرب،  تواطؤ الأضداد، ص148.

37– علي حرب، الممنوع والممتنع” نقد الذات المفكرة”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط4 2005، ص105.

38– علي حرب، الممنوع والممتنع، ص105.

39– عقيل حسين عقيل، منطق الحوار بين الأنا والأخر” من حوار الأفراد إلى حوار أهل الحضارات والأديان”، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت.لبنان، ط1، 2004، ص131.

40– نقلا عن، علي حرب، التأويل والحقيقة” قراءات تأويلية في الثقافة العربية”، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.لبنان، ط2، 2007، ص196.

41– علي حرب، التأويل والحقيقة، ص223.

42– علي حرب، نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط3، 2005، ص126.

43– علي حرب، المصالح والمصائر” صناعة الحياة المشتركة”، منشورات الإختلاف، الجزائر الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2010، ص134.

 *************************************************

*ماجستير فى الفلسفة — جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف . الجزائر .

شاهد أيضاً

زها

وسيلة مجاهدتحيى ذكرى زهاحديد

زها حديد، عندما لا تقبل أن تكون مكرّرا زها حديد، عندما لا تقبل أن تكون ...