الرئيسية / أخبار ثقافيه / شنوف نصرالدين * يكتب :المثقف العربي ..من لغة التطاول إلى نقد الأداء.

شنوف نصرالدين * يكتب :المثقف العربي ..من لغة التطاول إلى نقد الأداء.

المثقف بين الواقع والمثال: إنقشاع الأوهام عن المثقف الداعية
المثقف العربي : من لغة التطاول إلى نقد الأداء

تعتبر مقولة المثقف من أهم المقولات الفلسفية الحديثة بالمقارنة مع مقولات الفلسفة الأصلية كالوجود والحقيقة والأخلاق…الخ، إذ يرجع الإشتغال على مسألة المثقف في الدرس الفلسفي عموماً إلى مدة لا تتعدى القرنين على الأكثر، فأثيرت هذه المقولة أول ما أثيرت في أفق الفلسفة الغربية، خصوصاً مع الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي، وما كان حضورها في الفكر العربي إلا على شاكلة التَمَثُلْ والتأصيل. حتى وإن كان وراء إبرازها عوامل تاريخية وسسيوثقافية وفكرية معينة، إن « مقولة المثقفين مقولة حديثة لا يكاد يرجع تاريخ استعمالها في اللغة العربية إلى أزيد من نصف قرن، وفي اللغات الأروبية إلى أكثر من قرن على الأقل بالمعنى الذي تحمله في خطابنا المعاصر » [1]، إن “أنطونيو غرامشي” هذا الإيطالي قد أثار مقولة المثقف العضوي إثارة فلسفية خالصة، ميز من خلالها بين نوعين من المثقفين، مثقف تقليدي كما تمثل في أدوار الكهنة والعمال ورجال الصناعة…الخ، ومثقف فعال يعمل دوماً على تنشيط العجلة الفكرية في المجتمع الذي يحيا فيه، إذ لا ينفك أن يفكر في تحديات مجتمعه وسبل تجاوزها، لذا فإن المثقفين في تصور أنطونيو غرامشي « بما هم مثقفون لا يشكلون طبقة مستقلة بل إن كل مجموعة إجتماعية لها جماعة من المثقفين خاصة بها، أو هي تعمل على خلقها … إنه إذا كان من الممكن الكلام عن المفكرين ” أي المثقفين” فإنه لا يمكن الكلام عن غير المفكرين لأن غير المفكرين غير موجودين، إن كل إنسان يقوم خارج نطاق مهنته بنوع من أنواع النشاط الفكري » [2]، بهذا الشكل يقارب غرامشي مقولة المثقف بالنظرة الماركسية التي تستمد قوتها من الرؤية الناتجة عن الصراع الطبقي الإجتماعي والمتمخضة عن جدل الإنسان بالتاريخ والمادة، لِيُأَّشْكَلَ مسألة المثقف وعلاقته بمجتمعه وطبيعة هذه العلاقة التي تربطهما خصوصاً وأن المثقف هو مُحَصِلَة تحولات إجتماعية وفكرية وسياسية، إنه يتأثر بثقافة مجتمعه بقدر ما يتماهى مع معارفه الخاصة والمتخصصة، والحديث عن التخصص في خضم الكلام عن مقولة المثقف يحيلنا إلى “ميشيل فوكو” الذي أخرج مقولة المثقف المتخصص بخلاف المثقف الكوني، فالمثقف المتخصص عند فوكو هو ذلك العامل في مجال معين من مجالات المعرفة الإنسانية وفقاً لشروط حياته وخصوصياته، ولا يكون أحدنا مثقفاً في التصور الفوكاوي إلا إذا كان متخصصاً، « إن ما يسمى بالمثقف العالمي ” وربما كان يقصد نموذج جون بول سارتر” قد أخلى مكانه للمثقف المتخصص، وهو شخص يمارس عمله “داخل” مبحثه الخاص ولكنه قادر على إستعمال خبرته على أية حال » [3].
إن المقاربة بين التمثل الماركسي للمثقف ممثلاً في أراء أنطونيو غرامشي وما بين التصور الفوكاوي للمثقف والذي ينخرط ضمن النسق العام للفلسفة البنيوية التي تسعى دوماً إلى تحقيق الموضوعية والصرامة العلمية والدقة والشمولية في النتائج تمكننا من القول بأن ما يحاول غرامشي تأكيده هو أن كل الناس مفكرون من حيث هم ذوات مفكرة في الأصل، إذ وجودهم دال على تفكيرهم ­ تماهياً مع اللحظة الديكارتية ملخصةً في الكوجيتو “أنا أفكر إذن أنا موجود”، وإن كانت وظيفة المثقف لا يقوم بها إلى القلة من كل هؤلاء الناس، فإن مع فوكو إنحصر الحديث عن المثقف في المتعلم المتخصص، دون غيره حتى من المشتغلين في مجالات الثقافة والعلوم والآداب، فحسب فوكو ليس كل ذي مستوى مثقف وإنما المثقف الحقيقي هو ذلك الذي يصارع ضد كل أشكال السلطة في كل الأمكنة من نظم المعرفة إلى نظم الوعي والخطاب مروراً بنظم الحقيقة، ليعلن بذلك عن موت المثقف الكوني العالمي الذي كان بتعبير فوكو حتى وقت قريب « هو الكاتب بامتياز: ضمير كوني وكائن حر يتعارض مع كل أولئك الذين كانوا يعتبرون مجرد مؤهلات في خدمة الدولة والرأسمال … لم يصبح دور المثقف إذن هو أخذ مكان أمامي وجانبي، لكي يقول الحقيقة الصامتة للجميع ولكن قبل ذلك أن يصارع ضد أشكال السلطة في المكان الذي يشكل فيه موضوعها وأدواتها في نفس الوقت: في نظام المعرفة، في نظام الحقيقة، وفي نظام الوعي والخطاب » [4]، هذا ما يوضحه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو بأن هناك هوة بين الخطابات وبين الأفعال، ويطرح السؤال حول إدعاء المثقفين قيادة المجتمع في مجال الأفكار والرموز. وشكك بورديو في عقائد المثقفين وأيديولوجياتهم الخاصة واتهمهم بالتواطؤ مع مختلف أشكال السيطرة، ومع السلطة المادية والرمزية، تواطؤ نادراً ما يعلن عنه، وغالبا ما يتم التستر عليه، وبالرجوع إلى سارتر ­ الذي سبق وأن أشرنا إليه في تأويل إدوارد سعيد لمقولة فوكو ­ فإنه بغض النظر عن طبيعة علاقته مع فوكو نجده ­ أي سارتر ­ يتماهى مع التصور الفوكاوي للمثقف، معبراً عن هذا بقوله: « إن المثقف محكوم عليه بالانسحاب من الأفق كإنسان يفكر بدل الآخرين: أن نفكر بدل الآخرين: أمر غير معقول يضع مفهوم المثقف نفسه موضع سؤال » [5]، على هذا الأساس شكلت موضوعة المثقف إشكالاً كبيراً في التحليل الفلسفي المعاصر، بدءاً من بيان المثقفين في فرنسا إلى مقولة المثقف في الإستراتيجية التفكيكية الديريدية، فإذا كان “آلان” قد تصور للمثقف دوراً راديكالياً سلطوياً، فإن “إدوارد بيرث” في كتابه “مساوئ المثقفين” 1914 يوظف كل من برغسون ونيشه لوصف المثقفين كونهم “بيرو قراطيو الفكر”، وعلى نفس النهج يسير “ريمون أرون” في كتابه “أفيون المثقفين” 1955 مقارباً مقولة المثقف بما يسميه بالأساطير الثلاثة، هي على التوالي اليسار والثورة والبروليتاريا، ثم يحاول “أرون” إيجاد خط فاصل بين الفيئات الإيديولوجية التي تميز المثقفين عن بعضهم البعض من منطقة إلى أخرى، إذ يقول: « إن فن المثقفين البريطانيين يتمثل في اختزال بعض الصراعات ذات الطبيعة الإيديولوجية إلى مصطلحات تقنية، وفن المثقفين الأمريكيين هو تحرير صراعات تمس الوسائل أكثر من الغايات إلى صراعات أخلاقية، أما فن المثقفين الفرنسيين فهو تجاهل المشاكل الخاصة بالأمة وأحياناً تضخيمها بواسطة إرادة متعجرفة تعتقد التفكير من أجل الإنسانية أجمع » [6]، إن هذه المواقف على تباينها واختلافها وتناقضها أحياناً تؤكد على الطابع الإستشكالي لمقولة المثقف في الفلسفة الغربية. من حيث ماهيته ومميزاته ودوره وعلاقته بمجتمعه، حتى بات مفهوم المثقف في حد ذاته مفهوماً ملتبساً. مفهوماً من الصعوبة كل الصعوبة تطويقه. وهذا إن دلَّ فإنما يدل على خطورة وحساسية هذه الموضوعة في الفكر الفلسفي المعاصر.
