الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. نادية جمال الدين*تكتب :التسامح والتعليم والأمن البشرى علاقة دائرية
د.نادية جمال الدين

د. نادية جمال الدين*تكتب :التسامح والتعليم والأمن البشرى علاقة دائرية

:

فی اطار العمل الانسانی الواعی الناضج و الملتزم بتخطی السلبیات دون تفجیر معانی الحياة الانسانية تأتى هذه المناقشة للتسامح كمفهوم تسعى التربية إلى دعمه والتأكيد عليه على أمل نشره وجعله أحد الملامح المميزة للعلاقة بين الانسان وأخيه الانسان، وبين المجتمعات المختلفة ما أمكن. وإذا كان التسامح هو المفهوم والهدف هو الإنسان فإن هذا الإنسان نفسه يعيش مع غيره فى مجتمع لا بد وأن يسوده ويظلله ماترسمه تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائى عن التنمية البشرية والصادرة سنويا منذ بداية التسعينيات، وتحمل هذه التقارير فى طياتها الدعوة ليس للتنمية البشرية ومن أجلها فقط ولكن لتؤكد ضرورة ما أطلقت عليه «الأمن البشری» کما سیأتی تفصیله. ولما کان الإنسان يعيش فى مجتمع، فلا يمكن أن نتجاهل ما يسوده من علاقات ويظله من أهداف إنسانية وتنموية يسهم التعليم وما یحتویه من مبادیء و قیم و معانی فی تحقیقها، أو من المفروض أن يكون كذلك. وقد تصادف آن کان عام (1994) هو العام المتمم لمرور عشرين عاما على اعتماد التوصية المتعلقة «بالتربية من أجل التفاهم الدولى والتعاون والسلام» والأخرى والمتعلقة «بالتربية فى مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية،(1) ومن هذا المنطلق وتأسيسا عليه فإن عام (1995) يعتبر عام الأمم المتحدة للتسامح. ولعل اتخاذ التسامح كموضوع تدور حوله المناقشات واللقاءات وتعقد من أجله المؤتمرات فى بقاع العالم المختلفة وفى إطار أنشطة المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة يهدف إلى لفت الأنظار بشكل أو بآخر، إلى مايسود العالم الآن من ظواهر غير متوقعة أو غير مألوفة من قبل. ويدفع للبحث عن حلول وقد یکون من بینها رفع مستوی الوعی بأهمیة التسامح والإقناع بضرورة التعامل فى ضوء ما یتضمنه من مبادیء و اخلاق مستحبه. وعلى أيه حال فالمتأمل للأحداث الجارية فى هذا العقد الأخير من القرن العشرين. بل وقبله، لا يلبث أن تستبد به حاله من الحيرة تحمل من بین ما تحمل مؤثرات علی وعی إنسان هذا الزمان بعالميته، أو كما يشير أنور عبد الملك (٢) بأنه جزء لا ينفصل من العالم المعاصر. إذا انه مع بداية القرن الحالى، والذى يؤرخ به بداية العالم المعاصر والتحولات تتسارع باضطراد، والمسافات أخذة فى التقلص، واختفى أو يكاد بعد الزمان والمكان كما تزايد التقاء الثقافات والحضارات وحدث تقارب بين الشعوب والمجتمعات. ولعل ماسبق الإشارة اليه هذا كان من النتائج المباشرة للتطور العلمى والتكنولوجى فی مجال الاتصال، والذی جعل من العالم، رغم اتساعه وتعدد أطرافه أو أجزائه قرية صغيرة. والعالم المعاصر، الذى نحن من معاصريه يوصف من بين ما يوصف به بأنه عالم العلم وعالم المعرفة.

ومع صدق هذا الوصف وقربه من الحقيقة إلا أن البعض يرى أنه لا العلم ولا المعرفة نجحا فى ازالة الحروب أو إنهاء الأزمات والتوترات والخوف السائد فى العالم، بل على العكس من ذلك فقد اشتدت الأزمات واصبح البقاء والأمن الإنسانى والتعايش البشرى بأكمله من مشكلات العالم المعاصر الرئيسية (3). ومن هنا فقد لا نذهب بعيدا حين نشارك غیرنا الرأی فی آن العالم الذی نعیشه هو عالم المتناقضات ملىء بالأزمات والصراعات والمخاوف من ناحية، كما أنه عالم تحققت فيه كثير من الإنجازات البشرية وأحلام الإنسان وارتقت فيه طموحاته من ناحية أخرى. فمن المعروف أن الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية المتلاحقة أدت إلى زيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة والموارد البيئية كما أدت إلى توفير حياة أفضل لأعداد كبيرة من سكان الأرض وغير هذا كثير مشهور. ومع كل هذا، وبالإضافة اليه، فقد ازدادت حدة الصراعات والانقسامات کما تزاید و باستمرار الهوة الفاصلة والقائمة بين الدول الغنية والفقيرة، فتشتد قسوة الديون والمجاعة فى الدول الفقيرة والتى تنذر بزوال بعض دولها من على خريطة العالم السياسية، ويتلازم هذا نفسه مع ظهور خطورة التهديد النووى من الدول القادرة عليه بكل ما يحمله هذا من علامات الفناء للبشرية. ويعود الإيمان بشكل قوی وجها لوجه مع انتشار الفکر العدمی والتفسخ الخلقى وتفكك المؤسسسات الاجتماعية والإنسانية الثابتة فى المجتمعات الصناعية المتقدمة وغيرها، وتتسع دائرة الأزمات, والحالة هذه فلم تعد أزمة اقتصادية ولا سياسية فى المقام الأول بل إنها أزمة شاملة يراها البعض، «أزمة النمط الحضارى المهيمن منذ القرن الخامس عشر» (4). وفى هذا الاطار المحير بل والمزعج يزداد إحساس إنسان هذا العصر بأنه جزء من عالم أعم وأشمل من عالمه المحدود الخاص. وبأن هناك روابط إنسانية وتاريخية ومؤسساتيه تربطه بالآخرين فى العالم. فالحياة والبيئة والموارد والطاقة والديون والحضارة هى جميعا قضايا عالمية وإنسانية مشتركة تبحث عن حلول عالمية مشتركة. حتى القرارات والأحداث والصراعات المحلية العابرة أصبحت ذات أبعاد عالمية، وبهذا يتأكد القول بأنه مع نهاية هذا القرن الذى نعيشه ظهرت «بشرية واحدة ذات مصالح وهموم كونية مشتركة» (5) فلا مفر، والحالة هذه، من الاتجاه إلى تحقيق المزيد من الفهم والوعى أيضا بمشكلات الواقع والعمل على تجنب الأزمات وعبورها. والتربية – بلا جدال – كعملية إجتماعية هادفة. ومن خلال عملياتها المتشابكة وأنشتطها ونظمها الرسمية وغير الرسمية وعلى طول عمر الإنسان، يمكن أن تسهم فى توفير الشروط الملائمة لعلاقات يسودها «التسامح، وبحيث تجعل منه حالة عقلية أو موقف يؤثر بالتالى فى علاقات الإنسان بالأخر، وهذا بدوره قد يؤدى إلى تجنب كل ما من شأنه أن يؤدى إلى ، ، ، ، ، الكارثة.

وبعد هذا…… فماذا نقصد بالتسامح؟

من التسامح … محاولة للتعريف به: إن الإفاضة هنا فى الحديث عن الجذور الدينية للتسامح، وخاصة فى المسيحية، ربما تنقلنا إلى آفاق أخرى كما أنها أيضا مألوفة ومعرفة من كثرة دورانها والاحتكام إليها (6) إلا أنه من المهم الاشارة هنا إلى أن مفهوم التسامح أو الذى تعنيه اللفظة غير العربية Tolerance يعتبر وليد حركة الإصلاح الدینی فی آوروبا ومن ثم یعبر عن علاقة جديدة هى علاقة الاعتراف المتبادل بين القوى التی استمرت تتصارع طوال القرن السادس عشر أى خلال الحروب الدينية الأوروبية. إذ حدث انشقاق داخل الدين الواحد ثم وقع تجاوز عن طريق الاعتراف بالحق فى الاختلاف فى الاعتقاد ثم حرية التفكير بوجه عام (V).

ور بما کان «جون لول» (1704-1623) من أكثر الفلاسفة الأوروبيين وضوحا فى الحديث عن التسامح الدينى خاصة، فقد أفرد رسائل ثلاث للحديث عن التسامح(8), وقد كانت حرية العقيدة والعبادة هى الهدف الذى دافع عنه فى رسائله هذه، فقد شغل موضوع التسامح الدینی فکر «لوك» علی مدی حیاته، بل ويرجع إليه الفضل فى تحرير انجلترا من التعصب الدينى وسيطرة الكنيسة ومن خلال مؤلفاته كشف «لوك» عن الدافع الحقيقى وراء الاضطهاد الدینی آلا وهو:

الغرور،

القسوة.

– حب السلطة.

ومع هذا يرى «لوك» أن التسامح الدينى لا يجب أن يمتد لكل المعتقدات بل يستثنى منه ثلاث فثات هی:

الذين يتصفون بالإلحاد

كل من تنتمى معتقداته إلى سلطة أجنبية

الذين يطلبون التسامح لأنفسهم فى الوقت الذى لايتسامحون فيه مع غيرهم من أصحاب المعتقدات الأخرى.

ولعل هذه الاستثناعات الثلاثة كانت وراء

ضعف دفاع لوك عن التسامح(9)

هذه النظرة التاريخية السريعة كانت لتوضيح كيف أن «التسامح » أو استخدامه إنما كان غالبا يرتبط، وفى أوروبا المسيحية خاصة بالتسامح الدينى مع الغير.

وقد يكون من المفيد هنا أن ننتقل مباشرة إلى الوقت الراهن فى محاولة البيان كيف يستخدام «التسامح، فى لغة الخطاب السياسى فى أوروبا وأمريكا وذلك من خلال ما ذكره وزير خارجية المانيا فى افتتاحه لمكتبة مبارك العامة بالجیزة فی (۲۱ مارس ۱۹۹۵) حیث أشار إلى أن «التطرف الدينى يتجاهل أنه لايمكن مواجهة قضايا المستقبل بحلول نابعة من الماضى، كما أنه لا يدرك بأن التسامح هو شرط التعایش المبنی علی کرامة الانسان (10) اما «آل جور» نائب الرئیس الامریکی «كلينتون » وفى زيارته لمدينة الأقصر فى نفس الفترة فيقرر بأن «مصر منبع التسامح الدينى حيث تتعايش على أرضها كل الأديان السماوية، كما أن مصر أخذت من التسامح منهجا حيث سمحت لكل الأديان السماوية أن تتعايش على أرضها وستظل دائما المكان الذى یعبد فیه الله» (۱۱). فالحديث عن التسامح ما يزال يتردد على الألسنة وهو هنا يذكر، وما يزال، على أنه التسامح أساسا من المنظور الدينى وإن كان يتضمن التسامح الثقافى أيضا. ويعبر هذا، أو ربما یؤکد، آن دول الشمال فی نظرتها لدول الجنوب لا تحاول أن تبحث عما وراء التطرف الدينى من أسباب بقدر ما يأتى الحديث عن التسامح حيث أنه أسهل وأوضح وأقرب للقلوب . ولعل ماسبق كله يتطلب أن نتوقف لتوضيح مضمون التسامح ومعناه حين أستخدامه من وجهة نظر أخرى. نظرة تحاول أن تحدد ما المقصود من التسامح. وربما أمكن القول بأن التسامح حين يستخدم هكذا على إطلاقه فإنما يقود فى النهاية إلى الإقرار بشرعية التباين فی السلول والرأی. و مفهوم التباین فی نظر البعض يتضمن أيضا إقرار بالحق فى التباين(12) و لعل ماذ ذکره سید عویس (۱۳) فی هذا الصدد يلقى بعض الأضواء، إذ رأى أن التسامح من وجهة نظره وباختصار وبساطة هو فى : «أن تحيا أنت والآخرين» وهذا يحمل فی طیاته الاعتراف بالاخر کما هو، و من هنا من وجهة نظره أيضا يعتبر ظاهرة اجتماعية ثقافية ويتحدد فى أنه «ميل أو موقف إجتماعى يعترف بحق الآخر فى تباين السلوك والرأى». وتحفل دوائر المعارف المختلفة بإشارات ومعان توضيحية للمقصود بالتسامح، ومن ثم نرى من يتفق مع ما تذهب إليه دائرة المعارف البريطانية من أنه «السماح بحرية العقل، أو التسامح فی الحکم علی الآخرین » (١٤)، أما معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية (15) فإنه يحدد التسامح بأنه «موقف يتجلى فى الاستعداد لتقبل وجهات النظر المختلفة فيما يتعلق باختلافات السلوك والرأى دون الموافقة عليها. ويرتبط التسامح بسياسات الحرية فى ميدان الوقاية الاجتماعية حيث یسمح بالتنوع الفکری و العقائدی علی آنه يختلف عن التشجيع الفعال للتباين والتنوع». فالتسامح والحالة هذه هو «أسلوب احتمال الاخر» آو هو و کما یراه عزت قرنی (۱۱) «أسلوب إخفاء اللاتسامح ». ومع كل هذا فالتراث الغربی یحمل فی ضوء ما سبق الإشارة إليه أن التسامح المتبادل الذى يعنى قبول الأخر المتباين والاعتراف به كما هو وبما يسمح بالتعامل والتعايش معه. والتسامح هو أيضا ليس مع الآخر فقط وإنما من أجله. وإذا كان الأمر كذلك فإن التسامح والحالة هذه لا یقتصر علی کونه تسامح دینی آو ثقافی فقط بل هو كما نقبله رؤية متكاملة ازاء جميع مواقف الحياة تؤثر فى اتجاهات الإنسان وسلوكه مع الأخر المختلف مهما كان الاختلاف أو موضوع الخلاف.

وهنا قد يطرح السؤال .. ما علاقة التسامح بالتعليم وكما سبقت الإشارة فى العنوان؟

وللاجابة على هذا يمكن الإشارة إلى تحدید الیونسکو «للتربیة» و کونها مجموع عملية الحياة الاجتماعية التى عن طريقها يتعلم الأفراد والجماعات، داخل مجتمعاتهم الوطنية والدولية ولصالحها، وأن ينمو بوعى منهم كافة قدراتهم الشخصية واتجاهاتهم واستعداداتهم ومعارفهم، وهذه العملية لا تقتصر على أى أنشطة بعينها. ولعل التعليم، والحالة هذه بكل مراحله ومن حیث هو نظامی آو غیر نظامی هو الاطار الذی يمكن من خلاله إكساب المتعلم المرغوب فيه والمطلوب له أن يتعلمه لتكتمل حياته وإنسانيته ويستطيع أن يتفاعل مع المجتمع الذى يعيش فيه ويأخذ منه ويضيف كثير من الشروط التى لا بد وأن تتوافر حتى يمكن لأبناء المجتمع جميعا – أيا كان هذا المجتمع – أن يتعلموا ويستفيدوا من ثمار التعليم إما في حياتهم الشخصية أو فى مجال العمل خاصة. ومن هنا فاذا كان الحديث عن التسامح يرتبط من بين ما يرتبط به بحق الأخر فى أن يكون وأن يتباين وأن يتساوى بالتالى مع غيره وبما يجعل من هذا أحد ملامح الديمقراطية، فهذا بدوره يعنى حق كل أبناء الوطن فى التعليم وبصورة لا تفرقة فيها بسبب الدين أو الجنس أو أى أسباب أخرى وإذا كان التسامح يتطلب أن يسلك الإنسان مع غيره وإزاء غيره بطريقة تنم عن هذا التسامح فإن التعليم بمؤسساته المختلفة وأنشطته المتعددة وبرامجة المتنوعة يمكن أن يكون أحد الجسور الأساسية التى تکسب الانسان فی مجتمعه کیفیة التسامح مع الأخرين ويقبل ما بينه وبينهم من تباين. وإذا كان التعليم والحالة هذه يهدف لتحقيق مجموعة من الأهداف السامية المرغوبة والمتعارف عليها والمؤدية لتحقيق إنسانية الإنسان أولا وإكسابه المهارات والاتجاهات المرغوبة والمطلوبة ومنها التعايش مع الآخر وفن التعامل معه وتقبله ومع هذا إعداده للحياة المتغيرة من حوله والمستقبل بكل وعوده ووعيده، ومن ثم يصبح التعليم ضرورة لكل إنسان فى مجتمعه، ويصبح حق التعليم أحد الحقوق الأساسية للمواطن والتى تعتبر المساواة فى الحصول عليها والاستمتاع بثمارها مسئولية الدولة والمجتمع ككل والتى لا يمكن التنصل منها أيضا.

ومع تأمل واقع الدول على اختلافها يمكن التعرف على حظ أبنائها من التعليم.. وتتضح ملامح الأزمة مع الدول المتطلعة للتقدم أو ما يعبر عنها الآن بدول الجنوب أو الدول المتخلفة. وقد أدى الحرمان من التعليم لبعض أفراد هذه المجتمعات بالإضافة إلى تدنى مستوى التعليم المقدم لمن يتعلم منهم أو تقديم تعليم لا يتيح لهم فرص عمل متساوية أو متميزة مع غيرهم إلى ظهور ما نراه الأن ونسمع عنه من ملامح مختلفة لعدم التسامح مع الغير أو التعصب فالتطرف وبما يهدد مجتمعات كثيرة وخاصة الفقيرة منها بسوء العاقبة. ولعل هذا أو بعضه كان من الأسباب الدافعه لطرح كثير من الأفكار على الساحة العالمية الأن والصادرة من منظمات دولية مسئولة ومشغولة بالإنسان ورفاهيته على أمل تحقيق الاستقرار العالم أجمع ما أمكن. ومن أهم ما طرح فى التسعينيات كان الحديث عن التنمية البشرية بكل ما تهدف إليه ويشكلها من عناصر مجتمعه.

 * التسامح يتطلب الأمن البشرى … لماذا؟

 حملت التسعينيات من بين ما حملت معها الحديث عن التنمية البشرية مخالفة بهذا ما كان شائعا من تنمية اقتصادية واجتماعية أو موضحة فى مضمونها أسباب قصور الجهود السابقة.وكان الحديث عن التنمية البشرية مؤشرا ومبشرا بعودة الانسان كى يحتل المركز من عملية التنمية وبحيث أصبحت التنمية لا تقاس بمقدار زيادة الإنتاج والثروة فقط بل بمقدار التوسع فى نطاق الخيارات المتاحة للبشر، ومن أهم ما ينبغى السعى لإنجازه فى هذا المجال نـ

 1 – تحقيق حياه طويله خاليه من العلل.

 ٢- واكتساب المعرفة.

 ٢- والتمتع بحياة كريمة،

وما لم تكن هذه الخيارات مكفولة للجميع فإن كثير من الفرص ستظل بعيدة المنال.

ويتوالى هذه التقارير كل عام يتزايد الاهتمام وتتأكد النظرة إلى الإنسان على اعتبار أنه الثروة الحقيقية والتى تزداد قيمتها وأهميتها ومن هنا فهو الأحق بأن يكون هدف التنمية قبل أن يكون وسيلتها، ويفيض تقرير عام ۱۹۹۳ فی الحدیث عن الجماعات المهمشة وما ينبغى أن ينالها من رعاية. والاهتمام بالجماعات المهمشة يعنى من بين ما يعنيه إيقاظ الوعى بأن تكون أنت والآخرين معا فى عملية التنمية وبما يتيحه الاعتراف بالأخر من فرص لاضعاف ما قد ينشأ من تعصب لديهم نتيجة لأوضاعهم المتردية.

ولعل تقرير التنمية البشرية لعام ١٩٩٤ يضيف ويؤكد على ما سبق فى هذا الشأن من أن الهدف من التنمية هو تهيئة بيئة يستطيع فيها كل الناس أن يوسعوا من نطاق قدراتهم فى إطار تنمية متواصلة. وجوهر هذه التنمية المتواصلة يكمن فى وجوب أن تتاح للجميع امكانية متساوية للحصول على الفرص الإنمائية الآن ومستقبلا كما أن توسيع نطاق اختيارات الإنسان تمتد من الأن لتشمل المستقبل ويحتوى هذا التقرير نفسه على التعريف بالأمن البشرى والتحديد لملامحه وقسماته الأساسية.

فالأمن البشرى محوره الناس أنفسهم « يتعلق بالكيفية التى يحيا بها الناس فى مجتمع من المجتمعات و بمدی حریتهم فی ممارسة خبرتهم الكثيرة، وبمدى وصولهم إلى فرص السوق والفرص الاجتماعية، وبما إذا کانوا یعیشون فی صراع آو سلام «(۱۸) آی أنه يتحدد فى الانشغال بحياة الانسان و کرامته، والتی لها الاولویة التی تفوق الانشغال بالتفوق العسکری آو العتاد الحربی. والأمن البشرى مبنى على ما تحققه التنمية البشرية وتهدف إليه من توسيع نطاق خيارات الناس بحيث يكون فى استطاعة الناس أن يمارسوا اختياراتهم فى أمن وحرية، وأن يكون بوسعهم أن يثقوا نسبيا فى أن الفرص المتاحة لهم اليوم لن تضيع فى الغد تماما. أما الصلة التى تربط ما بين مفهوم التنمية البشرية ومفهوم الأمن البشرى فتتحدد فى أن التقدم فی آی منهما یعزز احراز التقدم فی المجال الاخر ولکن الفشل فی احراز تقدم فی ای منهما فإنه يزيد أيضا من حدة خطر الفشل فى المجال الآخر. والأمن البشرى يسهل التعريف به من خلال عدم وجوده أكثر مما يمكن تعريفه من خلال وجوده إذ أنه فى التحليل الأخير يعنى ۰۰۰ طفل لم یمت، و مرض لم ینتشر، و تعلیم لم تضع فرصته، ووظيفة لم تلغ وهكذا. ومن ثم فهذا المفهوم الذى يطرح على الساحة العالمية الان یحمل فی طیاته التشدید والتاکید علی وجوب أن يكون الناس قادرين على رعاية أنفسهم، وهذا يتحقق إذا توفرت لجميع الناس أيضا الفرصة لتلبية احتياجاتهم الأساسية وكسب عيشهم… وهذا كله يمكن أن يحقق فى النهاية أو المفروض أن يحقق :-

التحرر من الخوف

 – التحرر من الحاجه

والتحرر من الخوف أو الحاجة يجعل الناس احرارا ویساعد علی تامین قدرتهم علی الإسهام بصورة كاملة فى التنمية.. تنمية أنفسهم.. وتنمية مجتمعاتهم المحلية وأوطانهم بل العالم أجمع. والأمن البشرى، وكما يؤكد التقرير، عنصر حيوى من عناصر التنمية القائمة على المشاركة. ومفهوم الأمن البشرى أيضا ليس مفهوما دفاعيا وكما هو الحال بالنسبة للأمن العسکری، واکنه مفهوم تکاملی، اذ آنه یعترف «بشمولية مطالب الحياه، وهو مترسخ فى فكرة التضامن بين الناس، ولا يمكن تحقيقه عن طريق القوة ووقوف جيوش ضد جيوش، ولا یمکن أن يتم إلا إذا اتفقت الآراء على أن التنمية يجب أن تشمل جميع الناس (19) »

