الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.حسن حنفي *يكتب:التعليم الجامعي وشروط البنك الدولي

د.حسن حنفي *يكتب:التعليم الجامعي وشروط البنك الدولي

تتوالى الأخبار الحزينة على مصر، من خارجها أكثر من داخلها، فالخارج حزين على الأوضاع الاقتصادية والسياسية، والداخل خرج للقضاء على الإرهاب والوعود بالإصلاح الاقتصادى، وإقامة أكبر قاعدة عسكرية فى الصحراء الغربية فى الشرق الأوسط تفوق «الدمام»، مع أن العدو فى الشرق، إسرائيل، وليس فى الغرب، ليبيا. وآخر الأخبار الحزينة طلب البنك الدولى- شرطا لاستئناف الشريحة الثالثة للقرض- رفع الدولة يدها عن الجامعات والتعليم العالى بأكمله، بعد أن ناضلت الحركة الوطنية المصرية بقيادة الوفد لطلب مجانية التعليم العام، فالتعليم بالعبارة الشهيرة كالماء والهواء. ولما أراد طه حسين تعميمها على التعليم العالى اتهمه الملك بأنه شيوعى، بالرغم من المثل الشعبى: «التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر، والتعليم فى الكبر كالنقش على الماء».

والجامعة المصرية، جامعة فؤاد الأول، أُسِّست فى مبانيها الجديدة عام 1925 بعد نجاح ثورة 1919 فى الحصول على الاستقلال النسبى من بريطانيا، بعد أن كانت مدرسة الحقوق فى 1907، والتعليم فيها بالفرنسية بموازاة الحزب الوطنى. وفيها استمرت الحركة الوطنية المصرية لاستكمال التحرر الوطنى وخروج البريطانيين من مصر كلية وجلاء القوات البريطانية عن قناة السويس وقاعدة التل الكبير. ونشأ يسار الوفد داخل الجامعة. والتقى باليسار المصرى العريض. وبدأ يسار الإخوان يتشكل لولا سيطرة اليمين عليه. وتشكلت لجنة الطلبة والعمال فيها، رمزا للحركة الوطنية ضد الإنجليز والقصر والإقطاع. وقد قادت الجامعة المقاومة الوطنية مع فريق سرى من الضباط الأحرار، حركة الفدائيين فى قناة السويس، بقيادة كمال الدين رفعت.

وفى نفس الوقت حملت الجامعة لواء النهضة الفكرية من مفكريها الأحرار مثل أحمد لطفى السيد وطه حسين والسنهورى وأمين الخولى وغيرهم. وأسّس مصطفى مشرفة مدرسة مصرية علمية فى علوم الذرة فى كلية العلوم، رافضا الاستمرار فى العمل مع أستاذه أينشتاين، ومُفضِّلا العودة إلى بلاده. وكانت الجامعة تمثل ميزان تعادل مع الكليات الأزهرية. وخرجت هذه المعادلة الجديدة فى كليات دار العلوم بفروع الجامعة الأزهرية فى الأقاليم، ولو أنها ظلت كلية أزهرية فى دفاعها عن الدين مثل محمد عبده وغيره من الأساتذة.

وقد ساهمت الجامعة فى تأسيس المجتمع المدنى، الذى يقوم على الاختلاط بين الجنسين دون تفرقة بين ذكر وأنثى، فكلاهما طالب علم، وكلاهما مواطن. كما رفعت هدى شعراوى النقاب وهى تقود مظاهرة مدرسة السنية مشاركة لمظاهرة طلاب الجامعة ضد الاحتلال البريطانى. ويقوم تمثال نهضة مصر أمام كوبرى الجامعة على فلاحة تخلع الغطاء عن رأسها، رمزا للثورة والمشاركة فى الحياة الوطنية.

والجامعة من لفظ «جمع»، ومنه «جماعة»، «جامع»، «تجمع» ضد الفردية والأنانية والغرور كما قيل: «لا تسمعوا كلام أحد غيرى»، وكما قال فرعون لقومه: «مَا عَلِمْتُ لَكُم منْ إِلَهٍ غَيْرِى». وهو معنى حديث الفرقة الناجية، المشكوك فى صحته، لأنه ضد التعددية فى الرأى وفقه الاختلاف، أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة. وهو السبب فى تكفير الآراء الأخرى، والذى وضعه الغزالى لأول مرة فى العقائد الإسلامية فى «الاقتصاد فى الاعتقاد».

وفى الجامعة تعلم معظم كتاب ومفكرى الوطن العربى. وقد كانت أول جامعة فى الوطن العربى قبل أن يؤسس أساتذتها جامعات الخليج، ويدعموا جامعات المغرب العربى. ومازال يفد إليها الطلاب العرب والمسلمون بالآلاف، فمصر مازالت كعبة العلم، بالرغم مما مر بها من أزمات سياسية واقتصادية وحركية غير معروفة الاتجاه.

والآن تسيطر الدولة على كل شىء، منظمات المجتمع المدنى والاتحادات والنقابات، ومن ضمنها الجامعات، بتعيين رؤسائها وعمدائها ورؤساء أقسامها. ويُحظر عليها الحديث فى السياسة، أى الأحزاب، فلا سياسة فى الجامعة، ولا جامعة فى السياسة. كما يُحظر على الوعاظ الدينيين والخطباء الحديث فى السياسة إلا ما تقرره الدولة مثل مقاومة الإرهاب والتطرف والعنف والتكفير. ولا دخل للمواطن فى السياسة، فالمواطن لا يفهم شيئا فى السياسة وإلا كان إخوانيا إرهابيا تكفيريا. السياسة حكر على السلطان، الذى يؤيده رجال الأعمال ورجال الأمن. وكل أجهزة الدولة وسلطاتها على رأى واحد، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإلا كانت الفوضى فى التضارب بين السلطات.

التعليم الجامعى فى طريقه أن يكون بالمصروفات مثل الجامعات الخاصة. وكما انتهى التعليم العام بالدروس الخصوصية تنتهى مجانية التعليم الجامعى ليس فقط بالكتب المقررة وبيع الملازم والتعليم المفتوح، بل بإلغاء مجانية التعليم من الأساس ودعم الدولة له، فكل شىء يدفعه المواطن، من المهد إلى اللحد. تُرفع يد الدولة عن مجانية التعليم ولكن تشتد قبضتها على الأمن الداخلى. وكما تحوَّل اقتصاد مصر من الفقراء إلى الأغنياء يتحول عقل مصر أيضا من هموم الفكر والوطن إلى هموم غلاء الأسعار ودفع المصاريف، ومن نَيْل الاستقلال الوطنى إلى نَيْل الشهادات والدرجات العلمية، التى تزيد من عدد العاطلين، فيخسر الوطن العلم والإدارة على حد سواء. وتكون مجانية التعليم العام قبل ثورة 23 يوليو 1952 ومجانية التعليم العالى بعدها نوعا من الحنين إلى الماضى، من ذكريات الزمن الجميل عندما جلس أبناء الفقراء بجوار أبناء الأغنياء فى أروقة الجامعة. وكما أنشد أحمد رامى:

ذكريات عبَرت أفق خيالى.. بارقا يلمع فى جنح الليالى

نبَّهَتْ قلبى من غفوته.. وجَلَتْ لى ستر أيامى الخوالى

كيف أنساها وقلبى.. لم يزل يسكن جنبى

إنها قصة حبى…

****************************

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟ اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف. في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *