الرئيسية / احياء ذكرى المفكر الجزائرى مالك بن نبى / د/عماد الدين إبراهيم عبد الرازق*يكتب :التوازن الحضاري في فكر مالك بن نبي 

د/عماد الدين إبراهيم عبد الرازق*يكتب :التوازن الحضاري في فكر مالك بن نبي 

 

يعد مالك بن نبي(1905-1973) أحد رواد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين ، فقد كان مفكرًا مبدعًا، و صاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري ، وامتلكت أفكاره مكونات القوة ، بتركيزها على القضايا الأساسية و المحورية في العالم الإسلامي ، فأهتم بمشكلات الحضارة و النهضة و الثقافة و غيرها . و كانت جهوده في بناء الفكر الإسلامي و في دراسة المشكلات الحضارية متميزة ، سواء من حيث الموضوعات التي تناولها ، أو من حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك. و كان صاحب إنتاج غزير و خصب ، فألف سلسلة كتب تحت عنوان (مشكلات الحضارة) ثم (الظاهرة القرآنية) عام 1946، (شروط النهضة) باللغة الفرنسية عام 1948، و بالغة العربية عام 1957، و مشكلات الثقافة عام 1959. و العديد من المولفات الاخري. و يعتبر مالك بن نبي و مدرسته الفكرية من أكثر المدارس التي كان لها أثرها الواضح في تحديد ووضع ملامح الفكر الإسلامي الحديث ، خاصة أن هذه المدرسة اهتمت أكثر من غيرها بمشكلات الأمة الإسلامية انطلاقا من رؤية حضارية قائمة على فكرة التوازن أو التعادلية الحضارية التي تجمع بين مطالب الروح و الجسد ، الكم و الكيف. أولا مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي : ينطلق مالك بن نبي في مفهومه عن الحضارة من اعتقاده الراسخ أن مشكلة كل شعب في جوهرها هي مشكلة حضارية ، و لا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلي الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها. و انطلاقا من هذا الاعتقاد بأهمية الحضارة حاول بن نبي إعطاء تعريف واسع و شامل يتحدد في(ضرورة توفر مجموعة من الشروط الأخلاقية و المادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار و جوده منذ الطفولة إلي الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور.يتضح لنا من خلال هذا التعريف أن مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي شديد الارتباط بحركة المجتمع و فاعلية أبنائه ، لأن حركة المجتمعات الحضارية ظاهرة تخضع كغيرها من الظواهر الإنسانية لسنن و قوانين اجتماعية و تاريخية. ثانيا مكونات الحضارة و عناصرها عند مالك بن نبي: يشير مالك إلي أن هناك عناصر ضرورية تتشكل منها كل الحضارات تتمثل في الإنسان+ التراب+ الوقت. و لقد أولي مالك عناية بالغة بالإنسان في معالجته لمشكلات الحضارة ، انطلاقا من قيمته و دوره في التاريخ، و باعتباره الأساس الذي من خلاله تنطلق الحضارة . و الإنسان يؤثر في المجتمع أو الحضارة بثلاث مؤثرات هي الفكر-العمل – المال . أما العنصر الثاني من مكونات الحضارة فهو التراب و هو أحد العناصر المهمة في تشكيل الحضارة ، و لقد عالجه مالك من جانبين : الجانب الأول المظهر القانوني (التشريعي) و يتضمن تشريع الملكية في المجتمع. الجانب الثاني الجانب الفني و يقصد به الاستخدام الفني و السيطرة الفنية التي تتيحها العلوم المختصة كعلم التربة. و يخضع تقييم التراب في فكر بن نبي لمعيار تقدم الحضارة التي تعمل على استغلاله أحسن استغلال. أما العنصر الثالث فهو يتمثل في الوقت ، و يمثل الوقت عند بن نبي ثروة متدفقة ، لذا يجب استغلالها بالشكل الجيد، وهي قيمة لا تقوم بالمال ، و الوقت في العالم الإسلامي صار من قيم التخلي ، لأن المسلم العربي تحديًدا صارت أوقاته مضاعفة على واجباته. و يشير إلي أننا في العالم الإسلامي نعرف شيئا يسمي الوقت ، و لكنه الوقت الذي ينتهي إلي عدم. ثالثا سمات و خصائص الحضارة: يحدد مالك بن نبي عدة سمات و خصائص للحضارة من أهم هذه السمات سمة التوازن أو التعادلية ، أي التوازن بين الجانب الروحي و الجانب المادي ، فهو يرى أن أي حضارة من الحضارات ما كانت لتقوم إلا على أساس التعادل و التوازن بين الكم و الكيف ، بين الروح و المادة ، بين الغاية و السبب ، فأينما أختل هذا التعادل في جانب أو في آخر كانت السقطة رهيبة قاصمة . و هذا التوازن في مفهومه العام لا يخرج عن إطار مفهوم العدل الذي هو إعطاء كل ذي حق حقه ، و هذا لا يعني العطاء المادي دون المعنوي . فالحضارة إذن تتركب من تلك النظرة المتوازنة للروح و الجسد ، الكم و الكيف ، الغاية و الوسيلة ، فإذا أختل التوازن في جانب أختلت الحضارة. و من وجهه نظره أن الحضارة الغربية وقعت في هذا الخلل و عدم التوازن ، لأنها فقدت معني الروح لصالح الجانب المادي ، لذا وجدت نفسها علي حافة الهاوية .و يشير إلي أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعد التوازن الدقيق و الشامل من أهم خصائصه ، فالإسلام هو دين التوازن بين مطالب الجسد و الروح، بين مطالب الدنيا و الآخرة ، بين الفرد و المجتمع. و يجب أن نوضح أن هذه التعادلية التي يؤكد عليها مالك بن نبي هي أساس الحضارة في شموليتها و في توفيقها بين الفكر و الاقتصاد ليكون نتاجا لحركة المجتمع . هذه التعادلية أو التوازن الحضاري يظهر بشكل جلي في فكر مالك بن نبي عندما يري أن الحضارة لها مظهرين : المظهر الأول يتضمن شروطها المعنوية في صورة إرادة تحرك المجتمع نحو تحديد مهامها الاجتماعية ، أما المظهر الآخر فأنه يتمثل في شروطها المادية في صورة المكان . و هذا التوازن الحضاري كما يسميه مالك يتضمن وجهي الحياة المادي و المعنوي في إقامة النسيج المطلوب لصنع حضارة ما.خلاصة القول: أن فكر مالك بن نبي في الحضارة ينطلق من نظرة متوازنة و متعادلة تجمع بين الجانب المادي و الروحي ، تجمع بين الكم و الكيف . كما أن هذه النظرة تري في التعادلية أساس راسخ لبناء الحضارة ، كما أكدت نظرته في الحضارة على دور الإنسان باعتباره أحد المحاور الهامة في صنع الحضارة. و يجب أن نشير إلي حقيقة مهمة هي ارتباط فكر مالك بن نبي بقضايا أمته و محاولة وضع الحلول لنهوض أمته و أن تأخذ مكانها اللائق بين الأمم و ذلك عن طريق مشروع النهضة الذي يقدمه.

***********************************

*أستاذ بكلية الآداب- جامعة بني سويف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *