الرئيسية / أخبار ثقافيه / نصر الدين شنوف *يكتب : الحداثة ورهان التحديث عند “علي حرب”: فشل المشاريع وانسداد الأفق.

نصر الدين شنوف *يكتب : الحداثة ورهان التحديث عند “علي حرب”: فشل المشاريع وانسداد الأفق.

من الحداثة إلى ما بعد الحداثة: “النقد بين الإيديولوجيا والنظرية” .
الحداثة ورهان التحديث عند “علي حرب”: فشل المشاريع وانسداد الأفق.

 


يكثر الحديث في الفلسفة العربية الإسلامية عن الحداثة من حين طبيعتها ومرتكزاتها وعلاقتها بمقومات المجتمع العربي الإسلامي كالدين واللغة وتراث …الخ مثلما كثر الكلام حول مفهومها وتعريفها، إذ كل حددها وفقاً لفهمه ولفلسفته التي يشتغل عنها، وربما يرجع ذلك إلى الطبيعة الهلامية التي يتصف بها مفهوم الحداثة وكذلك ملابسات خروجه إلى العلن وفضاضة هذا المفهوم بانتقاله عبر العديد من ميادين المعرفة، ليعبر في الأخير على إحدى أهم المحطات التاريخية في الفكر الغربي أوفي العالم البشري ككل ­ أنظر موقف طه عبد الرحمن من الحداثة ­، ومما لا شك فيه، هو أن موقف علي حرب من الحداثة إنما تبلور نتيجة قراءاته المختلفة لما كتب حولها، والمتمعن في خطاب ما حول الحداثة في الفكر العربي المعاصر يجد الكثير من المواقف التي تقترب من موقف علي حرب للحداثة، وإثارةً للموضوع تجدر بنا الإشارة إليها ولو باقتضاب، أما الحداثة عند “عبد الكبير الخطيبي” فهي تعني « إبداع المستقبل وبناؤه » [1]، بهذا الشكل يتصور الخطيبي الحداثة في أفق مقولة المستقبل، إذ هي وفقاً لهذا التمثل ثورة وتجاوز مستمرين، وحركة بناء لا تنتهي، أما “علي أومليل” فإنه ينظر إلى الحداثة على أنها « عملية متكاملة، فهي اكتساب معرفة متقدمة، ورفع مستوى المهارات واستعاب التكنولوجيا المتطورة، وإنتاجية منافسة » [2] والحداثة هنا كما يتصورها “أومليل” هي التغيير اللامنقطع، وهي التجديد المستمر، إنها اعتدامية ايجابية لا استقرار لها، كيف لها؟، وهي فتح الإمكان على التطور والبحث، وعلى تنمية القوى المنتجة والوعي بالذات، وإذا كان مفهوم الحداثة « جديد لا يخلو من الالتباس مصطلح متعدد الدلالة من العسير كل العسر تطويق معناه » [3]، كما أشرنا سلفاً، فإننا بالكاد نجد اختلاف حول مقوماتها وأسسها، إذ يجمع الباحثين بأن الحداثة لم تقم إلا على “العقلانية والذاتية والفردية والحرية والإنسية”، هذا لا على سبيل الحصر والتقييد، إنها الإستعقال والإلتفاف والعناية بالذات، إنها ­ حسب عبدالله العروي ­ « تنطلق من الطبيعة، معتمدة على العقل في صالح الفرد لتصل إلى السعادة عن طريق الحرية » [4]، وإذا تنوعت مفهومات الحداثة من فيلسوف لأخر، ومن اتجاه لاتجاه مغاير، وإذا ما ألصق العديد من المفكرين الحداثة بالغرب وسياقاته التاريخية، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أنه يوجد من المفكرين من نفي عن الحداثة طابعها الغربي أو إنتمائها التعسفي لجهة من العالم دون الجهات الأخرى، وهنا نعود إلى المغربي ” طه عبد الرحمن” الذي يقول في هذا السياق: « الملاحظ أن هذه التعاريف ­ على اختلاف قوة إحاطتها بمفهوم الحداثة ­ تقع في تهويل هذا المفهوم حتى تبدو الحداثة وكأنها كائن تاريخي عجيب يتصرف في الأحياء والأشياء كلها تصرف