وبعد: لماذا كانت العلاقة دائرية ؟

 ربما أمكن للقارىء المتمعن أن يلمح الخيط الأساس الذى يجمع ما بين التسامح والتعليم والأمن البشرى وسمح برؤيتهم فى علاقة دائرية مستمرة يسلم كل عنصر منها للعنصر الآخر ويعود إليه ليبدأ من جديد.، ومهما كان الرأى فالسطور التاليه عود على بدء. ولما كنا قد انتهينا إلى أن التنمية البشرية تؤدى إلى توسيع الخيارات أمام الإنسان، وأن التعليم يلعب دورا فى هذا المجال، ثم جاء بعد هذا أن الأمن البشرى يتضمن التحرر من الخوف والتحرر من الحاجة. ومن هنا فالمساواة فى حق التعليم ونوعيته والاستمرار فيه وأيضا الحصول على ثماره يتيح للإنسان الفرصة أن يكون له مواقفة المعبرة عن التسامح، وأيضا التى تضيف إلى التسامح ويحيث يصبح التسامح هو نهاية المطاف الثقافى للانسان فى المجتمع ككل. فالتسامح كغاية مطلوبة من غايات التربية لا يمكن أن يتحقق فى فراغ بل فى مجتمع بمواصفات تسمح بممارسته وأيضا فى مجتمع يتضامن أفراده لتحقيق غد أفضل …. وهذا التضامن يمكن أن يعكس فى النهاية، ما يسود المجتمع من ديمقراطية تظلل الجميع وتسمح  بألخلاف والاختلاف في إطار من وحدة الهدف. معا دخل المجتمع الواحد. اما فى إطار الأسرة العالمية، فإنه لمواجهة أخطار التباين بين دول العالم من شمال وجنوب لابد من أن يوضع فى الحسبان، أهمية السعى من أجل التنمية البشرية. فالتنمية البشرية بعملياتها التى تؤدى إلى تحقيق الأمن البشری و الذی هو مفهوم عالمی لایفرق بیان أبناء وطن وآخر يمكن أن يتيح الفرصة للتسامح والبعد عن التعصب، التعصب الذى يعززه غرور القوة المادية والعسكرية كالنجاحات العلمية والتعصب للثقافة التى فرزت التقدم التكنولوجى .. ومن هنا تضيق الفجوة بين الشعوب والحضارات حين يطل التسامح ليسمح بالخلاف والاختلاف. وهذا ولابد وأن يسبقه أولا العمل من أجل تمهيد الطريق عالمياً لدول العالم الفقير أن تتخلص من مأزق الديون والتخلف بكل أنواعه… هنا يصبح للتسامح معنى .. حيث أن قبول الآخر أو تميزه لا يكون إلا بين الأقوياء أو المتساويين فى القوة وليس بين متقدم ومتخلف غنى وفقير من دول العالم. ما أريد التأكيد عليه أن التسامح كأحد محددات السلوك الإنسانى والذى يتضمن ويسمح باختصار لأن «تحيا أنت والآخرين» و ما یحمله من معانی آخری. ، هذا التسامح ومع أهميته هذه يتطلب بيئة مواتية تدعم وجود ه وتساعد على الاقتناع بجدواه و جدوی اتخاذه كموقف واتجاه يؤثر فى سلوك الأفراد والجماعات. والخروج به من نطاق الشعار إلى الممارسة الواقعية يتطلب شروطا شتی وضمانات تتيح للجميع الشعور بأننا نعيش فى عالم واحد وليس عالم للأغنياء وعالم الفقراء.. عالم یسیطر ویهیمن فیه، القوی علی غیره الأضعف .. عالم لا تمارس فيه ألوان الابتزاز من الأقوى، وهكذا فالدائرة المفرغة في حاجة إلى كسرها. والكسر لها لا يكون الا بالتعليم ومن خلال التعليم لكل إنسان يرغب ويقدر ما دامت فيه حياة. تعليم يضيف لمعانى الحياة عند الإنسان إضافات تسمح له بتقبل وجهات النظر المختلفة فيما يتعلق بالرأى والسلوك والعقيدة. ولقد سبق الإشارة إلى أن الأمية وقصور إمكانات التعليم من معوقات التنمية البشرية.. فالتعليم شرط أساسى من شروط التنمية البشرية والتى تحقق بدورها الأمن البشرى. والإنسان الأمن وحده هو الذى يستطيع أن يتسامح مع غيره ويقبل الاختلاف معه وكذلك الدول. ولعل هذه كله يمكن أن يتأكد إذا أمعنا النظر فی التوصمیات التی مر علیها ما یزید قليلا عن العشرين عاما والتى صدرت عن منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم حيث كانت بشأن التربية من أجل التفاهم والتعاون والسلام على الصعيد الدولى، ثم التربية فى مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية … ومع تحقيق ما تدعو إليه هذه التوصيات محليا وعالميا فإن التربية من أجل التسامح يصبح لها معانى مقبولة ويمكن عدم الاختلاف معها أو قبول التباين بشأنها.

******************************************

المراجع:-

على أو مليل ” التسامح هل هو مفهوم محايد ؟ في:

أبحاث المؤتمر الاقليمي الاول للمجموعة الاوربيه العربية للبحوث الاجتماعية ( 21-24 نوفمبر 1981م” – ( المحرر) مراد وهبة, مكتبة الانجلو المصرية , القاهرة, 1987م,ص103-111.

8- وقد جاءت هذة الرسائل تحمل العناوين الاتية:-

  • A LETTER CONCERNING TOLERATION(1689)
  • ASCOND LETTER CONCERNING TOLERATION(1690)
  • THIRD LETTER CONCERNING TOLERATION(1692)

 

9- راجع لمزيد من التفصيلات وخاصة من زاوية تربوية نادية يوسف كمال محمود “الفكر التربوي عن جون لوك” رسالة ماجستير غير منشورة ,مودعه بمكتبة كلية البنات جامعة عين شمس,1989م, ص 103 – 106 على الخصوص .

10- راجع نص كلمته كاملا في الاهرام 22 مارس 1995.

11- راجع نص كلمته كامله في الاخبار 22 مارس 1995.

12- عبد القادر الزغل ” كلمة الافتتاح للمؤتمر الاقليمي للمجموعه الاوروبيه العربية للبحوث الاجتماعية ” مرجع سابق .

13- سيد عويس ” التسامح الثقافي في مجتمع حضري مصري” المرجع السابق نفسه.ص21.

14- راجع مراد وهبة ” التسامح والدوجماطيقية” المرجع السابق نفسه , ص155.

15- أحمد زكي بدوي : معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية, مكتبة لبنان, بيروت, 1993م .

16- راجع رآى عزت قرني في حوار المؤتمر السابق المشار اليه سابقا , ص 178.

17- راجع لمزيد من التفاصيل أول التقارير الصادره في شأن التنميه البشرية والصادره عن: برنامج الامم المتحدة الائنمائي : تقرير التنمية البشرية لعام 1990م, الطبعة العربية.

18- برنامج الامم المتحدة الانمائي : تقرير التنمية البشرية لعام 1994م , الطبعة العربية, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1994م, ص23.

19- المرجع نفسة ص 13.

*********************************************

*أستاذ أصول التربية /جامعة القاهرة /كلية الدراسات التربوية بجامعة القاهرة

**

تم عرض هذه الورقة فى الندوة الوطنية حول التعليم والتسامح والتى أقامتها اللجنة الوطنية للتربية والعلوم والثقافة – القاهرة – ۲۵ – ۲۷ مارس ۱۹۹۵.

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...