الرئيسية / أخبار ثقافيه / نعمان الحاج حسينن*يكتب:أشباح الماضي أم الحاضر ؟.. الواقع والتخييل

نعمان الحاج حسينن*يكتب:أشباح الماضي أم الحاضر ؟.. الواقع والتخييل

 

-1-

-مقدمة: بداية العصر الحديث

“السنة الرائعة ” لقب أطلقه الإسبان على سنة (1492) لأنها شهدت ثلاثة أحداث إسبانية هامة هي: سقوط غرناطة آخر مملكة للعرب في إسبانيا وطرد اليهود واكتشاف أمريكا و( تودوروف يضيف حدثا رابعا إلى العام الرائع في إسبانيا وهو : التدوين النهائي لقواعد اللغة الإسبانية) والمفارقة أن اليهود حينها كانوا ضحايا الإسبان مثل العرب والهنود غير أنهم يلعبون اليوم دور الإسبان ضد الفلسطينيين.

ولا تزال الذاكرة العربية مسكونة بسقوط غرناطة ليس باعتباره حدثا تاريخيا يتقادم مع الزمن الماضي بل كما لو أنه حدث معلق خارج التاريخ يتجدد مع الجريان المعاكس للزمن فالعرب عند ضياع فلسطين عام (1948) بكوا الأندلس ..وبعد هزيمة 67 يقول (عبد الله العروي): ” عندما جاءت الهزيمة تألمت أكثر وأكثر للشعب المصري الذي سبق كل الشعوب العربية إلى الإصلاح والرقي والتنمية ، الذي حاول أربع مرات أن يقوم بثورة شاملة وعجز عنها منذ أيام محمد علي .. هل خانته آلهته كما اعتقد شعب المكسيك حين غزاه الإسبان ؟” (2). وفي أعقاب عام 1967 كتب كلود ليفي شتراوس رسالة للفيلسوف (ريمون آرون) يقول فيها :” لقد أحسست بجرح ، وليست هذه المرة الأولى فقد أحسست بالجرح نفسه أمام مأساة الهنود الحمر ، ولا يمكنني إلا أن أقارن بين معاناة الفلسطينيين ومعاناة الهنود ” (1) ..وإذا كانت مذبحة (مكسيكو) التي أعقبت سقوط المدينة بيد الإسبان تفوق ( مذبحة صبرا وشاتيلا ) التي أعقبت سقوط (بيروت) بما لا يقاس لأن الإسبان وحلفاءهم بعدما قتلوا الامبراطور الذي كان قد تمنى (لو يختفي داخل كهف عميق) قتلوا كل سكان المدينة تقريبا أي مائتي ألف ضحية ، إلا أن المذبحتين تتشابهان من حيث الصمت الذي تلاهما ، فقد عم صمت مطبق بعد مذبحة (صبرا و شاتيلا ) شمل العالم العربي كأثر للصدمة ، وراح العرب يرددون في اعماقهم : (من الحاكم الذي سيكون صلاح الدين ويحرر القدس ؟) كأنهم يرددون بشكل معكوس ما قاله الجنرال (غورو ): ( ها قد عدنا يا صلاح الدين ..) ولعل الرغبة بالعودة إلى التراث هي رغبة بالاحتماء بالأب أو بالأحرى الأم ولكن أهي رغبة بالولادة من جديد أم مجرد الاختفاء داخل كهف بعيدا عن نظرات الغرباء الجارحة. .؟

واليوم تتقدم الجيوش الأمريكية لاكتشاف ما تم اكتشافه مسبقا منذ الحملات الصليبية : أرض (الآخر) التي خضعت للاستعمار الأوروبي، مع هتافات النصر بعد انتهاء العمليات الحربية ويتم تسليط الأضواء على الأجزاء المتخلفة من المجتمعات العربية الإسلامية التقليدية كما لو أن لا شيء تغير منذ العصور الوسطى باعتبارها خلفية لمقاومة فلكلورية للإسلاميين الذين يظهرون في الإعلام ويشبهون دراويش (المهدي) في السودان في القرن التاسع عشر. يقول (فرناند دومون) “في زمن الأسطورة..لم يكن علم الأسطورة “(4)، والآن ، كيف أمكن في (زمن علم الأسطورة) إنتاج أسطورة جديدة ، هي فوق ذلك ، الأسطورة نفسها ؟ .. فاليوم يتم التأريخ بهجوم (11 أيلول) عام /2001/ مما أدى إلى مقتل (3000) ثلاثة آلاف مدني أمريكي ، كحد تاريخي فاصل بين ما قبل وما بعد لكنه يرسم حدا مكانيا فاصلا بين (هنا) و (هناك) بين (نحن) و(هم) حيث الإرهاب المنسوب لأزمنة الإسلام القديمة ، يعبر المحيط ذاته (الذي عبره الإسبان عام 1492 عند اكتشاف أمريكا ) لضرب وتهديد الأزمنة الحديثة في العالم الجديد : أمريكا ، ولكن هنا يثور سؤال : كيف أمكن لجماعات تعيش في التاريخ أن تعبر الزمن بالاتجاه المعاكس لزمن الحداثة وتقوم بالهجوم على نيويورك وواشنطن ؟ ومن الذي يفترض به أن يتحكم بآلة الزمن؟

ولا تكمن الشبهة في اختيار الحادي عشر من أيلول كحد زماني فاصل في أنه يوحي بحد مكاني فاصل وحسب، بل لأنه لا يؤدي حتى الفاصل الزمني الافتراضي فهذا أيضا إيحاء بأن صورة العرب السلبية ناتجة عن الحادي عشر من أيلول مع أن العكس هو الصحيح ، فتدمير البرجين هو نتيجة لصورة نمطية سابقة عن العرب والإسلام كانت سادت في الستينات والسبعينات وشكلت غطاء للإسرائيليين ، ثم تراجعت بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وفي عام  2000 انطلقت الانتفاضة الثانية وجاء الحادي عشر من أيلول ليهدم ليس البرجين في نيويورك ، فقط ، بل كل ما كسبته القضية الفلسطينية من التعاطف الدولي وليعيد ترميم صورة نمطية سلبية عن العرب والإسلام لتحتل لدى الرأي العام الأمريكي المكانة التي احتلتها الصورة السابقة في أوروبا. ومثلما يقول الكاتب ما بعد الحداثي (جان بودريارد):”إن السقوط الرمزي لبرجي نيويورك هو الذي أدى إلى سقوطهما المادي وليس العكس “..

لا يكاد التاريخ يكرر نفسه حتى حلزوني ا، فما يكون مأساة كما يقول ماركس يصبح عندما يتكرر مهزلة ، لكن مأساة العرب تتكرر وتظل مأساة ، مع أنها لم تعد تفتقر للسمات الهزلية. حين وقف الرئيس الأمريكي يخطب بالأمة داعيا إياها إلى عدم الركوع وإلى حملة صليبية ومن جهته تحدث ( بن لادن) عن انقسام العالم إلى (فسطاطين)..والإسرائيليون يعلنون أنه لا يوجد شريك فلسطيني في عملية السلام .. وبينما تم الاعتذار عن تعبير(حملة صليبية) باعتبارها زلة لسان ، لم يعتذر أحد عن تقسيم العالم إلى عالمين ، كما لم يعتذر أحد عن دعوة أقوى دولة في العالم شعبها إلى عدم الركوع أمام حفنة من الإسلاميين.. فإما أنها كلها زلات لسان يتم نفيها من أجل إثباتها أو أنها تعبئ شكلا أسطوريا فارغا بمحتوى تاريخي لم يعد سائدا ، وإذ يفقد التاريخ واقعيته واتجاهه لا تخسر الأسطورة شيئا.

 

*            *            *

-2-

– تحليل خطاب الغزاة وخطاب الضحايا

(تزفيتان تودوروف) معاصرنا قدم من خلال دراسته (غزو أمريكا) عن الإسبان والهنود واقعة تاريخية نموذجية من حيث لقاء الذات والآخر .. ” لأنه من غير الممكن التفكير بالمجال الدلالي إلا من خلال الآخر “.. كما يقول تودوروف نفسه ، معتبرا أننا سنجري المقارنة مع العصر الراهن بأنفسنا ولم يكن عليه ، لإرسال الإشارة ، أكثر من أن يجري بحثه تحت مقولة :” من يتجاهل التاريخ يجازف بتكراره ” وما تريد هذه المقالة قوله أن المجازفة ربما وقعت .. لكن يبقى ما يجده تودوروف في دراسته للواقعة عبر كتب التأريخ الإسبانية والكتب الهندية مثير للاهتمام وهو أكثر بكثير من أن يكون إسقاطا. والمقارنة هنا هي بين الحرب الإسبانية على الهنود في القارة الجديدة والحرب الإسرائيلية على العرب في أرض الشرق القديمة وأشهر من أجرى تلك المقارنة المؤرخ (أرنولد توينبي)(5). وأما أن الإسرائيليين لا يشبهون الغزاة الإسبان لأن العرب ليسوا مجرد هنود (وهذه هي النتيجة التي يخرج توينبي بها).. فهذا لا نعترض عليه ، فمن ناحية ضيق أفق الثقافة المكسيكية وقلة تمفصلها مع ثقافات أخرى ومحلية الديانة ، تجعل الهنود أشبه باليهود ، بينما يشبه العرب الإسبان من ناحية عالمية الديانة وعراقة اللغة وتمفصل الثقافة لكننا بالإضافة إلى المقارنة بين الاختلافات نسعى للمقارنة بين التشابهات وكما يقول “ليفي شتراوس” الذي درس أساطير هنود أمريكا : ” إن التشابه بين الأساطير ليس قائما من خلال التطابق فقط بل من خلال التعاكس المتطابق .. أيضا “(6)..

لم يكن للأمريكيين نظرة نمطية سلبية ضد العرب ، بل ضد الهنود الحمر. وأهم ميزة في كتابات إيرفنغ واشنطن عن الأندلس (وهو مؤلف كتاب عن كولومبس) أنه يستمد سرده المتعاطف والمتفهم للعرب من خلال تاريخ كتبه أعداؤهم الاسبان لكن الأمريكيين ورثوا تلك النظرة ضد العرب عندما ورثت الولايات المتحدة الأمريكية ممتلكات الاستعمار الأوروبي وخاصة إسرائيل. ومنذ القرن التاسع عشر كانت إسبانيا نفسها تتعرض للغزو الفرنسي وابتدع الإسبان حربا غير نظامية ضد القوات الفرنسية أسموها (غويريللاguerilla /  ) أي (الحرب الصغيرة) وهي ما تم التعارف على تسميته بـ(حرب العصابات) إلا أنهم كانوا مسبقا أول من تعرض لها بعد غزو المكسيك عندما قاد الأزتيكيون حرب المقاومة ضد جنود كورتيس وخاضوا حرب شوارع في (مكسيكو). وقام حلفاء الإسبان الجدد من المكسيكيين بعد سقوط مدينة (مكسيكو) ولاسيما (التلاكسكالتيك) وبإشراف الإسبان بتذبيح عشرات الآلاف من سكان المدينة بعد هزيمة المقاومة الأزتيكية وإلقاء القبض على الزعيم (كواهتيموك) الذي وقف أمام (كورتيس) غير خائف من الموت لكن (كورتيس) رفض قتله مباشرة وتركه يتعذب إلى أن يموت. وبكلمة أخرى : هنود يقتلون هنودا. يذكر (برنال دياز ديل كاستيلو) الذي شهد الحرب في المكسيك أن المذبحة التي أعقبت سقوط مدينة مكسيكو بيد الإسبان بحجمها المرعب، تشبه مذبحة القدس على يد الصليبيين كما ويشك في أن تكون مذبحة القدس أكثر فظاعة :” لا أعرف كيف أكتب هذا ، لقد قرأت عن تدمير القدس ، لكنني لا أستطيع القول ، في الحقيقة ، ما إذا كانت مذبحة أكبر من تلك ..!!”(7) إلا أن الحملات الصليبية أشبه ما تكون بالحرب الإسبانية ضد العرب في الأندلس فمن هناك استمد الفرنجة تعبير (الحرب الصليبية)، بينما تشبه الحرب الإسبانية في المكسيك وبلوغها المواجهة مع المقاومة الأزتيكية في مدينة (مكسيكو)، الحرب الإسرائيلية على العرب وصولا لحصار المقاومة الفلسطينية في (بيروت) .

وعلى الرغم أن ما يثير اهتمامنا هنا هو الخطاب بين خصمين اختلف موقعهما بحسب ميزان القوة وكيف أن اللغة الإشارية تعكس ذلك بشكل ملغز في صراعين وخطابين تمحورا حول معركتين فاصلتين في مكسيكو و بيروت ؛ إلا أن تطابقهما تم للحظة توقفت فيها الإشارات والإيحاء وانطلق العنف المتبادل ثم افترقا في اتجاهين متقابلين افتراقا تبادليا يعزز التشابه. ففي العام (1982) نفسه حين أصدر (تزفيتان تودوروف) كتابه ( غزو أمريكا ) الذي يتناول غزو الإسبان لبلدان القارة الأمريكية وخاصة المكسيك ، شنت إسرائيل حربا شاملة على الفلسطينيين في لبنان وإذا كان الإسبان أول من أعطى حرب العصابات مصطلحا سياسيا انتشر حيث امتد الغزو الأوروبي ، فقد أصبح أشهر مقاتلي حرب العصابات (الغويريللا) في العالم هم الفدائيون الفلسطينيون.

بيروت أبدت مقاومة لا يمكن حسابها بمقياس القوة والضعف وهناك من طالب بالقتال ضد الجيش الإسرائيلي حتى آخر مقاتل فلسطيني ولبناني ، ومن رأى عدم جدوى ذلك بسبب انعدام موقف عربي داعم .. في النهاية خسرت إسرائيل(631) قتيلا وبضعة آلاف جريح في حرب كانت تريدها نزهة لجيش كبير يهرب أعداؤه أمامه. وكان الإسرائيليون يتفاخرون بأن لهم حلفاء من بين اللبنانيين وبعد حصار بيروت وخروج المقاومة قدم الإسرائيليون لحلفائهم الحماية والإشراف على ارتكاب مذبحة في مخيمي (صبرا وشاتيلا) ومع توجيه الاتهام والإدانة لإسرائيل ، فقد دافع (شارون) عن نفسه بالقول إن الذين ارتكبوها لبنانيون وعبر عن براءة إسرائيل عن مذبحة قام بها عرب ضد عرب بالكلمات التالية: “إنه عالم مظلم مليء بالدوافع السوداء ، وليست لنا أية علاقة بهذا العالم ” ، كان حصار الإسرائيليين لبيروت طوال ثلاثة شهور ثم اقتحام المدينة بعد خروج المقاومة لارتكاب مذبحة ضد الفلسطينيين وأنصارهم هو نهاية طريق القوة المجردة وحدها ، بعدها تبدأ حقبة الخطاب الإيحائي والتلاعب بالإشارات والأساطير المسنودة بالقوة ؛ ويكتب إدوارد سعيد بعد تلك الاحداث : “لم يعد يوجد فلسطيني يجهل اليوم أن المهام الملقاة على عاتقه أكبر من إمكانياته بكثير .. وسوف يخرج الفلسطينيون من هذه المحنة أكثر وعيا وعقلانية ” (8)، بينما كان الحصار الذي فرضه الإسبان لمدة ثلاثة أشهر حول مكسيكو هو نهاية خطاب الإيحاء والتلاعب بالأساطير واقتحام المدينة وارتكاب المذبحة ضد المكسيكيين وخاصة الأزتيك، وبداية حقبة تكتفي بالقوة المجردة من خلال دراسة (تودوروف) التي ظهرت بالفرنسية عام (1982) حيث يرد قول هنود المايا بعد الحرب : “سيموت الذين لن يفهموا أما الذين سيفهمون فسوف يحيون”(9)… و الصمت الذي تلا المذبحة في مكسيكو  استوقف شهود تلك المرحلة ، ويقول (لوكليزيو) قي كتاب الحلم المكسيكي: ” إنه صمت أكبر حضارة في التاريخ “!..(10) وكأنه يتحدث عن صمت الامة العربية بعد المذبحة في بيروت.