الإله القادر بحيث لا راد لِقَدَرِهِ، والحال أن هذا التصور للحداثة تصور غير حداثي » [5]، هذا عن مفهوم الحداثة من حيث كثرته وتشرده، أما عن صناعة الحداثة يقول: « ليست روح الحداثة كما غلب على الأذهان، من صنع المجتمع الغربي الخاص، حتى كأنه أنشأها من العدم، وإنما هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطواره، إذ أن أسبابها تمتد بعيداً في التاريخ الإنساني الطويل » [6]، وأياً كانت هذه الحداثة سواءاً كانت العقلنة أو العلمنة أو الدمقرطة، فإنها بلا شك هي هذا الإختلاف الذي سيضحي في يوم من الأيام جزء لا يتجزأ من ماهيتها وجوهر لا يفارق حقيقتها، على هذا الأساس كانت الحداثة « في جوهرها عملية انتقالية تشمل على التحول عن نمط معرفي إلى نمط أخر يختلف عنه جذرياً ، وهي انقطاع عن الطرق التقليدية “الأسطورية” لفهم الواقع وإحلالها بأنماط فكرية جديدة » [7]، من هذا الباب يدخل على حرب على موضوعة الحداثة فيحللها من خلال ثلاثة مقاربات فلسفية: تتمثل في الحديث عن الحداثة من حيث هي فلسفة قائمة بذاتها، ثم الحديث عنها بوصفها مطلب ملح في الفلسفة العربية المعاصرة هذا بدءاً من الفكر الحديث، ثم يحاول تجاوز القراءة اللاحداثية للحداثة من خلال ولوج فلسفات ما بعد الحداثة” النقد والاختلاف والتفكيك والتأويل…الخ، وبناءاً على هذا يُفَنِدُ علي حرب تمثل الحداثة كونها قطع الصلة بالتراث إذ ليست الحداثة في تصوره « إحداث للقطيعة الجذرية مع الماضي، بل هي طريقة في التعامل المرء مع لغته وتراثه وأصوله، تمكنه من صنع هويةٍ أكثر انفتاحاً وغنى وأكثر قدرة وفاعلية » [8]، من هنا لا انفكاك لأحد منا عن ماضيه، ولا انفصام ولا انفصال للإنسان عن تراثه، بل إن الإنسان هو علاقته بقديمه وبتاريخه وتراكماته، إنه هو تلك العلاقة المنتجة النقدية مع أصوله، إذ لا يشكل الأصل هنا سلطة في ذاته، بل الأصل نفسه يتغير ويتحول بناءاً على القراءات النقدية والتأويلية الخاضع لها.
إن موقف علي حرب الجوهري يتمثل في الدعوة إلى تجاوز إعادة صياغة تلك الثنائيات الواهية التي تجعل الحداثة في مقابل التراث، فالحداثة ليست شيء سوى أنها إعادة بعث ذلك التراث بصورة خلاقة ومثمرة، « فلا يتوهمن الحداثي إذن أن بمستطاعه الانقطاع عن أصوله، إذ بذلك يمارس أصولية رديئة، ولا يتوهمن الأصولي أن بمقدوره القفز فوق ما يحدث، إذ بذلك يمارس حداثتة على النحو الأسوأ » [9]، بناءاً على هذا يفصل على حرب بين طريقتين في التعامل مع الحداثة: “الطريقة التقليدية” التي يمثلها المُبَجِلُونَ والمعظمون للنص الحداثي وأصحابه والمبشرون والمُرَجِونَ له وكأنهم في مؤسسات اشهارية أو في مواقع تشهيرية، هؤولاء في نظر علي حرب لا يحسنون شيء، سوى الدعاية على سبيل يخلو من الجدة والابتكار في إعادة القراءة والفهم، هذا الموقف سيطول نقده عند علي حرب، إذ يجسد النزوع الأصولي في القراءة الحداثية، كيف لا؟، وهم تعاملوا معها وكأنها شعارات ومقولات كلية مطلقة، أو كأقانيم جرى التعلق بها لذاتها، إنهم مارسوا حداثتهم على نحو من الإستهلاك لا على سبيل الإنتاج والإبداع، وهذا ما يسميه علي حرب بالفهم المقلوب للحداثة: « إنهم يتعاملون مع الحداثة التي تشكلت كموقف نقدي من العقائد والمذاهب، بعقل تقليدي، بوصفها ديانة جديدة، مما يعني أنهم أقل حداثة واستنارة بكثير مما يحسبون » [10]، على هذا الأساس ظل الحداثي العربي، أو من يحسب نفسه كذلك يتعامل مع النصوص والخطابات بمنطق التماهى والتعلق غير مستفيد من الفتوحات المعرفية الجديدة التي تتعامل مع الوقائع الخطابية على سبيل الدرس والتحليل أو النقد والتأول والتفكيك، فقرؤا النص كما قدم نفسه، بوصفه خطاباً يتساوى مع ما يقوله أو مفهوماً يتواطأ مع مرجعه، « إنهم وقعوا أسرى الحداثة بقدر ما تعاملوا معها بمنطق قدسي إيماني، ثبوتي أقنومي، لقد أمنوا بها حتى باتت مجرد تقليد أو تحجر أو لغو وتكرار لشعارات فقدت مصداقيتها من فرط خوائها أو من فرط انتهاكها » [11]، إنه العجز العربي المتوقف على معاملة الأفكار بطريقة سحرية ما ورائية، والإقامة في سجون الألفاظ واللغات والاشتغال بحراسة الأفكار والمقولات، وما كان نتيجة هذا إلا تحويل الإمكان الوجودي إلى عجز فكري ضرب بأطنابه جوهر الحياة الإنسانية العربية على ما نعيشه اليوم من تخلف وتراجع، ففي حين عمل الغرب على تهيئة الأسباب “العلمية والثقافية والاجتماعية…الخ لبناء فكر ديمقراطي تحرري وحداثي، عمل بالمقابل المثقف العربي على التعامل مع العقل والتنوير والتقدم بوصفها شعارات تُعْبَدْ أو كونها مقولات مقدسة تحفظ، فالحداثيون العرب نظروا إلى الحداثة « بوصفها أصلاً يقتدى أو نموذجاً يحتدى أو حقيقة متعالية على الحوادث أو خطاب يتطابق مع مَعْنَاهْ ولذا لم يستطيعوا أن يقيموا مع حداثتهم علاقة فعالة وراهنة، غنية ومبتكرة » [12]، هذا ما تجسده في الكثير من الكتابات الفلسفية العربية، إذ انقسم منظرو الحداثة بين مؤيد ومعارض، بين متسائل عن مصير التراث أمامها وبين متخوف عن قيم الإسلام منها، إنها الذهنية الإيديولوجية التي تتعامل مع الأحداث والأفكار وفقاً لسياسة الرفض أو الإقصاء، القبول أو الإدانة، متناسين بأن الحداثة مثلها مثل أي حدث فكري أخر يجدر بنا التعامل معه على نحو يتيح لنا صقل وسبر المتغيرات الحاصلة على مسرح الوجود بشكل ايجابي يساعدنا على بناء ذواتنا وتطويرها والمساهمة في ارتقائها، « فالحداثة ليست حقيقة تعلو على الوقائع بقدر ماهي مجمل فتوحاتها ومحطاتها وتحولاتها، أي محصلة ما حدث وتحول لكي نتحول معه أو عبره … الحداثة ليست معتقداً ينبغي تصديقه كما يقدم نفسه، بقدر ماهي خطابات ينبغي الالتفات إلى ما جعلها ممكنة بإخضاعها للنقد والتحليل للكشف عن أبعادها وظلالها» [13]، من هنا جاءت دعوة علي حرب لنقد الحداثة والتحول من حراسة الشعارات وكأنها ممتلكات أو أيقونات أو التعامل مع الأفكار والنصوص والخطابات بوصفها منظومات يقينية أومرايا للحقيقة إلى جعلها أمكنة خصبة للتأويل والقراءة، تلك الأمكنة التي ينتج عنها إعادة إنتاج المعنى من خلال خرق الكلمات وتحويل العبارات وصرف الألفاظ، لنتحول بذلك من لغة إعادة إنتاج الواقع إلى لغة التوليد والتحويل، وهذه الأخير هي اللغة الحقيقية، إنها لغة مفهومية تتيح لنا السيطرة على القوانين الواقع والتحكم فيها وتجديده باستمرار، بهذا الشكل يدعون علي حرب إلى ولوج عالم ما بعد الحداثة، الذي تغيرت معه جغرافيا المعنى وعلاقات القوة ليخلف لنا خارطة