أما في الفلسفة العربية المعاصرة، فيدخل “علي الحرب” ناقداً لمقولة المثقف، ذلك المثقف الداعية أو القسيس، إنه يتماهى مع وصف “جوليان بيندا” للمثقفين في كتابه “خيانة القساوسة” 1972 إذ يقول هذا الأخير في المثقف: « يقول المثقف بمعنى من المعاني أن مملكتي ليست من هذا العالم » [7]، فليس المثقفين هم القادة أو زعماء المجتمع، ولا هم خيرة أبنائه، ولا هم طلائع التقدم أو أصحاب الإبداع وصُناعِ التحضر، ولا هم الصفوة التي ينبعث منها الإبداع والتحرر والتحضر إلى ما حولها ولا هم الجماعة التي تشتق طريق الإنسان لتسير به نحو حياة أفضل كما تصور ذلك “قسطنطين زريق” في أكثر من موضع، رابطاً بين سؤال الحضارة ومكانة المثقف، ولا يعني هذا حسب “علي أومليل” أننا نريد إخراج المثقف من دائرة صناعة الحضارة والتاريخ، فقط ما نود طرحه هنا هو: هل المثقف عندما قدم نفسه على أنه الناقد والمتمرد إستطاع النظر إلى نفسه ونقد ذاته، هل توجه إلى أفكاره ليفندها ويحولها ويساءلها بل ويحاكها؟، أم أنه ظل على طول الخط يضخم من دوره ليتحول بذلك من كاتب يكتب في شؤون وطنه وأمته وعالمه إلى سلطان يصدر الأحكام دونما يحكم على نفسه، هذا ما يوضحه بقوة “خالد زيادة” في كتابه “الكاتب والسلطان من الفقيه إلى المثقف”، فعلي عرب عندما ينتقد المثقف فإنه ينتقد فيه الدور السلبي الذي لعبه طوال مدة تضرب بإمتدادها نحو زمن بعيد، من خلال حرصه على الإشغال « بحراسة الأفكار، ومعنى الحراسة التعلق بالفكرة كما لو أنها أقنوم يقدس أووثن يعبد، على ما تعامل المثقفون مع مقولاتهم وشعاراتهم … فالأفكار ليست شعارات ينبغي الدفاع عنها أو مقولات صحيحة ينبغي تطبيقها، بقدر ماهي أدوات لفهم الحدث وتشخيص الواقع » [8]، ويدعوا علي حرب في مطلع نقده للمثقف إلى ضرورة التجديد الذاتي بتغيير نمط التعامل مع الفكرة وكذلك تحديث العدة اللغوية والمفهومية حتى لا نتعامل مع الأفكار بمنطق يقتلها كما يجعلها تنقلب على أضدادها، لتتحول من مكسب لصالحنا إلى شيء يقابلنا ويحكمنا، إن « المثقف التنويري والعقلاني والتحريري ليس هو الذي يحول الأفكار الخصبة التي انتجت حول التنوير والعقل والحرية إلى مجرد معلومات يرددها على شكل محفوظات، وإنما هو الذي يقيم علاقة نقدية مع ذاته وفكره … فالمثقف بات أعجز من أن يقوم بتنوير الناس، إذ هو أصبح يحتاج إلى تنوير، بفقد دوره وتفكيك خطابه عن العقل والاستنارة » [9]، وينتقد علي حرب الرؤية الأصولية لدور المثقف، تلك الرؤية التي ترمي بالمثقف نفسه إلى التعامل مع قضايا الإنسان والحداثة والتنوير بصورة لا تنويرية ولا إنسانية، رؤية متشبعة بالفكر الإيديولوجي القائم على أساس الوحدة والمطابقة والتصنيف والإقصاء، وما زاد من تدهور وضع المثقف هو نرجسيته القاتلة التي لم تنتج سوى العزلة والهامشية والإستبداد والتفاوت، بوصف المثقف ذاتً نخبوبة، أو كونه ينتمي إلى الصفوة، تلك الصفوة التي عملت على إعادة بعث الدور النبوي وتوظيفه في المجتمع من خلال ممارسة الوصايا على ثوابته وقيمه، إنه دور رسولي بامتياز، ذلك الدور الذي يتوقف عنده علي حرب كثيراً مقيماً ومنتقداً ومتجاوزاً له، إذ بحسبه « لم يعد بوسع المثقفين أن يلعبوا مثل هذا الدور النخبوي الذي وصل إلى مأزقه، بعد كل هذا الفشل النضالي والعقم الفكري … إذ الأجدى أن يعمل المثقفون على التحرر من أوهامهم النخبوية، لإعادة صوغ المفاهيم المتعلقة بالتغيير الإجتماعي والعمل السياسي أو الإنمائي» [10]، لنتحول من لغة الإدعاءات والتهويل إلى لغة العمل والتجسيد، فماذا ينفع وصف فئة من المجتمع بأنها الطليعة الواعية أو الجماعة المستنيرة، في حين نعيش على وقع فشل كل المشاريع النهضوية والإنماء والتحديث والبناء، فالمثقف لا يكون كذلك إلا إذا أحدث القطيعة مع التفكير الشعبوي والذهنية المتعالية، وإنفك من أسر الذات المضخمة ونزل من برجه العاجي إلى واقعه وإنخرط فيه بهمومه ومآسيه، ليعمل على تغييرها ولا تغيير من دون إدراك سنن التغيير ولا تحديث من دون معرفة بفقه الواقع، ويرتهن هذا كله على إمكانية المثقف وقدرته في تغيير صورته، وهذا « مؤدى المقولة القائلة بـ” نهاية المثقف “، عند من يحسن القراءة، تغير علاقة المثقف بذاته ومهمته، بعد كل هذا الهزال الوجودي والقصور المعرفي » [11]، وإيقاض ضمير المثقف في تحمل مسؤولية إنتمائه إلى المجتمع في مقابل التخلي على مهامه النضالية، إنه مسؤول عن نفسه أولاً وعن كلماته وأقواله وأفعاله كما هو مسؤول عن فشله وتعثره.
يحرض علي حرب المثقف على الإنخراط في المجتمع بكل أطيافه وأن يستغرق فيه كل الإستغراق بهمومه ليمارس فاعليته على نحو إيجابي مثمر، دونما الإنهمام بالثانويات والعرضيات من رسم لصورة براقة عن أناه، أو تمثل نفسه على أنه مصدر للحقيقة ومصنع للحلول الخارقة، إننا بذلك نحور هدف المثقف من العمل على تغيير العالم إلى العمل على تغيير نفسه بنفسه باستمرار دون إنقطاع على نحو راديكالي مثمر، إنها دعوة إلى قلب هذه التراتبية الإرتكاسية التي يعتقدها المثقف بوصفه ذاتً مركزية وجوهرية في المجتمع، لذا وجب علينا أن نفكر بصورة مختلفة وعلى نحو « يتغيير معه معنى التفكير ودور المفكر، كما تتغير الممارسات الفكرية بالذات، وهذا يقضي أن نتخلص من إدعاءات القبض واليقين، وأن نكف عن ممارسة أدوار ممثل العقل أو مجسد القيم أو مالك مفاتيح الخلاص أو معلم الحقيقة الذي يتعالى على مجتمعه أو يسبق زمنه، فلا أحد يقبض عن الحقيقة، كما لا أحد يقيم في مملكة للفضيلة أو يبرأ مما في مجتمعه من الشوائب والآفات » [12]، وجاءت دعوة على حرب للإشتغال على الأفكار في ضوء الوقائع والتجارب بصورة تتيح لنا إعادة بناء أطر وشبكات ومناهج معرفية جديدة أو صنع عقلانية مغايرة إبداعية، إن من لا يحسن طرح أفكاره، ولم ينجح بالعمل عليها لإعادة ابتكارها وتحويلها، بحيث تترجم إلى منجز حضاري سياسي أو إقتصادي أو إجتماعي لا يستحق بحق لقب المثقف، وفي هذا الصدد يقول علي حرب: « لا أراني أظلم المثقف الحداثي بذلك، فهو كأحد عمال الفكر مسؤول قدراً من المسؤولية، عما حدث ويحدث ليس فقط لأن الكثيرين من دعاة الحداثة قد وقفوا إلى