*               *              *

-3-

و ردا على الحادي عشر من أيلول ويدلا من الركوع احتلت أمريكا أفغانستان ثم العراق. فهل لهذا الحدث الاستثنائي شبيه ؟ نعم ، ففي عام (1941)  انقض الطيارون اليابانيون الكاميكاز على السفن الحربية الأمريكية في (بيرل هاربور) مما أدى إلى مقتل ثلاثة آلاف جندي أمريكي ووقف الرئيس الأمريكي يومها ليعلن دخول الولايات المتحدة الحرب انتقاما من القتلة اليابانيين (أي أن 11 ايلول ليس استثنائيا) والشعب الأمريكي الذي كان حتى ذلك الوقت  معارضا للدخول في الحرب وقف خلف حكومته من أجل الثأر. في الوقت الذي كان هتلر يصرخ أن (الرايخ) سيستمر ألف عام وفي مناسبة احتفالية حضرها بعض المسؤولين الأوروبيين قبيل الحرب العالمية الثانية قال : “لن يسخر الغرباء منا بعد الآن ..” ولم تكن ألمانيا مثيرة للسخرية وإنما للرعب ، وكانت قادرة على سحق الدول المجاورة ، كما تبين بعد ذلك بمدة وجيزة، ومع ذلك كان هتلر يزرع في نفوس الألمان الإحساس بالإهانة لكي يبدو عدوانه على أطراف أضعف منه مثل (بولونيا وتشيكوسلوفاكيا) كما لو كان ثأرا .. وسرعان ما اجتاحت القوات الألمانية أوروبا وهو أكثر بكثير مما يعتبر ردا على الإهانة. أما موسوليني ولتحقيق العظمة الإمبراطورية للفاشية أمر جيشه بالهجوم على : أثيوبيا وليبيا. وعلى الرغم من اشتراك أمريكا في الحرب العالمية الأولى لكنها سرعان ما عادت إلى عزلتها ، غير أن خروجها من العزلة مع الحرب العالمية الثانية سيكون خروجا نهائيا مازال مستمرا حتى اليوم .. يقول الناشط العربي الأمريكي (جيمس زغبي): “.. يعيش الأمريكيون ضمن مجموعة من الصور النمطية ، وأمريكا تفصلها المحيطات عن العالم .. والذهاب إلى العالم بالنسبة للأمريكيين مثل الذهاب إلى السيرك “.(11)