مفهومية جديدة تغيرت معها الحياة كما الإنسان، فإذا كانت الحداثة « هي سبر الممكن بالتطابق مع طبيعة الأشياء أو نظام العقل، إنها تشريع للعقل حتى لا يَتُوهَ أن يظل فإن ما بعد الحداثة ليست مجرد معرفة الإمكان بقدر ما هي ابتكار إمكانيات جديدة، بتشريع الأبواب وقلب الأولويات أو بتغيير الأدوار وتجديد الحقول والمجالات » [14]، هكذا تمكننا فلسفات ما بعد الحداثة من خرق منطق الحتمية التاريخية والمساهمة في انتهاك أحكام العقل وقواعده والعمل على تحرير الفكر الإنساني من أسرى البنى والنماذج والأصول، لنتحول بذلك من طوباوية الحداثة وتعاليها من حيث المنهج والتصور والتملك، إلى الحفر والنبش في أغوار هذا التصور أو التملك نفسه، هكذا نستطيع نحن العرب أن ننتج حداثتنا وإن كانت ثقافتنا مزيج بين المعقول واللا معقول، وهكذا نستطيع نحن العرب أن نتحرر من نظرتنا إلى الحداثة كما وقعت في الغرب، فليس علينا أن نأتي بفولتير وميكيافيلي وديكارت لكي نؤسس حداثتنا، وإنما ينبغي تصور الحداثة على أنها عمل لا ينتهي واستثمار لا منقطع في الأحداث، وفلسفات مابعد الحداثة حدث بارز اليوم على مسرح الوجود، وما علينا اليوم سوى التعامل معه على نحو يخدمنا وقراءته قراءة منتجة، كيف لا؟ وهي قد عملت على تفكيك الأبنية والنماذج الحديثة وكشف أوهامها وفضح مفهوماتها، تلك النماذج التي كانت في يوم ما منهى طموحاتنا، فلا عقل من دون لاعقل، ولا حقيقة بمعزل عن الخطأ، ولا فردانية مستقلة عن كل حِسٍ كلاني، إن « ما بعد الحداثة ليست ما ورائية ولا متعالية، بقدر ما هي تفكيكية، أصولية أو حفرية، والتحليل الأصولي أو بالأحرى الأصوليات بحسب المفهوم النيتشوي لا تعني هنا استعادة تسلسل مزعوم … وإنما هي تعني بأن تبين كيف تحدث الأشياء » [15]، وحتى يتسنى لنا الفهم أكثر، فإن مصطلح التحليل الأصولي لا يحلينا إلى الأصولية كعقيدة أو إيديولوجيا جامدة، إنه يعني فيما يعنيه تفكيك معنى الأصل ووحدانيته، إذ يهدف إلى نسج علاقات جديدة بإستمرار مع الأصول، يجعلها تتحرك بحركة الزمن والتاريخ، وبناءاً على هذا كانت ما بعد الحداثة تقوم على تفكيك أبنية والنماذج ثقافية و« الكشف عما تنطوي عليه الأفكار والأقوال والأفعال مما هو اعتباطي وعابر أو حادث أو طارئ، أو غير معقول وغير مشروع » [16]، إنها صيغة جديدة من صيغ الوجود وعلاقة مركبة وملتبسة بين الأنوات والأشياء والعالم، فالتفكيك في ما بعد الحداثة يتجه نحو تحرير الفكر من مسبقات التفكير بتفكيك أدوات الفهم وإعادة تركيبها، لذا يتحول الإنسان من كائن عاقل في عصر الحداثة إلى كائن ذو فكر، يعقل من فرط لا معقوليته بكشف أصنامه وهواماتة، لتتحول علاقتنا بالعقل من طابعها الطبيعي البسيط إلى علاقة مراس وجهد وبناء لا ينقطع، « فالعقل هو علاقة بين المرء وفكره لا تقوم على التطابق والمساواة بقدر ما تُنْسَجُ من الاختلاف والتوتر أو تقوم على الاستباق والتجاوز، فالإنسان لا يتساوى مع إمكاناته، بل هو دوما “أكثر مما هو عليه” بحسب صياغة هيدغر للواقع الإنساني » [17]، فإذا كان كانط قد حاول الوقوف على معرفة حدود العقل المحض وتحديد إمكانية المعرفة وحدودها، فإن ما بعد الحداثة تعمل على كشف أوهام الحديث عن العقل الخالص، مُحَاوِلَةً بذلك خرق شروطه وتجاوز حدوده، إذ ليس العقل وفقاً للتصور ما بعد الحداثي مجرد أداة نستقصي بها الواقع وسنطرده، بل هو « ليس فطرة نجري بمقتظاها، وإنما هو صناعة نتحول بها ونحول علاقتنا بالأشياء، بقدر ما نخلق بفكرنا مدى للوجود أو إمكانا للحياة » [18].