جانب الأصوليات الدينية والديكتاتوريات السياسية، بل لأن المثقف أخفق في مهمته الأولى التي هي تجديد الأفكار، بقدر ما تعامل مع قضاياه بصورة سلفية تقليدية ديكتاتورية، بوصفها حقائق نهائية » [13]، فإذا كان المثقف في جوهره ناقد إجتماعي – على حد تعبيره − فإن مجتمعنا يعيش على وقع صدمات متتالية وهزائم لامنقطعة، وإذا كان المثقف ضمير المجتمع والناطق باسم قوى التقدم فإن واقعنا يثبت تراجعنا على سلم القيم وتأخرنا على العمل بأسباب التقدم، وإذا كان نفوذ المثقفين إلى السياسية نفوذاً قوياً فإن حالة السياسة العربية الراهنة تدعوا إلى التشاؤم والإشمأزاز، هذا لا يعني نفي الدور الإجتماعي أو السياسي أو الثقافي على المثقف، وإنما المراد بهذا القول « فك الوصاية النبوية وكسر العقلية النخبوية الفوقية والمركزية … مع ضرورة ممارسة النفي الفكري والتواضع المعرفي … وأن نصحوا من السبات، فهناك أناس لا يحملون لقب مفكر، إنما يمارسون علاقتهم بفكرهم بصورة خصبة ومثمرة » [14]، لذا فمشكلة المفكرين في تقدير علي حرب هي مع أفكارهم بالدرجة الأولى، مثلما أن مصدر الأزمة عند من يدعي حلها، وهذا ما يضفي المشروعية على دعوته المثقفين للارتداد على ذواتهم من خلال كسر نرجسيتهم النخبوية وتحويل أفكارهم من أصنام نظرية إلى أمكنة خصبة يمارسون من خلالها عملية النقد الذاتي بكل أشكالها.
لقد حدد علي حرب خمسة أوهام للمثقف يعيش على وطئتها هي: « الوهم الثقافي ويرتبط بمفهوم النخبة، والثاني هو الوهم الايديولوجي ويرتبط بمفهوم الحرية والثالث هو الوهم الأناسي ويرتبط بمفهوم الهوية، والرابع هو الوهم الماورائي ويرتبط بمفهوم المطابقة والخامس هو الوهم الحداثي ويرتبط بمفهوم التنوير » [15]، أما الوهم الثقافي فإنه نتاج إنفصال أو إبتعاد المثقف عن ثقافة مجتمعه باعتباره القائد، إذ الثقافة من حيث هي صناعة الحياة والإشتغال على الطبيعة وشكل من أشكال التواصل والتبادل معطى يفتقده هذا المثقف الذي يعيش عزلة عن أناس يدعى قودهم إلى دروب الحرية وإلى معارج التقدم، فهو بالرغم من عدم إلمامه بأزمات واقعه الثقافي إلا أنك تجده يمثل عقل الأمة وضمير المجتمع أو حارس الوعي وهذا هو ثمن النخبوية، إنه داء النرجسية والإصطفائية، « وهم النخبة أعني بهذا الوهم سعي المثقف إلى تنصيب نفسه وصياً على الحرية والثورة، أو رسولاً للحقيقة والهدايا أو قائداً للمجتمع والأمة » [16]، أما وهم الحرية فإنه يشير إلى « إعتقاد المثقف أنه بإمكانه تحرير المجتمعات والشعوب من أشكال التبعية والهيمنة أو من شروط التخلف والفقر » [17]، في حين أن المثقف نفسه لم يتحرر من هواماته الإيديولوجية وأمراضه النفسانية، وبات يتصرف وكأنه ساحراً أو داعية أو كاهن يأتي بالتحرير من حين لا يعلم إلا هُوَ، فتعامل مع الحرية بمنطق ينتهكها، فكان هو نفسه عائق أمام تَجَسُدِهَا، إنه تعامل معها بمنطق يخالف منطقها أو عبر عنها بخطاب يتعاكس مع حقيقتها، لهذا السبب نكاد « لا نجد مثقفاً عربياً واحداً نجح في الكلام بصورة جديدة غنية، أو فريدة على