ويبدو القاسم المشترك بين هجوم الحادي عشر من أيلول والهجوم على بيرل هاربر ظاهريا هو الروح الاستشهادية/ الانتحارية العائدة إلى اللاعقلانية الشرقية ، فالعمليات الاستشهادية بشكلها غير المقنن يجعلها شبيهة بـ(الكاميكاز) الانتحاري في الثقافة الشرقية الأخرى التي كانت توصف باللاعقلانية أيضا: الثقافة اليابانية ( والتي تفوقت عقلانيتها اليوم على عقلانية الاوروبيين). ويختفي القاسم المشترك الحقيقي وهو السياسة الأمريكية العقلانية (المتفوقة على اللاعقلانية) التي تدفع (الآخر) للظهور المشهدي المسرحي في سبيل ظهورها هي وفرض رؤيتها تحت وطأة الصدمة. وفي الحالتين، تبنى الإعلام الغربي فكرة الآخر الشيطاني (التي أوحى بها للإسرائيليين) الذي لا يجمعهم معه أي شبه. وبينما كان العالم لايزال مصدوما في 11 ايلول ويترقب رد الفعل الأمريكي قامت إسرائيل بالهجوم على بعض المدن الفلسطينية وفي العام التالي اجتاحت إسرائيل الضفة الغربية كلها وحاصرت قطاع غزة وفرضت الحصار على مقر (ياسر عرفات) الذي وقف غير خائف من الموت لكن الإسرائيليين امتنعوا عن قتله مباشرة ، ولم يخرج من الحصار إلا ليلقى حتفه في مستشفى باريسي. الحرب العالمية على الإرهاب لا تتحكم بالانقسام حول الثروة العالمية أي : الاقتصاد ومناطق النفوذ والسياسة فقط بل تتحكم بالانقسام حول الحقيقة ، وبتأويل الأساطير والرموز ، فهل هذا أثر من آثار ولادة (السوبرمان) أو الإنسان الأعلى وإن يكن بشكل سياسي براغماتي محض ؟ فليست السياسة النازية وحدها التي  شوهت فلسفة (نيتشه) واستغلتها لمصالحها. وإذا كان إنسان نيتشه الأعلى يولد مع موت الإله فإن الإنسان الأعلى السياسي في البيت الأبيض يعلن أن الله أوحى له الحرب على الإرهاب وعلى محور الشر.

 

إن اختصار الحدث  الفارق في (11/9/ 2001 ) بتأريخ يوم وقوعه وتسمية الحدث باسمه ، يحجب جانبا آخر من التقويم نفسه فإذا لم يكن يوم الحادي عشر من أيلول يحمل أي مغزى مسبق ، فإن العام : (2001) الذي يفتتح الألفية الثالثة ، هو عنصر في التفكير الأسطوري لدى الجماعات المسيحية واليهودية فبداية ألفية جديدة أمر عظيم يقترن بأحداث عظيمة ، فقبل ألف عام ساد الهياج والهلع والحماسة سكان أوروبا مع بداية الألفية الثانية مما قاد إلى الحملات الصليبية عام 1099 وتكمن المفارقة هنا أن ينسب لـ(الإرهابيين الإسلاميين ) اختيارهم بداية الألفية الجديدة رغم أن المسلمين أقل الجماعات اعتقادا بالإقتران بين الألفية والأحداث القيامية . وكان (أسوالد اشبنغلر) مؤلف كتاب ( تدهور الغرب) قد وضع قبل الحرب العالمية الثانية موعدا لدمار الحضارة الغربية عام : (2000) (12) وبذلك يكون هجوم الحادي عشر من أيلول قد تطابق مع بنية أسطورية ولبى نزعة جماهيرية أو حتى (ميلا إنسانيا خالدا) على حد تعبير نورثروب فراي وهو ” الميل إلى تحويل الحقائق غير المرتبة إلى أساطير متناسقة “(13)، يبقى أنه حدث واقعي لا يمكن إنكاره وهنا يمكن القول أنه مفرط في الواقعية إلى حد يثبر شبهة العقلانية لا شبهة اللاعقلانية ، وهو بعد عام واحد على اكتمال الألفية أكثر تناسقا من أن يكون حقيقيا. فهل تغزو الأسطورة التاريخ أم العكس ؟

يقول شتراوس: ” التعارض البسيط بين الميثولوجيا والتاريخ الذي اعتدنا على إقامته ليس تعارضا متميزا واضح  الملامح بل يوجد مستوى وسيط. الميثولوجيا ثابتة حيث يجري تركيب العناصر الأسطورية ذاتها المرة تلو المرة لكنها لا تخرج عن نسق مغلق لنقل أنه يتعارض مع التاريخ والتاريخ نسق مفتوح بالطبع .”(14).

وفي هذا السيرك الذي هو العالم ، فإن ما يقوم السوبرمان الأمريكي بالدعاية له هو (الإنسان الأخير) بدل الإنسان الأعلى الذي دعا له نيتشه ، وبعد نزول زارادشت من الجبل يعود من سيرك المدينة قائلا : (عدت بصيد ثمين يازارا عدت بجثة) والصيد الذي عادت به القوات الأمريكية ليس أكثر من صيد قديم : أفغانستان .. والعراق اللتان أنهكتهما  السياسة الأمريكية من قبل. وهكذا يتم تأمين مسافة : “بعيدة (بما يكفي) كي نجهل بعضنا بعضا وبما يكفي كي نكون : أعداء ” (15) !. على حد تعبير احد نصوص الهنود الحمر ، ويعود البحر الأبيض  المتوسط ، ليحتل المكانة الفاصلة .. بين (نحن) و (هم) وبين هنا وهناك.

 

                   *                           *                               *

 

الاقتباسات:

1 – كلود ليفي شتراوس. من قريب ومن بعيد.ترجمة مازن حمدان.حوارات مع ديدييه أريبون.دمشق.2000 .ص (241)

2- عبدالله العروي. الإيديولوجية العربية المعاصرة. الدار البيضاء. 1971. ص (22).

3- تزفيتان تودوروف. أسباب النصر. ترجمة: عبد الكريم حسن وسميرة بن عمو. مجلة الوحدة .الدار  البيضاء.1992.من ص(132) إلى ص(174).

  • فرناند دومون. الإيديولوجيات ترجمة وجيه أسعد . وزارة الثقافة. دمشق 1976. ص(91)
  • أرنولد توينبي. مختصر دراسة التاريخ. الجزء الثالث. ترجمة: فؤاد محمد شبل. جامعة الدول العربية. القاهرة. 1963.
  • كلود ليفي شتراوس. الأسطورة والمعنى. ترجمة: صبحي حديدي. دار الحوار. اللاذقية.1985.ص(39).
  • ج.م.ج. لوكليزيو. الحلم المكسيكي. ترجمة وفاء شوكت. وزارة الثقافة. دمشق. 2006.ص().
  • ادوارد سعيد. تجربة الاستلاب. ترجمة: نهى سالم. مجلة الكرمل. نيقوسيا. العدد(8). 1983. ص(28).
  • تزفيتان تودوروف. أسباب النصر. مصدر سابق.
  • ج.م.ج. لوكليزيو. الحلم المكسيكي.مصدر سابق.ص(49).
  • مقابلة مع (الجزيرة).23/11/2010 .
  • أودويف ستيبان. على دروب زرادشت. ترجمة: فؤاد أيوب. دار دمشق. دمشق. 1983.ص(141).
  • نورثروب فراي. الماهية والخرافة. ترجمة: عبد الكريم ناصيف. وزارة الثقافة.. دمشق. 1992.
  • كلود ليفي شتراوس. الأسطورة والمعنى. ترجمة: صبحي حديدي. دار الحوار. اللاذقية.1985.ص(39).
  • كلود ليفي شتراوس الانثروبولوجيا البنيوية.ج2. ترجمة مصطفى صالح. وزارة الثقافة. دمشق. 1983.ص(465).

*******************************************

*باحث من الجمهورية العربية السورية

** هذه المقالة جزء من مقالتي المنشورة في الكتاب الجماعي الجديد الذي صدر في الجزائر بعنوان (الاستشراق والاستعمار والكولونيالية )  والذي طبع في دار رؤية للنشر في القاهرة-

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...

2 تعليقان

  1. ابراهيم عنان

    شكرا للموقع ولكل القائمين عليه على كل ماينشر هنا من مقالات جادة