لقد كانت مميزات ما بعد الحداثة دوماً دالة على التنوع والاختلاف والتشظي والتفتت وكذلك نفي صفة الشمولية على كل خطاب، هذا ما عبر عنه “أرنولد توينبي” واصفاً وضع ما بعد الحداثة بثلاثة خصائص أساسية هي: « اللاعقلانية والفوضوية والتشويش » [19]، إنها عهد أفول “المرويات الكبرى” بتعبير ” جون فرانسوا ليوتار”، إنها تقف أمام كل الإديولوجيات أي كانت مسميتها. إذ هي بالأساس ضد البني الشكلية التي أسستها الحداثة، بهذا الشكل ينتقد علي حرب الحداثيون العرب الذين تعاملوا مع الحداثة بمنطق لا حداثي متناسيين ما جعل من الحداثة ممكنة، أي تلك الروح النقدية بين الفكر ومنتوجاته وما بين العقلانية والأنساق المعرفية والخلقية والجمالية، إذ في الفكر العربي نظروا إلى « الحداثة لا بمنطق الحدث ولغة المفهوم بل بعين إيديولوجية، قبولاً أو رفضاً، بدلاً من أن يخضعوها للنقد والتحليل أو التأويل والتفكيك، لسبر إمكاناتها أو لتوسيع فضاءاتها » [20]، من هنا ينادى علي حرب بضرورة الأخذ بالإستراتيجية النقدية المعاصرة التي تجلت فاعليتها في محطات فكرية مختلفة، من أبجدية غاليلي إلى دهرية فولتير، ومن الشك الديكارتي إلى النقد الكانطي، وصولاً عند جدلية هيغل التي أنتجت لنا مادية ماركس والتحليل النفسي الفرويدي، وقوفاً عند حفريات نينشه التي أخرجت لنا تأويلية هيدغر وتفكيكية دريدا واختلاف دولوز وقبلهم أركيولوجيا فوكو، هكذا فإن الحضارة العربية الإسلامية بإعتبارها حضارة نص، فإنها بإستعانتها بهذه الإستراتيجية النقدية لا تلغي مبدأ الإجتهاد التي تنهض عنه، بحثاً منها عن المعنى، أو دركاً للحقيقة أو بناءاً للحكم أو حتى إنتاجاً للمعرفة، هذه الإستراتيجية التي مَكَنَتْ على حرب من تحقيق « النقلة النوعية من “نقد العقل” إلى”نقد نص” في ضوء الطفرات المعرفية في ميادين اللغة والإناسة والتحليل النفسي والنقد الأدبي وأثريات المعرفة وعلم الكتابة ومنطق الحس وفلسفة الاختلاف » [21]، كل هذا مَكَنَهُ من « تفكيك الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي إلى وضع مختلف شعارات الحداثة موضع المساءلة والمراجعة وعلى نحو أفضى إلى تغيير علاقتنا بمفردات وجودنا، بالحقيقة والعقل والنص، كما بالهوية والمعنى والعالم… » [22]، ليتحول السؤال عند علي حرب من صيغة: من أكون؟ أو كيف أحافظ على ما أنا عليه؟ أو كيف أكون مخلصاً لتراثي ولذاكرتي، إلى السؤال بصيغة: كيف أغير نفسي بنفسي بإستمرار؟ كيف أُحَوِلُ علاقاتي بالأشياء والعالم على نحو يخدمني والمجتمع وبشكل دوري؟