المقولات التي يتداولها المثقفون في خطاباتهم منذ عقود، كالديمقراطية والحداثة والعقلانية والعلمانية والتقدم والاشتراكية » [18]، أما وهم الهوية فيتمثل في تعامل المثقف مع أحداث العالم ومنجزاته بمنطق خصوصي يجعله سجين قوقعته الفكرية وفلسفته الإنتمائية، فيتعامل مع العالم وقضاياه على نحو جانبي عرضي مفضلاً إنتمائه إلى لغته أو دينه أو لونه على الإنتماء إلى عالمه الذي يحيا فيه، إذ هو جزء لا يتجزأ منه فيتصرف بلغة قطرية مذهبية مع مسائل عالمية وعمومية، يقول علي حرب « وهم الهوية: أعني بهذا الوهم اعتقاد المرء أن بإمكانه أن يبقى هو هو بالتطابق مع أصوله أو الالتصاق بذاكرته أو للمحافظة على تراثه، وهذا الوهم جعل المثقف يقيم في قوقعته ويتصرف كحارس لهويته وأفكاره » [19]، إنه وهم المطابقة الذي سيحكم عقول المثقفين خصوصاً العرب منهم، وهو وهم يرجعه علي حرب إلى الجذر الأرسطي وإلى الأساس الديكارتي، ويقصد بذلك مبدأ الهوية الأرسطي الذي يطابق بين الشيء ونفسه أو بين المعطى وحقيقته، وإلى الكوجيتو الديكارتي الذي يطابق بين تفكير المرء ووجوده، فليس التفكير شيء مستقل على الوجود، إنهما وجهان لعملة واحدة، الأمر الذي طوره هيغل فيما بعد من خلال فينومينولوجيا الروح، إذ لا حقيقة تعلو فوق حقيقة الروح، الروح هي الحقيقة في جوهرها، هذا ما بلوره ماركس على أرض الواقع، تلك الفلسفة التي تقوم على جدل المادة والتاريخ، إذ يتطابق فيها الفكر مع الواقع، الفكر صورة الواقع، وليس شيئاً يعلو عليه، هكذا عبر علي حرب على وهم المطابقة: « إذ مفاد المطابقة أن الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التجربة متعال على الممارسة، يمكن القبض عليه عبر التصورات، والتعبير عنه بواسطة الكلمات ومن ثم ترجمته في الحياة العملية وعلى أرض الممارسات » [20]، إنه وهم ماورائي يَتُوقُ إلى المماهات بين الموجود والمفهوم ثم بين المفهوم والمقول وصولاً إلى تجسيد ذلك التماهى بين المقول والمعمول، على حين وهم الحداثة يعني تعامل المثقف العربي مع الحداثة تعامل السلفي مع الأصول أو الأصولي مع الشيخ، إنه « وهم تعلق الحداثي بحداثته كتعلق اللاهوتي بأقانيمه أو المتكلم بأصوله أو المقلد بنماذجه، وهكذا فنحن إزاء سلوك فكري يتجلى في تقديس الأصول أو عبادة النماذج أو التعلق الماورائي بالأسماء والتوقف الخرافي عند العصور » [21]، إنه عائق حقيقي عن خلق الأفكار، وممارسة الإستقلالية الفكرية وممارسة التفلسف النقدي إذ يبقى المفكر الحداثي العربي على وجه الخصوص متمسكاً بنماذجه مقلداً لأسمائه ونصوصه، متعاملاً معها وكأنها طيفاً فردوسياً نادراً يخاف ضياعه، لهذا نجد الحداثي العربي يفكر باسترجاع عصر النهضة ويتوق إلى إعادة بعث سؤال التنوير وإلى إعتماد عقلانية ديكارت أو نقدية كانط، أو جدلية هيغل…الخ، إننا نتعامل مع هذه « المقولات على نحو يحجب أكثر مما يكشف، يطمس أكثر مما ينير، ينفي أكثر مما ينتج أو ينشأ، ومعنى ذلك أننا لا نعرف معنى ما نقول أو أننا نتكلم على أشياء ونسكت على أخرى » [22].