، بهذا المنطق يفكر علي حرب عكس أهل القدامة الذين ينشدون إلى ماضٍ لن يعود، وبخلاف ديناصورات الحداثة ­ مصطلح يستخدمه علي حرب ­ الذين يتوقون إلى مستقبل يقبضونه على الحركة ويتخيلونه بصورة مسبقة ومطابقة، في حين لا مجال لتخيل الآتي، على هذا الأساس كانت ما بعد الحداثة « حدثية بقدر ما هي محاثية، ومعنى كونها محاثية، أنها لا تحيل الموجودات والواقعات إلى نماذج وصور أو إلى كليات ومطلقات، وإنما تقيم علاقة نقدية مع الأقوال والأفعال أو مع الأفكار والممارسات » [23]، لتكون ما بعد الحداثة أكثر راهنية، إذ ينصب إهتمامها على الحاضر لا على الماضي أو المستقبل، ولا يعني هذا استبعاد الماضي وطبقاته ولا نفي المستقبل ومفاجآته، وإنما يعني بحسب علي حرب أنه ليس بمستطاع أحدنا أن يكون ما بعد حداثي وهو سيتشرف لمستقبل متوهم أو يعيش على وقع ماضٍ مزعوم.
أما عن علاقة الفكر العربي بالحداثة، فإن علي حرب يرد على من يقولون بأننا لم نبلغ حداثتنا: فكيف لنا انتقادها؟، مستقرءاً ذلك على أنهم لم يفهموا جوهر الحداثة، فتخيلوا مستقبل العرب كما ماضي أوروبا قبل قرابة الخمسة قرون، وظنوا أن على العربي أن يخضع للحتمية التاريخية كما حصل في الغرب لتكون الحداثة هاهنا « كالقدامة، جوهرانية ما ورائية بمعنى أنها تقول بوجود ماهيات محضة وحقائق ثابتة، بقدر ما تعطى الأولوية للموضوعات والمحتويات والدِلالات على الأشكال والبني والمنطوقات » [24]، ويشير على حرب بأن فشل مشاريع التحديث العربي بمختلف مشاربها ومنابعها جاء نتيجة التعامل السيء للحداثيين أنفسهم مع الحداثة، إذ قرؤوها بمنطق أصولي قدسي، فكان تعثر « العقلانية وتراجع الاستنارة وفشل العلمانية، كل ذلك إنما مرده أن أصحاب الشعارات الحديثة قد تعاملوا مع علمانيتهم بصورة لاهوتية، وتعلقوا بالعقل على نحو أسطوري وتعاطوا مع عصر التنوير بطريقة تقليدية أصولية وغير تنويرية » [25]، وفقاً لهذا لن نصبح حداثيين ما لم نشارك في تطوير هذه الحداثة، ولن نتمكن من هذا إلا عن طريق النقد بتحويلها من مجرد مذهب أو مدرسة إلى التعامل معها بوصفها فضاء يفتح أفاقاً لا نهائية للعقل ليفكر ويبوح، فليس نقد العقل العربي للنمط الحداثاوي الذي لم يترسخ عندنا بعد بالأمر السلبي، بل على العكس من ذلك، ومن يفكر بغير هذا المنطق، فإنه وبلا شك لا يحسن القراءة، والقراءة مستويات، هكذا قرأ الحداثيون على اختلافهم الواقع الحداثي، إنهم « يفكرون بإستعادة عصر النهضة أو العصر الكلاسيكي أو عصر الأنوار، أو هم يحاولون احتذاء منهجية ديكارت أوليبرالية فوليتر أو عقلانية كنط أو تاريخية هيغل أو مادية ماركس » [26]، بهذا الشكل يستوي الأصولي مع الحداثي، فلا فرق حينئذ بين محمد عمارة وعبد الله العروي، أو ما بين أنور الجندي وجورج طرابشي، إذ « الكل يفكرون بطريقة نموذجية في أصوليتها، من الماركسي صادق جلال العظم إلى الإسلامي طه عبد الرحمن ومن الوضعي زكي نجيب محمود إلى الشخصاني محمد عزيز لحبابي » [27]، في حين أننا حسب علي حرب لن نتمكن من صنع حداثتنا إلا بقدر اختلافنا عن ماركس الأصلي أو ديكارت الحقيقي، إذ ليست المسألة أن تكتسب عقلانية ديكارت أو كنط حتى نتمكن من دخول عالم الحداثة، وإنما نحن من يصنع حداثته بنفسه، بقراءة هؤولاء جميعاً قراءة حية وفاعلة ومثمرة، إذ ماذا تنفعنا العودة إلى الوراء مثلما يراد لنا من المعرضين على نقد الحداثة، « فنحن العرب لم نصبح حداثيين منتجين خلاقين، ليس لأننا لم نكتسب عقلانية المحدثين أو لم نَبْنِ على أسسوا، بل لأننا لم نحسن الاختلاف والتمييز عنهم بقراءة نصوصهم وأعمالهم قراءة معاصرة راهنة » [28]، إننا نخشى التباين ونهاب الاختلاف في زمن الاختلاف، إننا نعيش اغتراب حقيقي، وهوة تَفْصِلُنَا عن واقعنا وعصرنا الذي نعيشه، ولا سبيل لتحقيق الحداثة سوى العمل على تجاوز هذا الاغتراب الذي طال حتى الذات الإنسانية من داخلها.