هذا ما ينتهي عنده “عبد الإله بلقزيز” في كتابه “نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين” مع فروقات منهجية وإيبستيمولوجية لا يمكن إغفالها، فبالإضافة إلى تشخيصات علي حرب لحالة المثقف عامة والعربي على وجه الخصوص، يضيف “عبد الإله بلقزيز” أمراضاً أخرى يعانيها هذا المثقف العربي أهمها داء “السادية الثقافية” التي تعني النزوع الجارف نحو الإنتشاء بتعذيب الأخرين، فهو مرض نفسي دال على اضطراب خطير في نظام الاشتغال السيكولوجي وفي توازن شخصية المريض، « يبدو المثقف السادي، للوهلة الأولى، مثقفاً نقدياً، متمرداً على أفكار غيره، أو نزاعاً على المساجلة والمناظرة، ربما يجهد هو نفسه ­ في أن يقدم عنه هذه الصورة ببعض التحايل الذي هو من ميكانيزمات إخفاء الحالة المرضية لديه … يكتشف القارئ في خطاب السادي إدماناً رهيباً على استعمال مفردات العدوان: على ممارسة الذم والتشييع والتجريح بلغة الشتم البذيئة » [23]، فينتج عن هذا عنف لفظي وإرهاب إيديولوجي. وبالإضافة إلى هذا المرض، نجد “عبد الإله بلقزيز” يحدد مرضاً نفسياً آخر يعانيه المثقف العربي اليوم، ونقصد به “المازوشية” التي ترمي إلى نقد الذات إلى درجة تشويهها أو احتقراها إلى حد إلغائها، إنه جلد الذات أليم وإنكار مرير كان نتيجة نقص الثقة بالذات، « فالمثقفون العرب يحتقرون أنفسهم أشد التحقير ويعبرون عن أعلى درجات الشعور بالدونية وبفقدان الثقة بالذات » [24].
إن دعوة علي حرب المثقفين العرب إلى الإستيقاظ من سباتهم والكف على احتقار جماهيرهم، وقراءة مستجدات العالم قراءة واعية مثمرة، وتغيير الذات والأفكار وجعلها مرنة مرونة الحياة والواقع، تستمد مشروعيتها من حالة الواقع العربي والعالمي على السواء وما يعانيانه من قهر للأنظمة المستبدة ومن زيف الشعارات ونفاق الإديولوجيات ثم التأكيد على ضرورة تجاوز لغة النفي والإقصاء، وممارسة التواضع المعرفي والإنفتاح على الفكر النقدي وعدم الإشتغال على حراسة الأفكار والمعتقدات .
قائمة المصادر والمراجع:
1- أنظر إلى – محمد عابد الجابري، “المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية: حفريات إستكشافية “، في: المثقف العربي “همومه وعطاؤه “، مؤلف جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.لبنان، ط2، 2001، ص37.
2- أنظر إلى: المثقف العربي “همومه وعطاؤه “، المرجع نفسه، ص38 ص39.
3- إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، تر: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة.مصر، ط1 2006، ص41 ص42.
4- محمد الشيخ ، المثقف والسلطة ” دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر “، تقديم: سالم يافوت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط1، 1991، ص 109.
5- نقلا عن ، محمد الشيخ، المثقف والسلطة ، المرجع نفسه، ص 109 ص110.
6- نقلا عن: محمد الشيخ، المثقف والسلطة ، ص 111 ص 112.
7- نقلا عن: محمد الشيخ، المثقف والسلطة ، ص 110.
8- علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط3 2004، ص 11.
9- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص 13.
10- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص14.
1- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص14.
2- علي حرب، المصالح والمصائر” صناعة الحياة المشتركة”، منشورات الإختلاف، الجزائر الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2010، ص 11.
3- علي حرب، الإرهاب وصناعه “المرشد.الطاغية.المثقف”، الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت.لبنان، ط1، 2015، ص 10.
4- علي حرب، المصالح والمصائر” صناعة الحياة المشتركة”، المرجع نفسه، ص 103 إلى ص105.
5- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص 27
6- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص98
7- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص99
8- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص 98
9- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص104
20- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص 107
21- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص111
22- علي حرب، أوهام النخبة، المرجع نفسه، ص117
23- عبد الإله بلقزيز، نهاية الدعاية “الممكن والممتنع في أدوار المثقفين”، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت.لبنان، المركز الثقافي العربي، المغرب.لبنان، ط1، 2000م، ص59 ص 60.
24- عبد الإله بلقزيز، نهاية الدعاية “الممكن والممتنع في أدوار المثقفين”، المرجع نفسه، ص63.

***************************************

طالب دكتوراه. فلسفة معاصرة. جامعة الجزائر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...