*******************************

قائمة المصادر والمراجع:

1- أنظر إلى: محمد الشيخ، رهانات الحداثة، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ط1، 2007، ص 249.
2- أنظر إلى: محمد الشيخ، رهانات الحداثة، ص 269.
3- محمد الشيخ، رهانات الحداثة، ص 299.
4- أنظر إلى: محمد الشيخ، رهانات الحداثة، ص 226.
5- طه عبد الرحمن، روح الحداثة “المدخل إلى تأسيس حداثة إسلامية”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط2، 2009، ص24.
6- طه عبد الرحمن، روح الحداثة “المدخل إلى تأسيس حداثة إسلامية”، ص30، ص31.
7 – هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، تر: محمود شريح، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1993، ص26.
8- علي حرب، الممنوع والممتنع” نقد الذات المفكرة”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط4 2005، ص 251.
9- علي حرب، الممنوع والممتنع، ص251.
10- علي حرب، تواطؤ الأضداد” الآلهة الجدد وخراب العالم”، منشورات الإختلاف، الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2008، ص 65.
11- علي حرب، تواطؤ الأضداد” الآلهة الجدد وخراب العالم”، ص65.
2- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية” مصائر المشروع الثقافي العربي”، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط1، 2001، ص37.
13- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص38.
14- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص33.
15- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص31 ص32.
16 – علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص32.
17- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص30.
18- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص30.
19- أنظر إلى: محمد الشيخ، رهانات الحداثة، ص192.
20- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص31.
21 – علي حرب، المصالح والمصائر” صناعة الحياة المشتركة”، منشورات الإختلاف، الجزائر الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2010، ص 94.
22- علي حرب، المصالح والمصائر” صناعة الحياة المشتركة”، ص94.
23- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص34.
24- علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص28.
25- علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط3، 2004، ص112.
26- علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ص111.
27 – علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ص111.
28- علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ص115.

******************

ماجستير فى الفلسفة — جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف . الجزائر .

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...